الرئيسية » الآداب » رائحة الماضي

رائحة الماضي

لا تدري ما الذي يشعل في نفسها هذا الحنين العميق لذاك الماضي الغابر , تتوق للمشي في تلك الطرقات العتيقة , تبتاع الحلويات والسكاكر والمكسرات من سمان الحي, الذي مازالت صورته في مخيلتها , ولكن هل يجوز يا أنيسة أن تتركي كل هذا النمط من الحياة وتعودي للعيش في ذلك المستوى من الحياة .؟ لقد كان ذلك بعيداً , مضت أربعون سنة عليه , والآن أنت طبيبة لك عيادة أمضيت سبع سنوات في أرقى بلاد العالم , وعندما عدت إلى بلادك , رزقك الله بزوج من نفس المهنة , وفر لك حياة راقية لا يوجد شخص يراك إلا وينحني تقديرا : أهلا دكتورة

كلهم ينظرون إليك بأمومة محببة لأنك مارست الأمومة مع كل هؤلاء الذي يترددون إلى عيادتك من الأحياء الفقيرة .

هذه هي الدكتورة أنيسة المختصة بالإمراض الصدرية , التي ذاع صيتها في المدينة بانها صديقة الفقراء تفضل أن يدخل عيادتها عشرة مرضى مجانا على أن يدخلها عشرون مريضاً بلقاء , حتى أن بعض الأمهات يروين كيف أنهن عندما يأخذن أطفالهن المرضى إلى الدكتورة أنيسة , تنحني وتقبل أيدي الأطفال بأمومة وتذرف الدموع رأفة بأحوالهم ولا تتردد أن تجري اتصالات يومية مع مرضاها وأحيانا تزورهم في بيوتهم وان كانوا أطفالا تأخذ إليهم الألعاب والحلوى والهدايا إنها مختلفة عن الأطباء في هذه المدينة , ولها أسلوبها الخاص بالتعامل مع المرضى ولعل هذه الخصوصية اكتسبها كل هذه الشعبية فتغص عيادتها بالمرضى وتضطر راضية أن تسبق موعد الحضور إلى العيادة بساعة , في تلك الساعة التي يكون فيها معظم الأطباء في نومهم وتكون أول طبيبة خارج عيادتها حتى لا يتأخر المرضى في الانتظار فهي تعرف أن بعض المرضى يصلون في أوقات مبكرة خاصة أولئك الذين يحضرون من القرى والأحياء البعيدة , وعلى الأغلب فإنها تضيف ساعة أخرى إلى نهاية الدوام , فتكون آخر طبيبة كذلك تعود إلى بيتها في احد الصباحات دخلت الدكتورة بسيارتها الأنيقة إلى أكثر أحياء المدينة فقرا فرات الناس يلوحون لها باكف المحبة , تباطأت أمام مقهى الحي القديم فنهض صاحب المقهى العجوز الحاج مرتضى , لكنها تسارعت بالنزول وتقدمت مسلمة عليه وأجلسته على كرسيه كما كان أمام باب المقهى تحت شمسية الصباح وما لبث النادل أن حمل كرسيا ووضع عليه مخدة صغيرة وقدمه قائلاً بوقار : تفضلي دكتورة جلست بجانب الحاج مرتضى , تنظر في عينيه الذابلتين , وتستعيد فيهما ذكريات والدها انه مرتضى ذاته ابن الثلاثين الذي كان يتردد إلى والدها في ذلك البيت المقابل للمقهى , وكانت في الخامسة من عمرها تدخل وتبرك في حضن أبيها فيمد مرتضى يده إلى جيبه ويعطيها السكاكر , ثم يمدها بقطعة نقود معدنية صغيرة لتذهب إلى السمان فتبتاع لنفسها ما تريد .

قالت الدكتورة وهي تتأمل الحاج نافثا دخان الاركيلة : يا حاج , مازالت حتى الآن تدخن الاركيلة ..!!

أجاب : يا بنتي هذه الاركيلة تشاركني حياتي كلها ولا أريد أتخلى عنها في أيامي الأخيرة .

