الرئيسية » مقالات » السجون السورية والتعذيب

السجون السورية والتعذيب

المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تقول: “لايعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة” وكذلك فإن المادة الثامنة من الإعلان نفسه تقول بأن “لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه عن أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون”. إذاً فالنص القانوني بشأن التعذيب واضح ولكن يبدو أن النظام السوري وأجهزته الأمنية المخابراتية غير مهتمة بالقانون الدولي وبكل هذه القضايا الحقوقية؛ نظراً لما يجري في أقبية الفروع الأمنية من تعذيب وتنكيل بحق السجناء والمعتقلين السياسيين وصولاً إلى نحرهم وقتلهم في بعض الحالات وذلك على الرغم من أنها (أي سوريا) من الدول الموقعة على الإعلان العالمي المذكور، بل وأحياناً تطالب الآخرين – إسرائيل – بإحترام حقوق الإنسان والمعتقلين من جماعات حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية والتي تدور في فلك المحور السوري – الإيراني.

وتأكيداً على ما ذهبنا إليه، فإن الأنباء الواردة من الداخل تقول: بأن وتيرة التعذيب والقتل والتنكيل الذي يمارس في الأقبية المخابراتية الأمنية، إن كان بحق المعتقلين السياسيين أم السجناء العاديين، قد أزداد في الفترة الأخيرة بشكلٍ ملحوظ وبات يقلق المنظمات والهيئات الدولية الحقوقية وقبلهم عوائل وأسر ضحايا الإعتقال الكيفي في البلد، حيث نسمع بين الحين والآخر جريمة من جرائم الأمن بحق هؤلاء السجناء وربما كان آخرهم – ونتمنى ذلك – السجين الضحية عبد الله البيطار موظف بنك بيمو الذي قضى نحبه تحت التعذيب؛ حيث ذكرت وسائل الإعلام ومنهم (قدس برس) بأنه “تضاربت الأنباء في سورية حول سبب إقالة وزير الداخلية السابق اللواء بسام عبد المجيد، فبينما اعتبر حقوقيون أن الأمر يتصل بترتيبات إدارية تنظيمية لتفعيل عمل الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، تحدثت بعض المصادر الإعلامية السورية عن أن الأمر يتصل بحالة تعذيب أودت بحياة موظف في البنك كان موقوفا في إدارة الأمن الجنائي”.

هذا وعلى الرغم من أن المحامي والناشط الحقوقي السوري هيثم المالح وفي تصريحات خاصة لـ (قدس برس) رفض “الربط بين إقالة وزير الداخلية السابق بسام عبد المجيد وبين حالة موظف بنك بيمو عبد الله البيطار الذي قضى تحت التعذيب، ولكنه أكد على أن التعذيب في السجون والأقبية الأمنية تمارس بشكل روتيني؛ حيث قال: “هذه ليست حالة التعذيب الوحيدة في السجون السورية، بل إن التعذيب تحول إلى خبز يومي للمعتقلين، وما يجري في المباحث والأقبية السرية شيء يندى له الجبين، ولا دور لا للقضاء ولا للقوانين ولا لأي شيء، كما لو أننا في نظام سري يعمل تحت الأرض”، على حد تعبيره. وكذلك فإن المحامي ميشيل شماس أكد في تصريحات خاصة لـ(قدس برس) بـ”عدم وجود قانون واضح في سورية يعاقب على التعذيب” مما يفتح المجال أمام عناصر وضباط الفروع الأمنية المخابراتية بأن تنكل بالسجناء وعلى الأخص منهم سجناء الرأي.

