الرئيسية » المرأة والأسرة » امرأة وموقف درة من بين الأنقاض

امرأة وموقف درة من بين الأنقاض

لن يختلف اثنان على إن الإنسان يقاس بعطائه ، والعطاء هنا مبني على القدرة الذاتية للشخص اكثر من كونه مرتبطاً بعائدية ذلك الشخص ومدى صلاحية أن يكون أبوه أو جده ضمن مواصفات معينة ، ومن هنا جاء قول الرسول (ص) في الحديث القدسي (آتوني بأعمالكم و لا تأتوني بأنسابكم ) والنسب هنا هو عائدية الفرد وامتدادا ته أو حتى عائد يته فقط أي ابن من يكون ،، وكما جاء في الذكر الحكيم (يخرج الخبيث من الطيب) والعكس صحيح فان الطيب يخرج من الخبيث أيضا والشواهد على ذلك كثيرة وقد خص الله تعالى أبا لهب في سورة من سور القران الكريم للحديث عن حجم دوره السلبي في الحياة السياسية والاجتماعية في المراحل الأولى للدعوة الإسلامية وتأثير ذلك على الواقع النفسي للمسلمين الأوائل من خلال ما تعرض له قائد هم وموجههم الرسول المصطفى محمد بن عبد الله (ص) من أذى على أيد كفرة قريش ومناوئيها وعلى رأسهم كان بالطبع عمه أبو لهب حين قال جل في علاه (تبت يدا أبي لهب وتب ،، ما أغنى عنه ماله وما كسب،، وامرأته حمالة الحطب،، في جيدها حبل من مسد) وهكذا رسم أبو لهب مشهداً لم تنسه الدنيا ابد الدهر فهو مع المسلمين أينما حلو وارتحلوا يقرأونه في قرانهم ويتوقفون من خلاله ليتعرفوا على حجم الفعل السلبي لأبي لهب الذي خلده القران كواحد من الشخصيات التي ساهمت (وافشل الله مساهمتها) في محاولة دحر الحق وتحجيم السيرة المحمدية الشريفة .
وشاءت الأقدار أن ينبت الله تعالى من بين أنقاض فعل قبحه القران واستهجنه قراءه والمتمسكون بمبادئه ،، وفي ارض دنسها الفعل المشين أن ينبت وردة ظلت تفوح بعطر الأيمان رغم الأشواك المحيطة بها والارادات التي تحاول النيل من عبقرية وجودها وعظمة عطائها الإيماني الذي ملأ الأفق وخبايا المكان ، أنها درة وهي بالفعل درة بعقلها وفعلها وحجم المعاناة التي أصرت على أن تتحملها من اجل مبادئ الدين الحنيف، فقد تحدثت مصادر التاريخ على أن درة بنت أبي لهب ابنت عم الرسول الكريم (ص) أسلمت و أمنت ثم هاجرت وكانت تحت الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ،وفي المدينة المنورة التي نورها الرسول بنوره الوهاج وسيرته الحسنة ودينه القيم وقران ربه المجيد ،، عاشت درة بين المسلمين هناك ،وبالنظر لكون الناس تبحث دائما في المفارقات ومتناقضات الأشياء ، فان دور أبيها السلبي ظل ملازما لها وكأنها صاحبة ذلك الفعل فقد روى محمد ابن اسحق (ت، 151هجرية)، صاحب كتاب السيرة النبوية الشريفة المعروفة بسيرة ابن اسحق ، بسنده عن عمار بن ياسر (رض) قوله قدمت درة بنت أبي لهب إلى المدينة مهاجرة فنزلت في دار رافع بن المعلى الزرقي ،فقال لها نسوة جلسن أليها ،آنت أبنت أبي لهب الذي يقول فيه القران (تبت يدا أبي لهب …..الخ ) فما يغني عنك إسلامك وهجرتك ) إلى هنا انتهى كلام النسوة ، لكن الذي لم ينته أبدا هو رد فعل درة ، فدرة التي كانت تعلم علم اليقين إن أباها صاحب واحدة من سور القران التي عضدت فعله السيئ كانت تعلم أيضا إن الإنسان وحده مسؤول عن سلوكياته وممارساته وقبلهما أيمانه ، لذلك لم تتعامل مع الآخرين بحدة أو تعصب أو تنهر من يحاول إن يقلل من أيمانها خاصة وإنها أبنت عم الرسول الكريم ، ومن المقربين أليه نسبا وفعلا (كونها مؤمنة بمبادئه) بل عمدت على استخدام أسلوب آخر ابعد عنها ما هو حقيق به أن يكون بعيد ، لذلك نراها ذهبت إلى الرسول تشكيه النسوة اللواتي حاولن التقليل من أهمية فعلها الإيماني وبالنظر لاحقيتها في الشكوى ، ولكون الرسول الكريم مكلف بتوجيه المسلمين إلى الفعل الأكثر انسجاما مع مبادئ الدين الإسلامي لذلك نراه قد هدأ روعها و أجلسها إلى جانبه ثم صلى بالناس كما جاء في مصادر التاريخ وبعد الصلاة خاطبهم بما يأتي ( أيها الناس مالي أؤذى في أهلي فولله إن شفاعتي لتنال بقرابتي ) وتحدث إلى القوم حديثا طويلا بهذا الخصوص ، وبذلك استطاعت درة أن تأخذ حقها وتعيش كمؤمنة اجتازت الصعاب من اجل دينها وحياتها وما ترتب ويترتب على ذلك من اجر كريم.

taakhi