فنظرت إليه الدكتورة قائلة : أليست هي ذات الاركيلة التي كنت تستخدمها قبل خمسين سنة يا حاج ..؟

أومأ الحاج رأسه بالإيجاب قائلا : هي .. هي بابنتي , كم من مرة شاركني المرحوم والدك ..؟ صدق من قال ( إن الذي ينجب لا يموت ) .

تقدم النادل مرة أخرى حاملا فنجان قهوة وكاس ماء على طاولة ووضعهما أمام الدكتورة متمتما بفرح : يا أهلا وسهلا صحة وعافية يا دكتورة .

شكرته وهي تمد يدها إلى ممسك فنجان القهوة , وقالت للحاج : جئت إليك يا حاج خصيصا , حتى تعينني على شراء هذا البيت قال الحاج دهشاً : بعلمي انك تسكنين في فيلا ..؟ ولم تنجبي من المرحوم أطفالا .؟؟ مالك وهذا البيت القديم يا بنتي ..

قالت : والله يا حاج بعد أن توفي زوجي اشتغل حنين غريب بداخلي لهذا البيت وهذه الحارة التي ولدت وترعرت فيها نعم باع المرحوم هذا البيت منذ أربعين سنة عندما انعم الله عليه برزق جيد في تجارته بالأقمشة كما تعرف واشترى لنا بيتا جيدا في المدينة وما يزال هذا البيت موجودا ومقفلاً بعد أن توفيت أمي هي الأخرى السنة الماضية .

أمام رغبتها الملحة نهض الحاج مرتضى واتجه مع الدكتورة إلى ذاك البيت وطرقا الباب , ففتح رجل خمسيني ذو شعر ابيض الباب وعلى الفور رحب قائلاً : دكتورة أنيسة ..!! أهلا بك ثم نظر إلى جاره الحاج بدهشة وقال : تفضلا .. با مراحب .

دخلا وجلسا جوار بعضهما بعضاً على اسفنجة ممدودة في الغرفة فقال الحاج بعد تناول الشاي : تعرف يا با سعدون أن الدكتورة ولدت في هذا البيت وقد حضرت الآن من اجله .

فقال أبو سعدون : مازال البيت للدكتورة وان شاءت نخرج حالاً ونعطيه لها دون أي مقابل فشكرته الدكتورة على بادرته وقالت : أنت اشتريت البت من المرحوم , وأنا لي رغبة بشرائه فان أردت البيع يا أبا سعدون فسأشتريه ولن ادعك تخرج منه قبل أن تشتري بيتاً لا أريد أن تتسرع بعد أسبوع , أن وافقت على البيع مر بي في العيادة .

وأنهضت الدكتورة شاكرة إياه على حسن استقباله وشكرت الحاج مرتضى على ترحابه بها بعد أسبوع دخل أبو سعدون عيادة الدكتورة قائلا بأنه وافق على البيع ورأى بيتا كذلك لشرائه فاتفقا على السعر , وغدت الدكتورة ( في الشهر القادم ) من سكان الحي .

– اجل يا أنيسة هاهو البيت الذي تشعرين فيه براحة ما بعدها راحة , ها هي رائحة الماضي الغابر , تفوح من ثنايا الجدران , انه المسكن الوحيد الآمن بالنسبة إليك .

مضت ستة شهور على سكنها في الحي , ذات يوم صرخت خادمتها , بان الدكتورة أنيسة فارقت الحياة ثم راحت إلى الحاج مرتضى وقالت له بان الدكتورة كانت قد سلمتها مظروف وأوصتها أن تعطيه للحاج في حال وفاتها , فضى الحاج مرتضى المظروف , ووقع على رسالة تقول فيها بانها أصيبت بمرض وعلمت بان رحيلها قريب فاختارت أن تفارق الحياة في ذات البيت الذي ولدت فيه , ووقع الحاج على وصية بخط الدكتورة , توصي فيها بان توزع كل ثروتها على فقراء الحي .