وبالتأكيد فإن حالة السجين الضحية عبد الله البيطار ليست هي الأولى ولا الوحيدة فقد سبقتها العديد من الجرائم والضحايا التي قرأنا عنها في وسائل الإعلام، نذكر منهم على سبيل الذكر وليس الحصر: بأن كلٍ من المعتقلين زهير إسماعيل خانيه وأسامة فواز إبراهيم قد نقلا بتاريخ (24/2/2009) قد نقلا إلى المشفى وذلك بعد “تعرضهم للتعذيب الشديد الذي أدى إلى كسر أضلاع المعتقل زهير إسماعيل خانيه بسبب التعذيب الوحشي الذي لاقاه مع باقي المعتقلين، كما يعاني الشاب الآخر أسامة فواز إبراهيم من آلام شديدة و تورمات في مختلف اجزاء جسمه بسبب التعذيب، وبحسب المعلومات الواردة فان أوضاع المعتقلين الكرد سيئة و يتعرضون للإهانة والتعذيب من قبل العناصر الأمنية باستمرار”. (نقلاً عن المؤسسة الإعلامية في منظومة غربي كردستان- الحسكة 26/2/2009).

وبخصوص التعذيب في السجون السورية يكتب الأخ (محي الدين عيسو) وذلك بعد الإطلاع على تجربة أحد الشبان الكورد الذين تم إعتقالهم بعد إنتقاضة (12 آذار لعام 2004) ما يلي: “أصعب المواقف التي يتعرض لها المعتقل وهو مكبل اليدين، ومعصوم العينين، بأنه لا يتعرف على الجهة أو الوجهة التي تأتي منها الضربة أو الصفعة، ولا يستطيع الدفاع عن نفسه حتى بالكلمة، فالجلاد لا يفقه لغة الحوار، وهو عبد مأمور ينفذ الأوامر، ومستعد لقتل الضحية في سبيل أرضاء أسياده الصامدين على كراسيهم المطعمة والمزركشة بدماء الأبرياء. حيث تتشابه أساليب التعذيب في السجون السورية مع وجود فوارق بسيطة في آلية التنفيذ، والتهم الموجهة إلى المتهم، ومدى تجاوزه للخطوط الحمراء المرسومة على خارطة الوطن بطوله وعرضه، وهي الأساليب التي أدت إلى تشوهات جسدية وفقدان للحياة للكثير من المعتقلين وخاصة السياسيين منهم، والذين تعرضوا لأبشع أساليب التعذيب في الأقبية الأمنية السورية، وهي أساليب تناولتها بالحليل والتصنيف دراسات حقوقية عديدة من بينها دراسة الناشط الحقوقي: محمد نجاتي طيارة: من أجل سورية بلا تعذيب، وكتاب فرج بيرقدار: تغريبتي في سجون المخابرات السورية، كما ذكرتها أيضا تقارير منظمات حقوقية مثل تقرير لجان الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقر اطية في سوريا”.

وهكذا يبدو – ومن خلال الإطلاع على واقع السجون والمعتقلات الأمنية السورية – بأن الأحداث أيضاً لا يسلمون من بطش أولئك الجلادين وجورهم وظلمهم؛ فها هو أحدهم (يامن حسين) يكتب: (فتى نحيل في السادسة عشرة بدأ بعض الزغب يظهر على وجهه وشارباه لم يخطّا بعد… هو “المتفوق” عارف حنوش الذي كرمه السيد رئيس الجمهورية لتفوقه في الشهادة الإعدادية.. وتم توقيفه يوم الثلاثاء 14/2/2007 فجراً مع خمسة أطفال آخرين على خلفية أحداث الشغب في قرية المزرعة… وأطلق سراحه يوم الخميس 30/8/2007 , فيما ينتظر رفاقه إخلاء سبيلهم.. 17 يوم تنقل عارف خلالها بين السجون والمحاكم… سبعة أيام منها في مخفر الوعر… تنقلات عرف خلالها ورغم صغر سنه.. الدواليب والشتائم من قبل مسؤول السجن وعناصر الأمن الجنائي, يومين في السجن المركزي, أربعة أيام في سجن البالونة الشهير في زنزانة طولها مترين وعرضها متر ونصف يزج بها تسعة أطفال بعد تعرية أجسادهم حتى من الثياب الداخلية.. ساعات تنتظرهم للحصول على دور لدخول دورة المياه… لكن عارف يؤكد أن الأيام الأربعة التي قضاها في مدرسة الأحداث كانت أخف وطأة من كل ماسبق , يا سيد مسؤول “نحن بشر ولسنا كلاب” يقول عارف).

