الرئيسية » شؤون كوردستانية » مراجعة نقدية لمشروع متعثر( ثلاثة أعوام عجاف في جبهة الخلاص ) ( 8 )

مراجعة نقدية لمشروع متعثر( ثلاثة أعوام عجاف في جبهة الخلاص ) ( 8 )

منذ الحلقة الأولى من هذه السلسلة وحتى الآن ناقشني العديد من الأصدقاء من عرب وكرد عبر الانترنيت والهاتف أو وجاهيا حول العديد من المسائل التي طرحتها ومن بينها ملاحظة تتعلق بالعنوان الذي يشير صراحة ومسبقا الى وجود خلافات وأزمة من أول الطريق وكان جوابي وما زال قد يكون التركيز مقدما وبجرأة مطعمة بالمسؤولية على مسائل الخلاف أكثر واقعية وفائدة من الادعاء بما حققناه من – مكاسب وانجازات ! – على طريق التغيير كما جرت عليه العادة كتقليد حزبي عالمثالثي مبتذل محط مراجعات نقدية يوشك أن يصبح من الماضي ويبدو لي أن المنهج الذي اتبعته – ومارسه غيري – حول الموضوع ذاته أو خلافه يشكل الطريق الأمثل والأقصر لملامسة الحقائق ووضع الاصبع على جروح معارضتنا الوطنية التي نحرص عليها ومحاولة مداواتها بمختلف اصطفافاتها الراهنة وجبهة الخلاص الوطني – سابقا وجماعة السيد عبد الحليم خدام لاحقا – على وجه الخصوص كنموذج لبحثي النقدي المباشر بمنتهى الوضوح كحالة عايشتها وكنت في قيادتها منذ مؤتمرها التأسيسي قبل ثلاثة أعوام وأعاني من أزمتها التي أقرأ بعض تجلياتها العصية على الحل حتى الآن برغم المحاولات بالصورة التالية :
أولا : علينا الاعتراف بأن التوصيف الدقيق لاجتماعات المعارضين للنظام الحاكم في ما أطلق عليها من مؤتمرات ومجالس في السنوات الأخيرة وماأفرزت من مسميات – جبهوية – مثل جبهة الخلاص هو لقاء وتعارف المختلفين بكل ما للكلمة من معنى شبيه مع تمايز الأجيال والأعمار بحفلات تعارف طلبة السنة الأولى في الجامعات العالمية الآتين من كل حدب وصوب يتواجهون للمرة الأولى وفي موضوعنا تحقيق لقاءات تعارف ومجاملة سريعة يتحكم في طبيعتها المال والوقت والهاجس الأمني والجغرافيا مع نهج التبسيط بين أصحاب مشاريع وبرامج وأجندة متباينة يجمعها كره النظام الحاكم نظريا وليس اتفاق مكونات وأطياف وطنية أدى التحاور العميق والمكاشفة الصادقة بينها الى ابرام عقد سياسي – اجتماعي – استراتيجي الذي نفتقده نحن السورييون وبأمس الحاجة اليه مما يفسر هشاشة البنى القائمة وجواز انفراطها أمام أول هزة .
ثانيا : كما يجب الاعتراف أيضا بأنه حتى الآن لم توضع قاطرة الناشطين المعارضين على سكة الشعب السوري ولم يتم تجاوز الأجندة الجانبية التي تتجاذبها المشاريع الفئوية الخاصة القائمة من جانب : من خطط لاستثمارالانخراط في الجبهة لخدمة أوراقه التفاوضية مع النظام أوالاحتماء بعضويتها كشهادة حسن سلوك أخلاقية وقانونية في الخارج خاصة بكل الأحوال ومن جانب من يستعملها حسب ثقافة – البزنس – كبقرة حلوب تدر المال وتفتح الطريق للعلاقات العامة الى جانب الاحتماء القانوني والمعنوي أيضا وأيضا ومن جانب نوع طارىء على – الكار – السياسي كمغامرة استعراضية طلبا للوجاهة وشيء من المصلحة وأخيرا من جانب من يبحث عن شهادة لغسيل السلوك على غرار غسيل الأموال مع قلة صادقة تناضل بالفكر والموقف وتبحث عن الوطن الحر الآمن يتسع لكل مكوناته وأطيافه وبذلك يكون هذا الهيكل على الغالب اسم على مسمى وغائب عن ميدان الفعل المعارض الحقيقي .
