الرئيسية » مقالات » إستراتيجية أمريكية .. وتجربة عراقية غامضة!

إستراتيجية أمريكية .. وتجربة عراقية غامضة!

امريكا والتجارب الآسيوية:

لا يمكن لأي دارس ، أو مراقب ، أو محلل متمكّن أن يحدد طبيعة الإستراتيجية الأمريكية ومدياتها الصعبة التي تزداد خطورة وغموضا بعد انهيار المنظومة الاشتراكية قبل عشرين سنة ، بل وتسجل المؤرخة كاثرين بيرك في كتابها الجديد ( من عالم قديم إلى عالم جديد .. ) بعض النتائج المهمة التي كان يدركها الساسة الانكليز منذ خمسين سنة ، فالانكليز هم غير الأمريكيين في خططهم وبناء استراتيجياتهم .. ونسأل : لماذا تتصف السياسة الأمريكية ، دوما بالغموض وعدم الكشف عما تريده وترسم له وتخطط من اجله ؟؟ اعتقد أنها حالة طبيعية لأي دولة كبرى مثلها وعلى غرار من سبقها من الإمبراطوريات ، ولكن السياسة الأمريكية هي غير سياسات من سبقها ، إذ يبدو أنها لا تقيم أي وزن للآخرين أبدا في مجال الربح والخسارة ، وان قراراتها غير ثابتة ولا موحدة في تسلسلها عبر دوائرها ، وان أهدافها بعيدة المدى .. ولكن ثمة إجماعا على إن إستراتيجيتها ، هي حصيلة تراكمات من تجارب متنوعة ليست كلها ايجابية ، بل منها ما هو سلبي ، ولكنها تعتقد بصلاحيته .. كما أن استراتيجياتها في العالم كلها خفية ، وما تعلنه على الملأ ، ليس هو الحقيقة نفسها ، فضلا عن استخداماتها الديماغوجية في تجاربها التاريخية ، وخصوصا في قارة آسيا ، وهذا ما توضّح لنا في ثلاثة أمثلة قوية جدا : فيتنام وأفغانستان والعراق . إن الصورة التي تمنحها للآخرين دوما مشوّشة ، أو متناقضة بحيث تحاول أن تموّه على الحقائق والأحداث ! إنها بدأت هكذا منذ نهايات القرن 18 وحرب الاستقلال والثورة الأمريكية حتى امتدادها نحو العراق والشرق الأوسط في بدايات القرن الواحد والعشرين !

العراق كابوسا امريكيا

دعوني أسجل ملاحظاتي ـ مثلا ـ على تصريحات الجنرال ريكاردو سانشيز القائد السابق للقوات الأمريكية في العراق عندما رسم قبل أشهر ، صورة قاتمة لأوضاع العراق، ولكن في الوقت نفسه نقرأ تصريحات مخالفة لما وجهه سانشيز من انتقادات حادة لإستراتيجية الإدارة الأمريكية في غزو العراق واحتلاله .. إذ وصف المهمة الأمريكية في العراق “كابوسا لا نهاية واضحة له” ، ولا ادري إن كانت له مصداقيته عندما يقول بأن ” السبب هو الأخطاء السياسية التي ارتكبت ، واستمرت بعد إسقاط النظام السابق في العراق ” . كما وصف قادة سياسيين أمريكيين “بضعف الكفاءة والفساد”. وأنهم كانوا سيواجهون محاكمة عسكرية بتهمة “التقصير في أداء الواجب” لو كانوا يعملون في صفوف الجيش. ويخلص بالقول : إن أفضل ما تستطيع القوات الأمريكية القيام به في الوقت الراهن هو “أن تتجنب الهزيمة”! هنا نسأل : أين الحقيقة في ما قاله الأول مقارنة بما قاله الثاني ؟