وكذلك فإن المرأة لم تسلم من بطش زبانية السجون والأقبية الأمنية وذلك على الرغم من كل قيمنا وأخلاقنا الشرقية والتي تعطيها وضعاً خاصاً بحيث وصل الأمر بقطاع الطرق والمجرمين والعتاة، ناهيك عن الثوار والمتمردون، أن يصون كرامة هذا المخلوق/ المرأة، بل ومن يرافقها من الحراس أو الزوج أو غيره وكمثال نورده هنا؛ فإننا نتذكر جيداً من طفولتنا العفرينية بأن صالان (وكان أحد الخارجين على القانون في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي في منطقتنا) وعندما كان يقطع الدروب على المارة بين أودية وجبال المنطقة بغاية سلبهم ونهبهم وتكون هناك إمرأة ضمن القافلة فإنه كان يدعهم وشأنهم حفاظاً على كرامتها وعفتها.

ولكن يبدو أن جلاوزة الأمن في بلادنا بعيدون عن كل السجايا والأخلاقيات التي تربينا عليها ووصل الأمر بهم إلى إنتهاك عفة المرأة وتعذيبها، بل والإعتداء عليها جنسياً.. وربما أكثرنا يتذكر رواية الكاتب العراقي (غالب هلسا؛ ثلاثة وجوه لبغداد) وكيف يقمن بطلات الرواية بتجربة إدخال القنينة في عضوهن التناسلي ليس بغاية التلذذ الجنسي وإنما للتمرين وذلك إن تعرضنا للإعتقال وما سيلاقيهن على أيدي جلاديهم في تلك الزنازين العفنة والرطبة لأجهزة مخابرات بلدهم وليس بلاد أعدائهم. هي ثقافة واحدة وتتبنى الأيديولوجيا ذاتها وبالتالي فالمعاناة هي نفسها في بلدان الخوف والسجون والتعذيب ومنها بلدنا حيث “الشعب كله متهم في سوريا، رجاله ونساؤه، أطفاله وشيوخه، كلهم متهمون، يجب أن يسحقوا، وأن تملأ بهم السجون والمعتقلات، ويذبحوا ويتسلى بهم الساديون، أزلام النظام.. وسـخرهم لذبـح المواطنين رجالاً ونسـاء، من جميع الفـئات، والأعمـار والأجناس…” هذه العبارات وغيرها يصيغها الدكتور خالد الاحمد وذلك من بعد الإطلاع على كل من كتابيّ (تدمر، شاهد ومشهود) لمحمد سليم حمـاد وكذلك كتاب هبة الدباغ (خمس دقائق فقط: تسع سنوات في سجون الأسد) والتي تروي فيها الكاتبة قصة إعتقالها عقب أحداث حماه الدموية وما لاقتها من تعذيب خلال مسيرتها الطويلة في السجون السورية والأقبية الأمنية وغرف التعذيب أو التحقيق، حيث لا فرق.

بل وصلت الجريمة السياسية في سوريا إلى حد قتل المساجين؛ تحت التعذيب أو الإعدامات الجماعية كما يشهد على ذلك أولئك السجناء الذين بقيوا على قيد الحياة و”كتب لهم عمر جديد” ممن عاش الحقبة المرعبة في ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي داخل السجون السورية وعلى الأخص منهم سجن تدمر حيث يكتب الصديق والأخ حسن الهويدي، بهذا الخصوص، في مقاله (الدم السوري على مذبح اعمدة المشانق.. تدمر) ما يلي: “في بدابة اعتقالي عام 1987عندما تم ترحيلي إلى سجن تدمر وضعوني في المهجع الحادي عشر وهو احد المهاجع التي نفذت فيه المجزرة وفي أحيان كثيرة عندما (كنا) نقوم بتنظيف أرضية المهجع المرقعة بقميص إسمنتي تُلٍفَ بعض أجزاء المكان الذي نقوم بتنظيفه، كنا نجد بعض مقذوفات الطلقات المنغرزة في المكان، وبعض شظايا القنابل اليدوية وخاصةً المسمارية منها، وآثار دماء متناثرة على جدران وسقف المهجع.. وقد روى لي أحد سجناء القيادة القومية من المهجع الخامس.. فظاعة ما تم ارتكابه وفظاعة المنظر بعد الإجهاز على جميع السجناء وطريقة نقل وسحل الموتى والتمثيل في الجثث بعد موتها مثل قطع الرؤوس والأيدي والأعضاء التناسلية وفج البطون وقطع الألسن”.