ثالثا : عموما افتقرت جيهة الخلاص الى الشرعية الشعبية والتخويل الجماهيري ولو معنويا وبعد مخيف عن آمال وطموحات الطبقات الشعبية الرازحة تحت نيرين قمع سياسي وحرمان من الحريات العامة من جهة واستغلال اجتماعي ونهب وفقر وحرمان من جهة ثانية وقد حاولنا منذ لحظة انضمامنا تفادي تلك الثغرات الخطيرة دون جدوى واذا استثنينا الحالة الكردية المتحركة والنابضة بالنشاط المعارض للنظام قبل ظهور هذه المسميات – المتعارضة حسب توصيف رئيس تحرير موقع شفاف الشام – وبعدها وهي من حيث العدد لاتتعدى نسبة 15% من السكان فان الغالبية الساحقة من السوريين لم تتعرف حتى على اسماء – الهياكل – أو أخبار ( منجزاتها ) قد سمع البعض بقنوات فضائية عائدة لهذا المسؤول السلطوي السابق أو ذاك وليست – كما هو مأمول ومفترض – لهذه الجبهة أو ذاك التحالف أو تلك المجموعات وكان الوقع سلبيا بل محبطا أمام تساؤل : بأموال من يفتتحون الفضائيات ومن أين لهم هذا ؟ والمشهد تعبير عن حالات احباط وتشكيك وقلق على أي حال .
رابعا : بهدف التخلص من نظام الاستبداد الحاكم وتثبيت معالم سوريا التعددية الديموقراطية الجديدة قبلنا – مغامرة – التحالف مع أكثر التيارات السياسية اثارة للجدل وهدفا للطعن في الصدقية ماضيا وحاضرا والتعرض لاشكالية التذبذب بين المعلن والمضمر في الفكر والممارسة في تاريخ سوريا الحديث هما حزب البعث والاخوان المسلمون الأول بسبب سلطته الاستبدادية القمعية منذ تسلمه الحكم لعقود خلت وممارسته وهو على رأس السلطة في كل من سوريا والعراق نوعا من ارهاب الدولة تجاه الشعوب والقوميات بوسائل العنف تارة والاكراه السياسي والاجتماعي تارة أخرى ولم يخلف سوى الكوارث والمآسي والفتن العنصرية والحروب وارهاب الدولة والمقابر الجماعية والفقر والتشرد للملايين والثاني بسبب نهجه في أسلمة السياسة والمجتمع واعادة زمن – الفتوحات – وفرض الحل – الاسلامي – بكل الوسائل اذا رأى الى ذلك سبيلا وسجله الحافل في المنطقة باثارة الفتن الدينية والمذهبية بوسائل ارهابية مارستها مجموعات محسوبة على نهجه واستعداده الدائم للسير في ركاب أنظمة الاستبداد والتياران من حيث المنشأ والسلوك ينتميان الى نهج المدرسة الشمولية واحد يستند الى السلطة الاحتكارية لطواغيت الأرض وآخر الى الارادة الالهية السماوية ومن سوء طالع الشعب السوري فان – هياكله – المعارضة بغالبيتها مازالت تحت عباءة التيارين وقد قمنا في السياق ذاته بتجربة – اختبارية – لنيات الطرفين وقد طال انتظارنا – لتحول وتغيير ما – لم يتحققا في النهج العام لهما في الموقف والممارسة حسب ما تعهد ممثلوهما بذلك منذ اليوم الأول لتحالفنا تحت اسم جبهة الخلاص .
خامسا : يجوز في العمل الجبهوي المناهض للاستبداد كالحالة السورية التعاون والتنسيق بين مختلف القوى والتيارات المتضررة من النظام بما فيها ذينك التيارين أو المحسوبين عليهما هذا في الجانب النظري أما من حيث التطبيق وفي حالتنا الخاصة المشخصة كان يستوجب ذلك توفر عدد من الشروط والأسباب وأولها أن تكون هناك معارضة ديمقراطية مكتملة الأسس قوية البنيان لتستقبل في صفوفها مثل هذين التيارين وغيرهما من الذين يمكن أن يغادروا صف السلطة بعد أن يمارسوا النقد الذاتي الحقيقي المقنع دون اللعب بالألفاظ والتحايل على المصطلحات خاصة وأن التيارين في بداية عهدهما بالمعارضة الديموقراطية واللحاق بصفوف الشعب وباكورة تبني البرامج الحضارية ورغبة الانخراط في تحالفات مع الآخرين حسب زعمهما وما يستلزم ذلك من شروط خاصة في وضع اقليمي ( بعث العراق وحماس غزة ) ليس لصالح توفر حدود دنيا لمصداقية التيارين من جهة أخرى فقد حصل العكس تماما في تجربة جبهة الخلاص باتفاق التيارين واستدعاء الآخرين الذين – صدموا – بعد مرور كل هذا الوقت باستحالة التقدم ولو خطوة الى الأمام واقتصار مهام العمل في الجبهة فقط على صياغة بيانات التبريك في الأعياد والمناسبات التي بدورها لم يتم التوافق على معظمها .