الاعتراف بالاخطاء

إن من السذاجة بمكان الاقتناع بتصريحات أمريكية ، إذ نعلم أن الأمريكيين قد عرفوا أكثر من أي آخرين بالحفاظ على مصالحهم القومية ومنظومتهم الاقتصادية والإدارية مهما كان الثمن ، فالنظام الأمريكي ماكنة تعمل من تلقاء نفسها ، وتعرف ليس ما تريده فقط ، بل ما تخطط له لسنوات قادمة .. إنها ليست من السذاجة بمكان أبدا بحيث ترتكب أخطاء جسيمة لا تحاول تصويبها ، بل ولا تراجع نفسها في تعديل سياساتها في العراق خصوصا بعد مضي قرابة ست سنوات لهيمنتها عليه . فما هي أخطاؤها في نظر الجنرال المتقاعد سانشيز ، تلك التي عددها لنا في العام 2008 ؟ وهو الذي قاد قوات التحالف لمدة عام ابتداء من 2003، فلقد عّبر عن تشاؤمه حيال الوضع في العراق، بالقول : ” إن ما يحدث فيه هو نتيجة أخطاء عسكرية ساعدت في ظهور وصعود التمرد المسلح. ومن ابرز تلك الأخطاء حل المؤسسة العسكرية ، والفشل في ترسيخ وتقوية العلاقات مع زعماء القبائل، وعدم الإسراع في إقامة حكومة مدنية عقب السقوط .. معتبرا الاستراتيجيات الحالية ، وبضمنها خطة زيادة القوات بمعدل 30 ألف جندي والتي شرع في تطبيقها في وقت سابق ، إنها “محاولة يائسة” لإصلاح الأخطاء التي وقعت في السنوات السابقة بفعل السياسات المضللة .. وانتقد شانشيز بشدة السياسات العامة للبيت الأبيض على عهد الرئيس السابق بوش ، وغياب القيادة القادرة على معارضة تلك السياسات في وزارة الدفاع (= البنتاغون) التي صنعها رامسفيلد .

خطايا غارنر وبريمر

لا احد ينكر تلك ” الأخطاء ” ، ولكن أهي أخطاء عفوية أم مقصودة ؟ لو افترضناها عفوية ، فلقد لاحت في الأفق في الساعات الأولى للسقوط مدى أهمية صناعة الفوضى في العراق ، ومدى القدرة على التشهير بأحداث معينة والتعتيم على أخرى .. ومدى التراخي في ممارسة المسؤولية في الداخل وخصوصا بإبعاد القوى والعناصر العراقية الكفوءة لإدارة الشأن العراقي .. والقدرة الإعلامية والسياسية الفتاكة التي قسمّت المجتمع إلى تكوينات قومية ، وشراذم طائفية ، وتجمعات دينية ، وزرع هذا الإسفين في قعر العراق .. والتبشير بعملية سياسية لا تخدم مستقبل العراق بصناعة قوى وميليشيات وجماعات متصارعة .. وإبقاء الحدود مع دول الإقليم مفتوحة من دون أي مسائلة .. وحماية وزارة النفط العراقية فقط من دون الوزارات الأخرى .. الخ إن العالم سيكتشف يوما أن هكذا ( أخطاء ) هي التي أصرت الولايات المتحدة على ممارستها على يد الحاكمين المدنيين : غارنر وبريمر ، وقد اتبعا سياسة حطمت العراق بإحيائهم كل التناقضات ، وضرب الهوية العراقية بالصميم ، والتشجيع على الانقسامات ، وسحق المجتمع العراقي والحرب على ثقافته وتراثه .. واتخاذ قرارات غبية من قبل أناس ليس لها أية خبرة بالعراق والعراقيين .. سياسات كانت ولما تزل تمارسها حتى الآن من دون أي تبديل أساسي أو بدائل أخرى ..