ثم يروي الكاتب والصديق (حسن) حكاية مفجعة من آلاف الحكايات السورية والتي تحكي عن العذابات الإنسانية والإعتقال والدم والإعدامات الميدانية وذلك من خلال شخصية أبو عزيز الحلبي والذي يعتقل في مدينته ويعدم في سجن تدمر مع مجموعة من السجناء الآخرين فقط كونه أبن مدينة حلب وصهر مدينة حماه؛ أي من خلال الشبهة فقط وهكذا فإن الكاتب يقوم بسرد ما يتعرض له (أبو عزيز) من مهانة وتعذيب خلال (مشوار التحقيق) في الأقبية الأمنية، حيث يقول في إحدى فقرات الحكاية/ المأساة واصفاً التعذيب في السجون السورية وذلك من خلال إحدى مشاهدات هذا المعتقل الحلبي ما يلي: “ولدي معلومات عن وحشية ذلك الضابط في فرع المخابرات العسكرية (الرائد نعسان – فرع السريان بحلب) وكيف كان يقتل السجناء بعد تعذبيهم وأنه أطلق النار من مسدسه, أثناء التحيقق مع بعض السجناء على رؤسهم وسقطوا شهداء, والبعض الاخر خوزقهم من الخلف عندما كان يأمرهم بالجلوس على قنينة الكازوز (ستيم) المصنوعة من الزجاج ووضعهم في زنزنات خاصة فيكون مصيرهم الموت بعد النزيف الحاد الذي تعرضوا له نتيجة الخوزقة..”. وهكذا فإن كانت النساء في عالم غالب هلسا الروائي والواقعي (العراق) يتمرنّ على القنينة، فإن الرجال في بلدي (سوريا) يخوزقون بها والشعار واحد (وحدة حرية إشتراكية).

وقد وصل الأمر بالسلطات السورية وأجهزتها الأمنية على الإقدام لإرتكاب مجازر مرعبة بحق السجناء والمعتقلين، إن كان في سجن تدمر إبان الحقبة الدموية بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام السوري أو بعدها بأقل من عقد في سجن الحسكة، وذلك عندما أقدمت هذه السلطات على إحراقها، لا يقل همجيةً ووحشية عن جرائم النازية؛ حيث كتبت العدد 143 – آذار 2007 م من النشرة الشهرية والتي تصدرها اللجنة المركزية لحزب يكيتي الكردي في سوريا بهذا الصدد ما يلي: ((بتاريخ 24 آذار 1993 عند الساعة التاسعة والنصف مساء بتوقيت دمشق، جرى إحراق سجن الحسكة، وإن ملف هذه الجريمة –كما غيرها- يضم أسراراً بالغة الخطورة، لكنها ستبقى أسيرة في أقبية أجهزة الأمن إلى أن يأتي يوم تنقشع فيه الغيوم)). وتضيف النشرة السابقة التالي: ((حين وقوع الجريمة كان الشارع العام في كل أنحاء محافظة الجزيرة يعتبرها مدبرة ومخطط لها بدقة وعلى أعلى المستويات.. فكيف نفسر بقاء النيران مشتعلة بأجساد الضحايا في المهجع رقم /2/ والذي كان يضم 109 أشخاص طيلة ساعتين تقريباً دون إطفائها، ودون أن تفتح الأبواب أو تكسر الأقفال أو يقص الشبك المعدني، ودون قيام أجهزة الإطفاء بالعمل رغم وجودها، وكذلك عدم وجود ضابط واحد في السجن ساعة الحريق (حتى تنتفي المسؤولية؟!) لماذا لم يستطع 109 أشخاص من التغلب على النار؟ وعلى خمسة أشخاص (هم من) قاموا بعملية الحرق حسب ادعاء المسؤولين!! ثم لماذا تجاهلت وسائل الإعلام الرسمية هذا الحدث الخطير؟! في حين تناولته بعض وسائل الإعلام الخارجية؟!)).

