الرئيسية » مقالات » نقاش اقتصادي مفتوح وصريح مع السيد الدكتور برهم صالح نائب رئيس الوزراء العراق

نقاش اقتصادي مفتوح وصريح مع السيد الدكتور برهم صالح نائب رئيس الوزراء العراق

المدخل

تابعت بعناية مستمرة خطب وتصريحات ومقابلات السيد الدكتور برهم صالح, نائب رئيس الوزراء العراقي, وبشكل خاص تلك المتعلقة بالشأن الاقتصادي العراقي, وكان آخرها مقابلته الصحفية مع “فضائية الشرقية” التي نشرت في نشرة “الإنصات المركزي” التابعة لهيئة الإعلام المركزي في الاتحاد الوطني الكردستاني بتاريخ 5/5/2009, وقبل ذاك خطابه في مؤتمر الاستثمار الذي عقد أخيراً في لندن. وما عرضه الدكتور صالح من أفكار واتجاهات في السياسة الاقتصادية التي يسعى إلى تحقيقها في العراق تستحق المناقشة وإبداء الرأي بشأنها, إذ لم تطرح مثل هذه الأفكار من أي مسئول عراقي حتى الآن بمثل هذا الوضوح لما يريده للعراق خلال السنوات القادمة. ولا شك في أن القضايا السياسية التي يطرحها هي الأخرى تستحق النقاش ايضاً لأهميتها في العملية السياسية الجارية في العراق, إلا أني سأوجل النقاش حول الأفكار السياسية المهمة التي طرحها لوقت آخر وأركز على السياسة الاقتصادية التي يريد للعراق أن يتبناها ويسير عليها.

إن مناقشتي لأفكاره, سواء بالتأييد أو الاختلاف, ستنصب على عشر نقاط جوهرية, يمكن صياغتها على شكل أسئلة فيما يلي:

1. هل كان اقتصاد الدولة في العراق اقتصاداً اشتراكياً حقاً, كما يشير الدكتور برهم صالح أم شيئاً آخر, وما هو الموقف من قطاع الدولة الاقتصادي؟

2. وهل يمتلك العراق استراتيجية اقتصادية, أم لا يزال يراوح في مكانه رغم مرور ست سنوات على سقوط الفاشية السياسية في العراقي؟

3. وما هو الموقف من البنية التحتية المخربة, ومن يفترض أن ينهض بها؟

4. وما هو الموقف من القطاع الصناعي العراقي, وهل يجوز إهماله, كما عليه الآن؟

5. وكيف يفترض معالجة المسألة الزراعية؟

6. وكيف يفترض أن يعمل القطاع التجاري العراقي, وهل الهدف قطع الطريق على تصنيع البلاد؟

7. وما هو الموقف من الاستثمارات الأجنبية, وكيف يمكن تحريكها صوب الاقتصاد العراقي؟

8. وهل يعبر معدل حصة الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي عن تحسن فعلي في حياة الشعب, وما هي أهمية هذا المعيار في العملية الاقتصادية في العراق وفي حياة الناس؟

9. وكيف يفترض معالجة المشكلات الاقتصادية بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كُردستان العراق؟

10. وكيف يفترض معالجة قطاع التأمين وإعادة التأمين في العراق ليلعب دوره الاقتصادي وكاحتاط ضروري لثروات العراق؟

لا شك في وجود أكثر من مسألة أخرى في مطالعات وتصريحات وخطب ومواقف السيد الدكتور برهم صالح التي يفترض وضعها على طاولة النقاش, سواء أكان الإنسان متفقاً معه أو مختلفاً معه بشأنها, ولكني سأكتفي بمناقشة هذه النقاط العشر في حلقات عدة لكي تصبح موضع نقاش مفتوح بين جمهرة الاقتصادين من النساء والرجال في داخل العراق وخارجه.

*******************

الحلقة الأولى

هل كان اقتصاد الدولة في العراق اقتصاداً اشتراكياً حقاً أم شيئاً آخر , وما هو الموقف من قطاع الدولة الاقتصادي؟

جاء بشأن هذه النقطة في تصريحات السيد الدكتور برهم صالح ما يلي:

“هناك إجراءات مهمة لنتذكر ايضاً السياق العراقي له إرث إداري وقانوني كبير متعلق باقتصاد الدولة واقتصاد الاشتراكية نحن نتحول من ذلك الإرث إلى ما نريده من اقتصاد مفتوح, …” ص 3 من حواره مع فضائية الشرقية.

