الرئيسية » مقالات » السياسة بين المصالح والأخلاق

السياسة بين المصالح والأخلاق


بعد نشر مقالي الأخير الموسوم: (هل الحرب على الإرهاب.. أم على الإسلام؟) الذي دافعت فيه عن الحرب التي شنتها وما تزال، قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا على الإرهاب، وإسقاطها لحكومات دعمت الإرهاب، مثل حكومة طالبان في أفغانستان والبعث الصدامي في العراق، نشر عدد من الأخوة القراء الأفاضل تعليقات مفيدة، معظمها إن لم أقل كلها، كانت إيجابية ومتفقة مع مضمون المقال. ومن هذه التعليقات تعليق من الأخ القارئ (أبا الغيث) على موقع الحوار المتمدن قال فيه: “مقال جيد، لكن قل لي، من الذي اوجد طالبان؟ ومن الذي دعم حزب البعث؟ ولماذا لم يستيقظ الضمير حيال ما جرى في العراق عام 1963؟ اجبني ان سمحت.”



وقد اخترتُ هذا التعليق الموجز والمركز، للرد عليه، لأنه يدور في تفكير نسبة كبيرة من الناس وبتكرار، فما أن نرحب بأي عمل تتخذه أمريكا في صالح الشعوب مثل: تحرير أفغانستان من القاعدة وطالبان، وتحرير العراق من الفاشية البعثية، حتى ونطَّ أمامنا هذا الاعتراض على شكل سؤال الأخ أبي غيث أعلاه. ورغم أني أجبت على هذا السؤال مراراً وتكراراً في مقالات سابقة وبشكل غير مباشر، ولكن لا ضير من تكرار الجواب وتخصيص مقال خاص لهذا الاعتراض المتكرر.



من المعروف أن لكل نشاط إنساني ومعرفي مجاله الخاص، فالفلسفة تبحث في القيم الجمالية والضمير، والفضيلة والرذيلة، والحق والباطل، أما الدين فيبحث في الأخلاق، والحلال والحرام، والعبادات..الخ، أما السياسة فمهمتها البحث في المصالح وتنظيم حياة الناس في هذه الدنيا.



ولكن لو تمعنا جيداً لرأينا أن حتى الدين ليس بالضرورة يلتزم بالأخلاق خاصة عندما يحصل تعارض بين المصلحة والأخلاق، إذ لاحظنا أن أبشع الجرائم والأعمال اللا أخلاقية ترتكب في الدولة الدينية وعلى أيدي منظمات دينية تفرض إرادتها على الناس بالإرهاب. كذلك نلاحظ تفشي أبشع الجرائم اللا أخلاقية في المجتمعات الدينية المتزمتة التي يفرض فيها الدين بالقوة، مثل السعودية وإيران والسودان. ولذلك فالموقف من الأخلاق هو نسبي، يعتمد على الموروث الاجتماعي الذي تشبع به عقل الإنسان من مجتمعه. فالأخلاق عند المسلم الوهابي مثلاً تسمح له قتل من يختلف عنه في الدين والمذهب، وتجيز له نشر الإرهاب في سبيل مرضاة الله!! والإرهابي المسلم يبرر فعلته بنصوص قرآنية وأحاديث نبوية كثيرة، مثل الآية القرآنية:وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ…”. أليس هذا وفق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة؟



وما يجري في المجتمعات الإسلامية من إرهاب وتجاوزات على حقوق الإنسان باسم الأخلاق والدين قد حصل في أوربا المسيحية في القرون الوسطى أيام سلطة الكنيسة ومحاكم التفتيش، حيث تم قتل وتعذيب مئات الألوف وخاصة النساء بتهمة الهرطقة وممارسة السحر witchcraft. ولم تتخلص الشعوب الأوربية من هذه الفظاعات إلا بعد ثورات وانتفاضات دموية كثيرة أدت بالتالي إلى فصل الدين عن السياسة.



المهم هنا، أن السياسة لا تبحث عن الأخلاق أو ضمير، بل تبحث عن المصالح فقط حتى ولو تعارضت هذه المصالح مع الأخلاق والضمير. وهذا ما أكده مؤسس علم السياسة، نيكولو ماكيافيللي، عندما أعلن مبدأ: “الغاية تبرر الوسيلة”. والملاحظ أن معظم السياسيين وغير السياسيين يشتمون ماكيافيللي ومبدئه هذا ليل نهار، ولكنهم عملياً يمارسونه باستمرار. وأكثر من يستخدم الماكيافيللية هم السياسيون في السلطة الدينية، مثل حكم الملالي في إيران، وإلا كيف نفسر تحالفهم مع الفاشية البعثية في سوريا، ودول شيوعية ضد الأيديولوجية الدينية أصلاً مثل الصين وكوريا الشمالية وغيرهما. إذن المصالح هي التي تتحكم في سلوك الناس.



