الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي – الحلقة السادسة و التسعون

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي – الحلقة السادسة و التسعون

ثم يذكر ويكرام انه في عام 1903 شب فجأة النزاع بين عشيرة بدرخان البكزاده هذا والمسيحيين في المنطقة ويقول ويكرام في هذا المجال ان الذمة تقتضي علينا ان ننوه بدور ذوي الرؤوس الحارة المسيحيين الذين بذلوا اقصى ما في طاقتهم لتأجيج النار .
فقد اقدموا على لعبة حقيرة قذرة للسخرية والتندر على المسلمين من الجانب الاخر باستخدامهم النعرات المذهبية بين الشيعة والسنة، استخداماً شنيعاً فاطلقوا اسم ولي مسلم على كلب واطلقوا اسم ولي اخر على كلب ثان والبسوا الاول ثياب جندي ووضعوا على ظهر الاخر حلة الملا* واطلقوا احدهما على الاخر ليمزقه. لامراء في ان مثل هذا العمل الدنيء كان كفيلاً باثارة مشاعر اناس اكثر وداعة ومسالمة من جيرانهم البكزادة فلم يكن من العجب ان ينشأ حلف ضد قرية (ماوانه) المجرمة التي كانت في نزاع شديد حتى مع حليفتها قرية (بلولان) المسيحية ولهذا بدت ماوانه فريسة سهلة (178) وبعيداً عن التفصيل الذي يسرده ويكرام في هذا الموضوع، فان النزال على ما يبدو استمر أربعة عشر يوما” حتى وقع (الشماس) خادم الكنيسة المتعصب هو وجماعة من رجال ماوانه تحت رحمة عدد من الكرد المسلمين وحوصروا في قرية صغيرة. هنا يقول ويكرام، انصافاً للكرد انهم عرضوا عليه حرية الخروج من القرية بسلام وشرف عندما علموا بوجوده بين اعدائهم (ومع علمهم التام بما فعله بهم في المعركة السابقة) وتقدم بدرخان بنفسه وكان يقود الحملة لابلاغه الرسالة قبل البدء باطلاق النار، وهتف يقول، ليس لدينا خصومة معك يا شماس ولا مع الاغا باجان الذي تنتسب له ، فاخرج إلى طريقك وانت آمن وسنصفي حسابنا معهم هنا (178).
فأجابه الشماس بثبات واصرار انا ممنون منك لكني هنا الان بين اخواني وسوف اخرج إلى طريقي مقاتلاً معهم. وكانت معركة ضارية وحشية لم ينج احد من المسيحيين منها وخر الشماس ابلحد صريعاً. وعلى الرغم مما قاله ويكرام فانه يعلق على موت الشماس (مات خير ميتة يتمناها رجل) (179) بعد ان اطلعنا على انموذج من القتال بين فئة واخرى في كردستان دون ان يكون للسلطة دخل فيه سنتعرف هنا على احدى تحرشات القبيلة الكردية بالسلطة، ونقصد هجوم قبيلة الهماوند على القوات العثمانية المحتلة لارض كردستان.
يذكر ميجر سون، كان في السوق والمقاهي موضوع واحد يدور الحديث حوله في هذه الايام وهو الهماوند، وتناهى إلى سمعنا انهم ينوون غزو السليمانية (27).
وبعد بضعة ايام على ما يبدو فان سون اخذ يجمع المعلومات عن تحركات حكومية لمعاقبة قبيلة الهماوند، اذ سرت الاشاعة ان كتائب من الاناضول وبلاد ما بين النهرين تتجمع عند جمجمال ، وقد استطاع سون ان يتأكد من صحة الاشاعة من الرسائل التي كان يتسلمها من الموصل وبغداد، فقد تأكد لديه من وجود (3000) او (4000) عسكري من المشاة والبغالة وانهم يتجمعون للاجهاز على نحو (200) من الخيالة الهماوند لكن الهماوند ضاعفت من عزيمتها وغزت جمجمال وقتلت جنودها (27).
ان من الانطباعات التي دونها سون حول تقاليد الحرب عند الكرد، ان الهماوند عندما اسروا الجيش التركي في منطقة بازيان وكان هذا العسكر بقيادة مقدم (بكباشي) ونقيبين (يوز باشي) وقد قتل الآمر وكثير من الجند وكانت مع الجيش نسوة وعلى ما نعتقد انهم تركوا السليمانية خوفاً من هجمة الهماوند. سمع سون من امرأة، كلفت من قبل الهماوند بتفتيش لباس النسوة التركيات، أي ان الرجال الهماوند احجموا عن تفتيش النسوة الاسيرات ويعلق سون الذي عايش الكرد مدة طويلة على هذا الموضوع، ان الكرد وحتى اشدهم بداوة لا يعمدون إلى انتهاك حرمة النسوة في الحرب، وان الهماوند قبيلة تقية تعمد إلى ايقاف افعال الغزو او القتال عندما يحين وقت الصلاة (30).