وتعلق النشرة ((جريمة بهذا الحجم يذهب ضحيتها /57/ سجيناً تمضي بصمت مريب، ولو حدثت في دولة تحترم نفسها وشعبها فإن وزراء سيحاكمون، وحكومات ستسقط، فعلاً إنه استهتار بأرواح الناس، وبشكل خاص أرواح الكرد. والمثير للجدل هو أن نتائج التحقيق المخفي قد صدرت بعد شهرين، لم تتضمن أحكاماً بحق أي مسؤول أو ضابط لا في السجن ولا في المحافظة.. لقد اعتبر وزير الداخلية – آنذاك محمد حربة – أن “الحادث جنائي افتعله مجرمون”. لكن الحقائق تكمن في دوافع بعض المسؤولين والمتنفذين وفي مقدمتهم اللواء محمد صفوري قائد شرطة المحافظة آنذاك بأنهم وراء المخطط وبمباركة رؤوس كبيرة في وزارة الداخلية وذلك للتخلص من مجموعة من الكرد بطريقة لا تخطر على البال وبهمجية إلى أبعد الحدود، باستخدام مجموعة أخرى لها نفس المصير..)). وتختتم النشرة أخيراً بما يلي: ((وفي نيسان 1993 صدرت أحكام قضائية بحق المتهمين استبعدت الفاعلين الحقيقيين، ونفذ حكم الإعدام شنقاً بحق خمسة منهم، وبالأشغال الشاقة المؤبدة على ثلاثة وبأحكام سجن خفيفة بحق طاقم السجن، وكان عدد الضحايا نتيجة جريمة الحرق 70% منهم من الكرد والبقية من الجزيرة، وقلة من محافظات أخرى)). وقد رأينا الحادثة/ الجريمة تتكرر في سجن آخر (سجن صيدنايا) وبأسلوب آخر وذلك صباح يوم السبت في 5-7-2008م. حيث أمرت إدارة السجن بإطلاق الرصاص الحي على السجناء وذلك خلال تمردهم على الإدارة وأسلوب تعاملها معهم.

وبالتالي ونتيجة لهذه الظروف المأساوية والتي يعيشها شعوبنا السورية وبمختلف أطيافه وتكويناته العرقية والدينية والسياسية ومما تلاقيه على أيدي جلاوزته وفي أقبية وزنازين وسجون الأجهزة الأمنية المخابراتية، فكان لا بد للقوى الحية المجتمعية من أحزاب ومنظمات حقوقية وإنسانية وكذلك الكتاب والناشطين السياسيين بأن يتحركوا للحد من زحف هذا الطغيان المرعب في الجسد السوري فكانت بعض الفعاليات والنشاطات ولكن – وللأسف – لم ترتقي إلى المستوى المطلوب وذلك لغياب المناخ وللكثير من الشروط والمبادئ الأساسية – لسنا بصدد تناولها في مقالنا هذا، وربما نعود إليها في كتابات أخرى – ولكن وعلى الرغم من ذلك يمكن القول: بأنها أستطاعت “رمي الحجر في المستنقع الراكد”. وهكذا ورغم ظروف الترهيب والقمع فقد نشطت العديد من المنظمات الحقوقية الإنسانية والتي فضحت – وما زالت تفضح – ممارسات هذه الأجهزة البوليسية المخابراتية وما تمارسها في السجون السورية ومن تلك المنظمات، جمعية حقوق الانسان في سوريا حيث تقول في إحدى تقاريرها بأن “في سورية عدداً من حالات التعذيب (الـ)جسدي أو النفسي لسجناء سياسيين أوقضائيين أسفرت عن وفاة أوتشوهات جسدية ونفسية”، داعيةً (أي تلك المنظمة – والتعليق منا) السلطات السورية إلى “ممارسة الرقابة على سجونها والى التوقيع على الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب”.