سادسا : في العلاقة التنظيمية التي تشكل الجانب الأخطر في العمل السري المعارض وفي تحديد الحقوق والواجبات وتوزيع المسؤوليات والمهام حسب تجربتنا التنظيمية ونضالنا السري خلال أكثر من أربعة عقود يبدو من الصعوبة بمكان – اذا لم يكن مستحيلا – أن يلتزم من تربى على الثقافة الشمولية لعقود ومعتقدا أنه ظل الله على الأرض أو صاحب الرسالة الخالدة الانصياع لبنود أية لائحة تنظيمية جبهوية أو الالتزام بقرارات وتوصيات أو تطبيق مواد برامج ومشاريع مشتركة حيث يمكنه بكل سهولة التلاعب بالصلاحيات أو نقلها بالواسطة وبوسيلة – الجزرة – أو عبر مكالمات تلفونية من موقع الى آخر أو عرقلة اكتمال بناء الهيئات القيادية والقيام بمهامها بالانابة كأمر واقع وهناك أمثلة ووقائع حدثت قد نكشف عن بعضها مستقبلا .
سابعا : كان هناك تخوف حقيقي منذ البدايات من انحدار جبهة الخلاص نحو أصولية قومية – دينية – طائفية مبطنة ومغلفة بستار من الدبلوماسية المجاملة المخادعة لاتتقبل المقابل القومي والديني والمذهبي االمختلف في الجوهر الا من باب التكتيك السياسي تنطلق فعليا من آيديولوجيا وحدانية كل شيء : القوم الواحد والدين الواحد والمذهب الواحد وتنفي – تعسفا – المضمون التعددي للمجتمع السوري زاعمة أن سوريا ليست متعددة القوميات والمكونات بل مجتمع فيها أقليات مهاجرة بدون أرض وليست شعوبا مثل الكرد ( بالرغم من ورود كلمة الشعب الكردي في البرنامج كعبارة من دون محتوى ) وغيرهم والمقصود هو تجريد الآخر من الحقوق القومية المشروعة ولم يعقد أي اجتماع أو مؤتمر الا وكان هذا الموضوع مثار البحث والاختلاف العميق من دون النجاح في حسمه والتوصل الى موقف توافقي حوله وهذا ما يفسر فشلنا جميعا كأمانة عامة في استقطاب التمثيل المتوازن للمكونات الوطنية السورية من قومية ودينية ومذهبية التي تناهز 35% من غير العرب المسلمين السنة والسؤال المطروح علينا جميعا بالحاح : هل نعمل كمعارضة من أجل سوريا جديدة مغايرة تعددية أم نعيد اجترار النظام الممانع المستبد الفردي العائلي القائم أصلا على تحالفه كأصولية قومية شوفينية مع مثيلتها الأصولية الاسلامية السياسية ونلبسه لبوس جبهة معارضة ؟ ونحن في المكون الكردي لم نطالب المستحيل والتعجيزي بل اقترحنا تبني الجبهة صيغة مبدئية ضامنة في اطار ” قبول كرد سوريا كشعب من السكان الأصليين يأتي في المرتبة الثانية بعد الشعب العربي السوري يقيم على أرضه منذ التاريخ السحيق ويستحق ازالة سياسة الاضطهاد القومي عن كاهله وتلبية حقوقه القومية حسب ارادته الحرة عبر الاستفتاء النزيه في اطار سوريا ديموقراطية تعددية موحدة على أن يضمن ذلك الدستور المرتقب الجديد ” وبالرغم من أن هذا هو الحد الأدنى الذي يجري الاجماع عليه من الجماهير الكردية ومن جانب الحركة الكردية بغالبية تياراتها السياسية والثقافية كطريق وحيد للعبور الى المساهمة الفعالة في أي مشروع وطني معارض مع الشركاء العرب فاننا وخلال طرحنا هذا كنا نواجه باللاءات من الغالبية الساحقة من زملائنا السابقين في الأمانة العامة ممايعني أننا كمكون كردي وطني وجزء أصيل من النسيج السوري نستفقد حتى الآن المحاور العربي المعبر فعليا عن ارادة ومواقف ومصالح الشعب العربي السوري الصديق والشريك التواق مثلنا الى الخلاص من الاستبداد واعادة الاعتبار الى الوحدة الوطنية وبناء سوريا الجديدة المنشودة .
ثامنا : هناك اشكالية في فهم وممارسة مبدأ الديمقراطية التوافقية الوارد في برنامج الجيهة من جانب ممثلي التيارين وهو كمبدأ متطور حديث يناسب الدول المتعددة القوميات والمكونات ويصلح لتنظيم العلاقة في العمل الجبهوي والتحالفات في الحكم والمعارضة على قاعدة المشاركة الكاملة للجميع في القرار والسلطة والثروة وهو ابداع سياسي متقدم في عصرنا من شأنه ازالة حالات عدم الثقة وسوء التفاهم بين الأكثرية والأقلية وتحقيق مزيد من التفاعل والتضامن والتسامح والتكافل بمعزل عن النسب العددية والغالبيات السائدة وهو الطريق الوحيد بالتالي لزج كل القوى في النضال من أجل التغيير الديموقراطي وهذا ما افتقدناه في جبهة الخلاص . ( للبحث صلة )