فهل هذا التقدير صائب؟ كل الدلائل التي تحت تصرفنا تؤكد بأن السيد الدكتور برهم على خطأ فادح حين يعتقد بأن الاقتصاد العراقي في فترة حكم حزب البعث وصدام حسين كان اشتراكياً. فمن عاش في العراق ومن عرف الاقتصاد العراقي حينذاك عن كثب ومن عمل في المجال الاقتصادي يدرك دون أدنى ريب عدداً من القضايا الجوهرية, وهي:

إن الدولة العراقية في عهد حزب البعث وقيادة صدام حسين كانت دولة شمولية مطلقة, دولة من حيث السياسة والممارسة فاشية, وكانت دولة تقوم في أحسن الأحوال على أساس “اشتراكية الحزب النازي” الرأسمالية الصرفة, ولكن وفق أوضاع اقتصاد متخلف وتابع, ولم يكن لهذا الاقتصاد أية صلة بقوانين الاقتصاد الاشتراكي بأي حال.
2. وأن ملكية الدولة لرأس المال لم يحولها إلى دولة اشتراكية , بل كان الاستبداد والقرارات الفردية هو المهيمنة على هذا الاقتصاد ويعمل لمصلحة النخبة الحاكمة والقوى البيروقراطية المهيمنة على أجهزة الدولة والمتحكمة بحركة ونشاط وموارد قطاع الدولة.

4. وأن الإدارة الاقتصادية في هذا القطاع لم تنهض على أسس اقتصادية, سواء أكانت رأسمالية أم اشتراكية, ولم تخضع للقوانين الاقتصادية الموضوعية, ومنها قوانين السوق, كما لم تلتزم بالمحاسبة الاقتصادية والحساب الاقتصادي, بل كانت تنشأ وفق رغبات وقرارات فوضوية ولا تمت إلى الجدوى الاقتصادية والاجتماعية باي صلة.

5. كما أن الأداة الرئيسية لوجهة التنمية في العراق تمثلت بما أطلق عليه بـ “التنمية الانفجارية”, التي فجرت الحياة الاقتصادية والاجتماعية حقاً , وقبل ذاك السياسية في المجتمع بأسره ولم يحصد االمجتمع من هذا النظام وسياساته غير الركام.

6. وقد اقيمت هذه المشاريع على اسس غير اقتصادية وبذخية في فترة الفورة النفطية وما بعدها وحين كان وزير الصناعة العراقي السابق طه الجزراوي يقول “نريد الأفضل ونمتلك النقود”. ومن خلال هذه المقولة وغيرها تم التفريط الفاحش بأموال الشعب بصورة غبية.

ومن هنا نقول أن الاقتصاد العراقي وقرارات السلطة العراقية حينذاك لم تكن اشتراكية ولا تمت للاشتراكية بصلة, كما لم تكن رأسمالية, بل كانت تخبطاً من جماعات لا ذمة لديها ولا ضمير.

إن هذا الواقع وما تسبب به النظام السابق يفترض أن لا يعني بأي حال بأن على العراق أن يبتعد كلية عن أن يكون له قطاعاً اقتصادياً حكومياً بمستوى معين ومجالات اقتصادية معينة, سواء أكان ذلك في مجال اقتصاد النفط الاستخراجي أم في القطاع الصناعي التحويلي, أم ي قطاات البنية التحتية (الهياكل الارتكازية), بل لا بد من ذلك في اقتصاد متخلف ومدمر مثل الاقتصاد العراقي الذي يستوجب ويحتاج كل الطاقات والإمكانيا والكفاءات لإعادة بناء الاقتصاد العراقي ووضعه على السكة السليمة التي تساهم في تغيير بنيته الراهنة لصالح بنية اكثر توازناً وتكاملاً.

إن مشاركة الدولة في التنمية الاقتصادية من خلال قطاعها الاقتصادي لا تعني الاشتراكية, بل الرأسمالية بعينها في مرحلتنا الراهنة أولاً, وهذا لا يعني عدم فسح المجال بأوسع نطاق ممكن أمام حركة القطاع الخاص واستثماراته, سواء أكان محلياً أم أجنبياً, إذ أن العراق بحاجة إلى كل تلك القطاعات بما فيها القطاع المختلط الذي يربط بين المحلي والأجنبي والحكومي.