ويقول التقرير السابق “وفي أول تقرير من نوعه يتحدث عن واقع التعذيب في سورية أوردت جمعية حقوق الانسان السورية غير المرخصة عدداً من الحالات التي أسفر التعذيب فيها عن نتائج تتنافى مع التوصيات الدولية بمناهضة التعذيب استناداً الى مبدأ الكرامة والحق في السلامة الجسدية والعقلية وفقاً لميثاق الامم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الانسان. وفي اشارته الى نماذج من جرائم التعذيب في سورية ذكر التقرير أن 30 سورياً ممن يعتقد أنهم كانوا منفيين الى العراق وعادوا بعد الحرب الأمريكية ـ البريطانية (أي بعد تحرير العراق من طاغيتها وزبانيته – كذلك التعليق منا) اعتقلوا في سجن درعا قرب دمشق في زنازين افرادية ويتعرضون لتعذيب شديد مع منع الزيارة عنهم وحرمانهم من فرص التنفس”. ويؤكد التقرير على أن حسن عبد الله الطالب في السنة الرابعة في كلية الشريعة بحلب “توفي في كانون الثاني الماضي بعد اعتقاله مدة عام ونصف في أحد سجون الأجهزة الأمنية على اثر اصابته بالسل دون مده بالعلاج المناسب في حين توفي الكردي محمد مصطفي، 35 عاماً، بعد اعتقاله على خلفية خلاف مالي مع أحد المتنفذين”. وكذلك يشير التقرير الى أنه “لدي الدفن لوحظت آثار التعذيب على كافة أنحاء جسده وعضوه الذكري”.

وينقل التقرير أيضاً “افادة 7 اكراد اعتقلوا على خلفية مشاركتهم بتظاهرة للأطفال الكرد أمام مقر اليونسيف في دمشق خلال حزيران الماضي (بتاريخ 25/ 6 / 2003 والتوضيح من عندنا) وبأنهم أدلوا بافاداتهم تحت التعذيب الشديد وتم اجبارهم على التوقيع عليها في حين أن خالد احمد علي احتجز في زنزانة صغيرة جداً تحتوي على مرحاض لا يفصل أي حاجز بينها وبينه، وأكدت الجمعية أن فراس محمود عبد الله تعرض للتعذيب الشديد مطلع العام الحالي في فرع الأمن الجنائي بدمشق مما أدى الى وفاته دون السماح للطبيب الشرعي ومحاميه وذويه بالكشف عن جثته، كما أن نجدت بري من اللاذقية على الساحل السوري توفي اثر تعذيب الأمن الجنائي له لمدة 4 أيام حيث أفاد محاميه أن إغراق رأسه في دلو من الماء أدى الي اختناقه ووفاته”. وكذلك فإن التقرير “يتهم قاضي ناحية في الرقة شمال شرق سورية بتعذيب آمنة علوش، 42 عاماً، بوضع قدميها في الدولاب وضربها بشكل مبرح على رجليها بواسطة كابل رباعي من قبل الشرطة بينما كانت تصرخ مؤكدة براءتها، وكانت آثار التعذيب بادية على القدمين، وهالة زرقاء أحاطت بالعين اليسرى بعد أربعة أيام من واقعة تعذيبها”. ويحرص التقرير على الاشارة الى أن “التعذيب كان لدواع أمنية أو لأسباب قضائية كما جاء في الحالات السابقة”.

ويورد التقرير “أساليب التعذيب في سورية بدءاً من الكرسي الألماني الذي يشد فيه جسد المعتقل على شكل قوس من خلال إسناد ظهره بقضيب معدني بعد تكبيل يديه وقدميه ومن ثم ضربه عليهما وهو يؤدي أحياناً الى شلل في الأطراف قد يستمر بضعة أسابيع وفقاً لقسوة الضرب”. ويذكر كذلك “أسلوب الضرب بالكبلات ـ مجموعة أسلاك نحاسية ـ على القدمين واليدين ومختلف أنحاء الجسم وغالباً ما ينتزع الكابل كمية من اللحم خلال الضرب، اضافة الي أسلوب الدولاب، وهو اطار السيارة، يوضع فيه رأس الانسان وقدميه ليتم ضربه دون أن يتمكن من الحراك. وكذلك صعقات بالكهرباء على مواطن حساسة من الجسم والحرق بالسجائر و بساط الريح الذي تشد فيه الأطراف الأربعة للانسان بحبال الى الجهات الأربع مع الضرب على مختلف أنحاء الجسم والصفع والركل والجلد على أسفل القدمين والتعذيب بالمياه حيث يتم اغراق الرأس بوعاء مليء بالمياه لنزع الاعترافات من المتهم. (و)التهديد بالاعتداء على نساء الأسرى”. وأعتبرت الجمعية كذلك بأن “التعذيب العقلي يتمثل بالحبس الانفرادي لمدة طويلة يمنع خلالها المعتقل من الاتصال بالعالم الخارجي مع رداءة الطعام وانعدام الشروط الصحية للمكان واسماعه بصورة شبه دائمة أصوات التعذيب الشديد وتوجيه الاتهامات والشتائم المقذعة وتهديده بأفراد أسرته ولا سيما الزوجة او الأخت أو الابنة”.

ويؤكد التقرير أيضاً “أن التحقيق في الفروع الأمنية يترافق عادة مع التهديد والتخويف مما يؤثر بشكل مباشر على معنويات الموقوف ويؤدي الى آثار نفسية طويلة، وأشار التقرير الى أن المعتقلين يتم إحتجازهم في مهاجع أو زنازين مساحة الأخيرة لا تتجاوز المتر عرضاً مقابل مترين طولاً وتتميز بعدم وصول الضوء أو الإنارة فضلاً عن القذارة وإفتقارها الى أدنى معايير الصحة حيث ينقل عن أحد السجناء فيها قوله لا يوجد سوى القمل والانسان حتى الحشرات الأخرى لا تستطيع أن تعيش هناك”. ويؤكد التقرير أخيراً؛ بأن سورية وإن “لم تصادق حتى اليوم على اتفاقية مناهضة التعذيب الدولية، إلى أن ذلك لا يخرجها من المسؤوليات المترتبة عليها بموجب القانون الدولي لحقوق الانسان، لا سيما حيال ما يرتكبه بعض موظفيها الرسميين من جرائم تعذيب خصوصاً” وأنها (أي سوريا) “صادقت على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية منذ العام 1969 وأصبح جزءاً من قانونها الوطني. واعتبرت الجمعية أن الحكومة السورية أخلت بالتزاماتها بضرورة الغاء جميع النصوص القانونية التي تحمي ممارسة التعذيب وفقاً للمادة 2 من العهد الدولي آنف الذكر، فضلاً عن عدم سن قوانين خاصة واضحة لتجريم التعذيب وسوء المعاملة وترتيب المسؤولية على الموظف الرسمي الذي يمارس هذه الجريمة”.