التوافقية .. بأي معنى عراقي ؟

لقد نشرت قبل أيام مقالا أوضح فيه أن ” التوافقية ” التي يريدون تطبيقها في العراق ، هي ” المحاصصة ” بعينها ، ولكن تأتي اليوم بأساليب رسمية . إن المحاصصة موجودة منذ القدم ، ولكنها كانت خفية ، بحيث لم يعلن عنها طوال القرن العشرين .. أي إرضاء القسمات الاجتماعية من دون أية ديمقراطية حقيقية .. أما أن تمارس تحت مسميات جديدة ، فهذه لها خطورتها التي لا يمكن لها إلا أن تكون معولا هداما لبنية المجتمع . وإنني أسأل : إذا كان هناك مبدأ لـ ” التوافقية ” .. فما معنى إجراء انتخابات ودوائر وإعلان عن ديمقراطية ؟ إن ” التوافقية ” هي بديل لفظي عن ” المحاصصة ” لا أكثر ولا أقل ! وإذا كانت فكرة ” التوافقية ” لم تحسم بعد في العالم ، فهي مثار مناقشات وجدالات صعبة ، فكيف يمكن تطبيقها في مجتمع مثل العراق ؟ إن المجتمع العراقي ليس مجتمعا بدويا ساذجا حتى يجتمع المتسلطون عليه كي يوزعوا المناصب والغنائم عليهم بالتوافق ، أو قبل بالمحاصصة ، أو قبل بالتراضي ! ولتذهب صناديق الاقتراع كلها إلى الجحيم ! إنهم يريدون البقاء في السلطة باسم التوافقية ، ولن يسمحوا لمن يختاره الشعب أن يؤدي مهمته التي يريدها الناس منه ! إن التوافقية غطاء لكل الموبقات السياسية ، هي ليست ضد الديمقراطية الحقيقية ، بل هي ضد أي مشروع وطني يوّحد البلاد من دون أية محاصصات ، أو الحد والتقليل من آفاتها الشريرة التي هتكت بالعراق والعراقيين . وهنا يبدو لنا أن الأمريكان قد فشلوا أيضا في سياستهم إزاء العراق ، وبدا أنهم قد استهدفوا بروز أي مشروع وطني بتطبيق التوافقية في تقسيماتهم للمجتمع العراقي على أسس دينية وطائفية وعرقية .. وقد كرس هذا ” النهج ” على أيدي عراقيين في ” الدستور العراقي ” الذي أخرجوه وهو يلائم تحقيق تلك الأهداف.

اللعب ليس ممكنا مع العراق الصعب

وصف سانشيز الاوضاع الصعبة في العراق بمنتهى القتامة، قائلا ان “القوات الأمريكية وجدت نفسها في حالة مقيدة ، وان أمريكا لا خيار أمامها سوى الاستمرار في جهودها في العراق”. وردا على تصريحاته ، فلقد قيل له أن العراق يحرز تقدما كما جاء على لسان بتريوس والسفير السابق كروكر .. علينا أن لا نعتقد بأن الإدارة الأميركية فقدت قدرتها في السيطرة على انفعالاتها ، وأنها لم تعد قادرةً على ضبط سلوكها السياسي العام؟ وان كل ما يقال عنها لا أساس له من الصحة .. فهي مدركة لكل دقائق الأمور ، وان خططها بعيدة المدى ، وأنها متقصدة في البقاء ضمن إستراتيجيتها التي رسمتها للعراق ( وربما للشرق الأوسط ) . ويمكنني القول ، أن منطقتنا ستشهد جملة مفاجئات وأحداث عامي 2009- 2010 ، وخصوصا في العراق ، وستتطور الأحداث ضمن خطط مرسومة ووقائع معلومة اندفاعا نحو الانتخابات الأمريكية التي ستكون نقطة فاصلة بين مرحلتين .. إن الصراع السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين في أمريكا ، سيحدد مصير العراق لمرحلة قادمة تكثر اليوم عنها كل التكهنات .

استمرار نهج لاستراتيجيات مبهمة

نخلص إلى أن الأمريكيين غير مستعدين للتنازل عن إستراتيجيتهم جمهوريين كانوا أم ديمقراطيين .. وازعم، أن ما يحدث في العراق هو بداية لما سيحدث في المنطقة عموما ، إذ لا يمكن لأمريكا أن تتخلى أبدا عن قوتها وسمعتها ومصدر حيويتها ، وان أهم بقعة تعد مصدرا أساسيا للطاقة في القرن الواحد والعشرين .. وستبقى الإدارة بهذه أو تلك مصرة على مواصلة نهج اتبعته منذ اللحظة التاريخية الأولى وأدى إلى إثارة عواصفَ سياسية دولية وإقليمية اعتراضاً على خطوات اعتبرت انقلابية على نهج استراتيجيات وسياسات اتبعت في القرن العشرين وخصوصا أيام «الحرب الباردة». إنني اعتقد بأن منطقتنا مقبلة على مرحلة صعبة جدا ، تكثر فيها الانقسامات العرقية والمذهبية .. ثم تتوالد صراعات محلية وإقليمية واسعة النطاق .. وستنتاب الفوضى الخلاقة مجتمعات عدة في كل من الشرق الأوسط ، والشمال الإفريقي .. وربما كنت مخطئا في تقديراتي .. ومهما كانت درجة الهواجس لمستقبل كئيب للغاية ، فهل لنا القدرة على استكشاف غموض السياسة الأمريكية ؟ وهل لأمريكا القدرة على تغيير إستراتيجيتها في العراق ؟ إنني لا اعتقد ذلك !

نشرت في الزمان ، 10 مايس / آيار 2009 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل