الرئيسية » مقالات » انباء طيبة من كركوك

انباء طيبة من كركوك

تفيد تحليلات وتأملات هادئة ومعاينات عابرة للضغائن السياسية ولقاءات (اثق في جديتها) بين افراد من مختلف المكونات و”استمزاجات رأي” مستقلة تخترق المحذورات والخنادق السياسية وتمس اعماق حركة الافكار والمجادلات لدى شرائح وفئات ومزدحمات ومقاهي ومنازل وحافلات نقل وامهات وطلاب مدارس في مدينة كركوك، ان ثمة تحول عميق يجري في قاع المدينة، وبين سكانها وداخل مكوناتها، وفي صفوف متعلميها ونخبها (على وجه الخصوص) وذلك بموازاة الصراعات والجهود والمبادرات والمشاريع على جبهة السياسة.

التحول هذا يتمثل في تشكيل ما يشبه المنطقة الحرة في تداول السلع والخيارات من غير المرور باقنية الكمارك، وهي، في حالة كركوك، منطقة وجدانية وانسانية وعقلانية تمتد من حول نقاط التماس التي شهدت احتقانات وحجارة وبارود، وترتقي، معها وفيها، ارادة الناس من جميع المكونات السبعة الى اتفاق سلام غير مكتوب، لكنه اكثر عمقا وحاجة من أي اتفاق مكتوب.

اقول، جميع هذه المؤشرات البينية التي قد لا يلتقطها الكثيرون تنطلق من خميرة الاقتناع الذي بدأ يعبر عن نفسه باشكال تلقائية، بانه لا مفر من العودة الى حكمة الشراكة والعقل، والى فروض التهدئة بعيدا عن اجواء الخوف والتهديد والتمترس “فتحت اعمدة الدخان وطبول الحرب ونداءات الانتقام والتجهم السايكولوجي والتخويف ندفع المدينة، حتما، ودون ان ندري، الى الكارثة. في الحرائق نضيّع انفسنا، وفي الهواء الطلق يمكن الاسترشاد الى حلول” هكذا كتب لي مثقف من المدينة باسم “رحيم عبدالله” ووجدت تواقيع كثيرة لسطوره هذه في “افادات” كثيرة فرّت من سطور وافئدة وتصريحات ومناقشات هادئة تدور حول معضلة المدينة التي لا يمكن لزائر لها إلا ان يحبها، فكيف لمن ارتبط بها عمرا وقضية.

الانباء الطيبة من كركوك، باختصار، تأتي من استيقاظ خيارات العيش المشترك من غير كراهية، ومن وعي الضرورة لتطبيع الاوضاع، باعتباره مفتاحا لخطوات الحل، وفي هذا التطبيع يجري فتح القنوات المغلقة بين المخاوف، ومثلما جاء في موقع على شبكة الانترنيت تطلقه جماعة محلية باسم (كركوك. بيس. نت) فان”الهلع اليومي جعل منا مخلوقات تتشبث بالسلام، ولا نعتقد ان الشر موجود في حلول استقلال المدينة ولا في المادة 140 ولا في فكرة الانضمام الى الاقليم الكردي. ان الشر وجدناه في دوامة الخوف والريبة من الاخر، ولهذا بدأنا المعركة مع هذا الكابوس”.

في كراج النهضة كانت سيارة الاجرة، ذات الخمس مقاعد، يوم 19/4 قد حملت خمسة راكبين الى كركوك لم يختاروا شركائهم في الرحلة، كانوا اشوري وكردي وتركماني وعربيان، وفي ما يشبه فريق ضل الطريق بسبب عاصفة وانقطعت به السبل، انضم الجميع الى الجميع، وفاضوا بأجمل الكلمات ومشاعر المحبة، وحين ظهرت علائم المدينة من بعيد كان الصمت الجميل جوابا على لافتة: اهلا بكم في كركوك السلام.
.ــــــــــــــــــــ

كلام مفيد:

“ الاعتدال أبو الفضائل”.

شيشرون