وأخيراً يطالب تقرير جمعية حقوق الإنسان بإنهاء التعذيب في السجون ومراكز التحقيق السورية وبأن ذاك يتطلب “اتخاذ قرار رسمي على أعلى المستويات (وبأنه) ينبغي تعميمه على كافة العاملين في أماكن احتجاز الحرية، (و)طالبت الجمعية (من) المنظمات الأهلية بالضغط على الحكومة السورية للمصادقة على اتفاقية مناهضة التعذيب وكذلك الغاء المادة 16 من مرسوم إحداث إدارة أمن الدولة التي تحمي جرائم التعذيب وسن قوانين خاصة لمعاقبة مرتكبي التعذيب مع رفع الحصانة عنهم”. وطالبت كذلك بـ “تأمين التفتيش المنتظم على أماكن الاحتجاز والرقابة وتشكيل فرق متخصصة بهذه المهمة من المحامين والقضاة. كما طالب التقرير بتشكيل لجنة قضائية خاصة في الفترة الأولى لتلقي وتوثيق حالات التعذيب في الفروع الأمنية والقضائية إضافة الى حصر أماكن التوقيف الأمنية واخضاعها للرقابة التفتيشية”.

ولكن وبعد كل ذاك وعندما نسمع خبراً كالآتي: (في محاضرة بالمركز الثقافي بالقامشلي يوم الخميس الماضي – من الربع الأول لعام 2009 أي بعد حوالي عقد من الألفية الجديدة ونقول الجديدة من حيث الرقم الزمني والتاريخ وليس من حيث التجديد الفكري وتحديث وتقويم سلوك النظام السوري وغيره من أنظمة الظلام، والتعليق من قبلنا – نعم في محاضرة للدكتور احمد الدريس وبعد أن ناقشه القاص السوري أحمد عساف تلقى صفعة من أحد عناصر الأمن ولم يرد على ضربه أحد). وتعلق موقع (كميا كوردا) والتي أوردت الخبر مع غيرها من المواقع بأن “هذا يحدث في المركز الثقافي هنا (أي في قامشلي).. الى هذا الحد وصلت الامور”. ويضيف الموقع كذلك “وجدير بالذكر أن تشاجرا – والأصح شجاراً – جرى بين نفس المحاضر والمعتقل مشعل التمو قبل سنوات”.

نعم.. إننا نتساءل بعد كل هذا وذاك و.. ذاك الخبر الذي يذكرنا بمسرحيات صموئيل بيكيت، أليس كل هذا الكلام الذي ندبجه “لا يغني من جوع” وبأن الأجهزة الأمنية تقرأها على سبيل التندر والسخرية بنا ومن عقولنا البسيطة وآرائنا المسطحة وكتاباتنا المجوفة والتي لا تستطيع ليس “فك رقبة عبد” أو سجين سياسي وكاتب وأستاذ جامعي وأبن السبعين من العمر وربما أزود؛ الدكتور عارف دليلة، بل حتى إنها لا تستطيع أن تمنع سجانه ومحققه (مساعد في الأمن ربما لم يحصل على شهادة السرتفيكا) لأن يصفع الكتور الجامعي ويترك على أثره آثاراً للدماء على وجهه. بل ولربما بأن أولئك (السادة) من كبار الضباط في الأجهزة الأمنية يقبعون الآن خلف مكاتبهم الفخمة والضخمة والتي يمكن لواحدة منها أن تأوي عشرات العوائل من المشردين الفلسطينيين في العراق والذين طالب رئيسهم السيد محمود عباس من رئيس إقليم كوردستان (العراق) الأخ مسعود بارزاني بأن يأويهم في الإقليم وذلك خلال زيارته فبل أيام للإقليم.. نعم، ربما بأن أولئك (السادة) الآن يجلسون خلف طاولاتهم تلك وهم يهزأون من سذاجتنا ويروون لضيوفهم من أبناء جلدتهم بطولاتهم وصولاتهم العنترية واليزنية (من سيف بن ذي يزن) و.. كيف كانت الضحايا تئن وتتوسل إليهم بأن يخففوا التعذيب عن أجسادهم وبأنهم أبرياء.

وهكذا وهم يروون قصصهم.. تسمع، بين الحين والآخر، أصوات قهقهاتهم وهم يضحكون على معتقلٍ وكيف بال في بنطاله أو إمرأةً تحاول ستر عورتها وهي راكبة (بساط الريح) و.. وليس لك يا بلدي إلا الريح في أزمنة الوباء الأمني.
Pir1963@gmail.com

هولير – 16/5/2009