ومن الامثلة التي اسرت افئدة الخصوم مواقف الشيخ محمود الحفيد في الحرب واخلاقيته الحربية ما تحدث به كلارك الضابط السياسي لسلطة الانتداب عام 1924 إلى هاملتون، اذ يقول، وما كان وقعه شديداً على النفس، ان الشيخ بالرغم من مقاومته اليائسة ووضعه العسكري السيئ ظل محافظاً على حسن مسلكه معنا طوال الحرب وعلى الرغم من قصف السليمانية، ومما يدل على ذلك ان ضابطين بريطانيين اسيرين اصيبا بمرض فأرسل الشيخ الذي احسن معاملتهما – رسالة الينا يطلب طبيباً لفحصهما والعناية بهما وقال انه سيطلق سراحهما اذا حكم الطبيب بخطورة مرضهما ووجب نقلهما إلى بغداد ومن خط الجبهة استقبل الطبيب بعبارات ترحيب من قبل الشيخ وسار به إلى الاسيرين ولما فحصهما ظهر ان كل ما يشكوان منه وعكة سببتها حالة الاسر، فرأى الطبيب ان الصدق يقضي الا يطلب اخلاء سبيلهما بسبب حالتهما الصحية وصارح الشيخ بذلك فما كان الا ان اطلق سراحهما (99).
ويحدثنا باسيل نيكيتين (1915–1918) عن السلب او قطع الطريق في كردستان وقد جاء ذكر هذا الموضوع في اكثر من مصدر مثلما جاء ذكره في اكثر من موقع من هذا الكتاب، بيد ان ملاحظة باسيل نيكيتين جديرة بالاهتمام اذ يذكر ان من العار على قاطع الطريق في التقاليد الكردية ان يلجأ إلى الحيلة في سلب الناس بل يجب عليه ان يعتمد على قوته وجرأته ويعرض حياته للهلاك ويجب على الكردي اذا اضطرته الحاجة إلى قطع الطريق ان يحمي من هو اضعف منه كما عليه ان يحترم نفسه فلا يتهجم ابداً على امرأة او عجوز او طفل لذلك لا يلجأ التجار في نقل المبالغ الضخمة من المال إلى البريد بل يأتمنون عليها رجلاً عجوزاً يحملها ويجتاز بها الجبال والوديان دون ان يتعرض لأي خطر او ازعاج وهذا الاحترام للشيخوخة من نبل الصفات التي يتميز بها الكرد (131).
ولعل هذا ما حدا بـ جيمس كريح (1880) ان يدلي باستنتاجه إلى كل من يريد السفر إلى كردستان والى أي مسافر بريطاني انه مندهش من الامن التام الذي يحظى به المسافر والعناية التي يحاط بها من قبل الكرد (201).
ومثال آخر مستمد من الزحف العثماني على الشيخ عبد السلام البارزاني يرويه ويكرام فقد كان احد الارتال العسكرية يعقب الشيخ وفي اثناء ذلك قبض على صبي تأخر عن الجماعة الفارين فطلبوا منه مهددين ان يدلهم على الجهة التي سلكها شيخه الا ان الصبي كان اصلب من الحديد واجابهم (اقسم باسم الشيخ المبارك اني لن اخبركم) وكان هذا كل ما استطاعوا انتزاعه من الصبي بعد صنوف الترغيب والتهديد. وتشاء الصدف ان يكون قائد الرتل التركي طيب القلب فلم يسىء معاملة الاسير الصغير ولكنه لم يتردد في استخلاص حكمة من سلوكه بعد ان اخلى سبيله فقد قال لضباطه وهو يبتسم – لن نربح من هذه الحرب شيئاً – وبامكانكم ان تحكموا من هذه الواقعة على طبيعة الرجال الذين نقاتلهم فهذا الطفل كان تحت رحمتي وكان يعرف ان بامكاني قتله ولكنه مع هذا تحداني وحلف باسم شيخه وكأنه يحلف باسم الله (134).
وما عدا المعارك التي تحدث بين الكرد والحكومات المتعاقبة، الفارسية او العثمانية او الانكليزية الاحتلالية، فان كثيراً من المعارك والخصومات التي تكتنف حياة الكرد تعزى إلى اسباب بسيطة او تافهة في جوهرها.

التآخي