الرئيسية » مقالات » شعب التاميل هل يستحق الحياة؟

شعب التاميل هل يستحق الحياة؟

عشرات الالاف من المدنيين التاميل محاصرون في بقعة ضيقة لا تتعدى الثلاثة كيلومترات مربعة، تدور بها معارك ضارية هذه الايام، اذ تشن الحكومة السريلانكية حربها ضد ثوار نمور التاميل.
وحسب الاحصاءات الرسمية فقد سقط في الاشهر الاربعة الاخيرة اكثر من سبعة الالاف مدني وجرح 17 الف اخر. منهم الف مدني خلال الاسبوع الماضي بعد القصف الحكومي على المناطق الامنة التي لجأ اليها المدنيون.

والمثير للقلق ان الحكومة السريلانكية التي ترفض النداءات الاممية لها بوقف القتال، تمنع الصحافة من الوصول للمنطقة، حتى بعد ان صرح الرئيس راجاباكسا ان قواته قد حققت النصر على المقاتلين في معركة غير متكافئة. في حين اعلنت وزارة دفاعه بان المحاصرين “سيقومون بعمليات انتحار جماعي”!

وبدلا من ان يحتج العالم على هذه الجرائم بحق الانسانية نرى استقبالا للرئيس السري لانكي في الاردن بمناسبة انعقاد مؤتمر الطاقة الذرية، في دعم له، وتجاهل واضح لمأساة شعب التاميل.

وشعب التاميل، الذي يقاتل في سبيل حريته، يصل تعداده الى حوالي 70 مليون نسمة منهم 62 مليون في الهند، في وطنهم “تاميل نادو”، واربعة ملايين في وطنهم “ايلام” الذي يشكل اليوم شمال شرق سري لانكا، بالاضافة الى مجموعات في ماليزيا (6.2%) وسنغافورة هي الدولة الوحيدة التي تعتبر التاميلية لغة رسمية رغم ان ناطقيها لا يشكلون سوى 5% من مجموع شعب سنغافورة.

ويدين اكثر التاميليون بالهندوسية، مع اقلية مسلمة تبلغ 6% من نفوسهم، واقل بقليل من ذلك من المسيحيين، ويتكلم الجميع لغتهم التاميلية العريقة، التي تمتد جذورها لاكثر من الفي سنة.

وكانت المنطقة، وسكانها من احفاد مملكة جفنا التي نشأت على السواحل الشرقية في القرن الثالث عشر الميلادي، قد ضمت الى مناطق الجزيرة الاخرى في العام 1802 كجزء من مستعمرة سيلان. وبقيت على وضعها بعد استقلال البلاد من الاستعمار البريطاني عام 1948م.

اتضحت المطاليب الاستقلالية الشعب التاميلي بعد استقلال الهند في العام 1947م، الا ان الحكومة الهندية لم ترد عليها بالعنف، بل اقرت بالكثير من الحقوق، مما ادى الى ضمور هذه المطالبات، مثل تبني النظام الفيدرالي في العام 1963، ثم الاعتراف باسم الوطن الاصلي “تاميل نادو” في العام 1968 بعد ان كان يطلق عليه اسم اقليم “مدراس”.
اما الحكومات السريلانكية فقد اتخذت مسلكا مغايرا، و استخدمت القمع والبطش العسكري للقضاء على الطموحات التحررية لهذا الشعب، مما ادى الى ارتفاع وتيرة المطالبة الجماهيرية في سبعينيات القرن الماضي من الحكم الفيدرالي الى الاستقلال الكامل، ثم تطورت الى حرب اهلية في الثمانينات بين الشعب التاميلي والحكومات السينهالية التي تتنكر لحقوقهم، وحتى وقف اطلاق النار الذي ابتدأ في العام 2002 لم يصمد، اذ انهار العام الماضي ليسفر معه تجدد الاشتباكات عن سقوط المزيد من الضحايا، الذين بلغ عدده في الربع قرن الاخير اكثر من 70 الف نسمة.

سياسيا فان الممارسات القمعية قد برزت الى العلن اثر اعتقال 42 مناضل تاميلي في العام 1972، كان ذلك بسبب مطالبتهم بالحقوق الثقافية، والحكم ذاتي لمنطقة ايلام، وشملت الاجراءات الحكومية ترحيل ابناء القرى التاميلية واحلال فلاحين من القومية السينهالية محلهم، وهذه العمليات اشتدت في الثمانينات. وعدم الاعتراف بالمسلمين التاميل كجزء من التشكيلة القومية، بل يتم ادراجهم كمكون خاص، الى التضييق على ثقافة هذا الشعب، ولغته الثرية، التي تصنف رسميا في الهند “كلغة كلاسيكية”، وكاقدم لغة للادب والثقافة في شبه القارة باكملها.

اما القمع المتواصل هذا، فأنه يمنح التشكيلات التاميلية المسلحة، وهم جبهة تحرير نمور التاميل زخما شعبيا، ويرفدها بالقوة القتالية في مواجهة الدولة السريلانكية، التي صارت تعتبر اليوم في اقليم ايلام، من قبل التاميل كدولة احتلال اجنبي.

وتأتي محنة الشعب التاميلي بسبب عدم اكتراث دول العالم بمأساته، وبسبب ازدواجية المعايير التي تتبعها الدول الكبرى، ومما ساعد الحكومات بالايغال اكثر في سياسة التمييز العنصري، وغمط حق هذا التجمع السكاني المتميز، فهذه الدول تفضل مصالحها الاقتصادية المرهونة بحكومة كولومبو على حقوق الانسان اولا، وثانيا لان ارض تاميل ايلام لا تخزن تحتها بحيرات نفط كما في المناطق الساخنة في العالم.

ورغم ذلك، ورغم اصطفاف العالم الى جانب القوة المركزية، وتجاهل الكارثة الانسانية، والجرائم التي ترتكبها القوات العسكرية السري لانكية في منطقة ايلام، مثل الجريمة التي تقع الان في المنطقة، الا ان الفلاحين، والطبقة الوسطى من التاميل يحاربون، باسلحتهم البسيطة، في سبيل الحرية، وهم شعب يستحق الحياة، ويجب ان تضمن لهم حقوق مساوية تماما لما تتمتع به شعوب النفط المرفهة