من يدرك عمق الأزمة الجارية في الاقتصاد الرأسمالي العالمي, ومن يدرك حركة وفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية, ومن وعى العوامل الكامنة وراء هذه الأزمة, سيعي ايضاً, وخاصة بالنسبة للدول النامية والنفطية, ومنها العراق, المخاطر الجدية الكبيرة في عدم مشاركة قطاع الدولة في التنمية الاقتصادية وفي الرقابة الفعلية على حركة ونشاط رأس المال, سواء أكان مصرفياً أم عقارياً أم صناعياً ام تجارياً ام مضارباً في سوق الأوراق المالية …الخ.

إن إهمال قطاع الدولة والتركيز على القطاع الخاص وحده لا يعني باي حال الرأسمالية, بل يعني اللبرالية الجديدة الأكثر تطرفاً وتوحشاً, كما عاشتها الولايات المتحدة وبريطانيا في السنوات العشر الأخيرة على نحو خاص. ولهذا فمن غير الممكن أن نرفض القطاع الحكومي في الاقتصاد بحجة أن النظام السابق سار باشتراكية مزعومة. إن الانفتاح الاقتصادي لا يعني رفض دور وقطاع الدولة في العملية الاقتصادي, بل يستوجبه في ظروف العراق الراهنة وأكثر من أي وقت مضى, وهو المنشط الفعلي للقطاع الخاص والذي سيسهم في توفير الأطر الضرورية للنمو والتوسع والنجاح.

ومن هنا تنشأ أهمية ان يقتنع الدكتور برهم صالح بأهمية وضرورة قطاع الدولة في العراق أولاً, وأن ليس مطلوباً من وزارة الصناعة أن تبيع جميع مصانع قطاع الدولة إلى القطاع الخاص, ما دامت هناك إمكانيات مناسبة لتطوير هذا القطاع وجعله اللبنة المناسبة للتنمية الصناعية في الاقتصاد العراقي ثانياً, مع توفير مستلزمات النهوض به إدارياً وفق أسس اقتصادية ومحاسبية سليمة ورقابة فعلية.

رغم ان النظام الاستبدادي العراقي كان سيئاً في سياساته الاقتصادية, إلا ان السنوات الأولى من العقد الثامن من القرن العشرين شهدت نمواً في القطاع الصناعي الحكومي ونجاحاً في أدائه وفي منتجاته, إلا أن الفورة النفطية وسياسة التنمية الانفجارية والرغبة في الهيمنة على الاقتصاد والحياة الاقتصادية للتحكم برقاب الناس وارزاقهم وعملهم هي التي أدت إلى عواقب سلبية على القطاع الصناعي العام والخاص في آن. وعلينا ان نتذكر بأن عمليات التأميم في العام 1964 في العراق كانت ضد المصلحة الوطنية وضد البرجوازية الوطنية وضد التطور الاقتصادي الصناعي وأعاقت حركة الاستثمارات المحلية صوب التنمية. ونحن اليوم أمام حركة معاكسة تسعى إلى إنهاء وجود قطاع الدولة لا في الصناعة فحسب, بل وفي قطاع النفط الاستخراجي وتكرير النفط والصناعات التحويلية الأخرى.

إن الدعوة إلى إلغاء قطاع الدولة الاقتصادي هو الركض وراء نموذج البنك الدولي وصندوق الدولي الذي أصبح بائراً منذ فترة غير قصيرة من جهة, ولا تعبر عن حس اجتماعي لمصالح الفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة التي يفترض أن تنهض الدولة بأعباء اقتصادية معينة وإنتاج سلع ذات استعمال واسع من جانب جميع فئات الشعب من جهة ثانية, والمشاركة في تأمين الأطر المناسبة لحركة وفعل ونمو القطاع الخاص من جهة ثالثة. كما أن أهمية هذا القطاع تكم في ما تملكه الدولة من موارد مالية تتيح فرصة أفضل لاستخدامها في قطاعات اساسية تساهم في تراكم الثروة وإغناء الدخل القومي وتحسين مستوى حياة الناس. علينا أن لا نفكر بالمنافسة بين القطاعين, بل التكامل بينهما من جهة, ولكن المنافسة تكون على إنتاج السلعة الأفضل نوعية والأقل تكلفة والأكثر فائدة للاقتصاد الوطني والمجتمع.

انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية.

9/5/2009 كاظم حبيب

نشر في جريدة المدى/ بغداد