فالقائد السياسي الناجح هو ليس الملتزم بالأخلاق والضمير، بل الذي لديه الاستعداد أن يضحي بالأخلاق والضمير في سبيل المصالح. وهذا هو واجبه الأساسي، أي حماية مصالح شعبه بالدرجة الأولى ومهما كلف الأمر. أما إذا توافقت المصالح مع الأخلاق فهذا خير على خير وهو من الصدف النادرة.



ولكن مشكلة الناس وخاصة في المجتمعات الشرقية، وبالأخص في المجتمعات العربية والإسلامية، أصيبوا بالازدواجية في المعايير الأخلاقية، فنظرياً يعتبرون المصلحة كلمة بذيئة وأنهم يضحون بها في سبيل الأخلاق، ولكن عملياً كل واحد يركض وراء مصلحته حتى ولو تضاربت مع الأخلاق، إذ كما يؤكد العلامة علي الوردي:“إن الإنسان لا يطب الحق من أجل الحق ذاته، فالحق سلاح يستخدمه الإنسان في حاجاته أكثر مما هو هدف مطلق يقصده لذاته. وحين يتنازع الناس حول حق من الحقوق إنما هم ينشدون به مصالحهم الخاصة. فإذا تناقض الحق مع المصلحة كانت المصلحة أولى بالإتباع. والإنسان حين يسعى وراء مصلحته الخاصة يغطي سعيه ببرقع من الحجج المثالية ليدعم بها موقفه”. وبهذا الخصوص يقول الحسين بن علي: “الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحطونه ما درت معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديّانون (أي المتدينون)”.



ولو تعمقنا أكثر في الكتب الفلسفية وخاصة كتاب وول ديورانت (قصة الحضارة) في البحث عن جذور ومنشأ الأخلاق، والحق والباطل، والفضيلة والرذيلة وغيرها من القيم الاجتماعية السائدة الآن، لوجدنا أن لها علاقة بالمصلحة. بل وحتى المتدين الحقيقي الذي يتوسل مرضاة الله، فهو لم يتدين إلا لمصلحته الخاصة، مضحياً بحياته القصيرة الفانية في هذه الدنيا، خوفاً من النار وطمعاً في الجنة التي عرضها السماوات والأرض، وفيها حياة خالدة يقضيها مع حور العين والولدان المخلدين، كما يعتقد.



أما السياسي الملتزم بالأخلاق والمثالية، فهو سياسي فاشل. والتاريخ حافل بالأمثلة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، قصة الصراع بين الإمام علي ومعاوية على الخلافة (السلطة). فمعاوية نجح لأنه معروف بخبرته السياسة الواقعية والخبث والدهاء، ولا يعير الدين وتعاليمه أية أهمية، وهو من أبناء الطلقاء، أي الذين فُرِضَ عليهم الإسلام بعد فتح مكة بالقوة وليس عن طريق الإيمان، بينما فشل الإمام علي، لأنه كان ملتزماً بالتعاليم الدينية والأخلاقية، إذ كان مؤمناً إيماناً مطلقاً بالدين والآخرة والجنة والنار…الخ، وهو الذي قال: “والله إن معاوية ليس بأدهى مني، ولكنه يمكر ويغدر” وهو القائل: “والله لا أبيع ديني بدنياي”. وفي عصرنا الحاضر، فشل الزعيم عبدالكريم قاسم بسبب تمسكه المفرط بالمثالية الأخلاقية في مواجهة الخصوم. بينما كان خصومه يغدرون ويمكرون ويتآمرون عليه.



فالسياسة هنا أشبه بلعبة الشطرنج، الغرض الرئيسي منها هو تحقيق الفوز وأكبر قدر ممكن من المصالح، وإلحاق الهزيمة وأكبر قدر ممكن من الخسائر بالخصم، وذلك بإتباع مختلف التكتيكات، بغض النظر عما إذا انسجمت هذه التكتيكات مع الأخلاق أم لا. ويمكن اختصار العلاقة بين السياسة والمصالح بالقول المأثور: (ليس في السياسة أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين، بل فيها مصالح دائمة).



وبالعودة إلى سؤال القارئ الكريم (أبا غيث): “… لكن قل لي، من الذي اوجد طالبان؟ ومن الذي دعم حزب البعث؟ ولماذا لم يستيقظ الضمير حيال ما جرى في العراق عام 1963؟ اجبني ان سمحت.”


الجواب طبعاً هو كالآتي: الذي أوجد كل هذه الشرور هو أمريكا… ووفق مصالحها آنذاك..!!! وهذا لا يبرر لنا أبلسة أمريكا، لأن ليس غريباً أو شذوذاً أن تسعى أمريكا وراء مصالحها، بل الغريب والشذوذ أن لا تسعى أمريكا وراء مصالحها.



ففي عهد الحرب الباردة بين المعسكرين، الشرقي بقيادة الإتحاد السوفيتي، والغربي بقيادة أمريكا، كان العدو الأول لأمريكا والغرب هو الاتحاد السوفيتي والحركة الشيوعية. ولذلك من الطبيعي أن تتبع أمريكا كل وسيلة، أخلاقية أو لا أخلاقية، في سبيل إلحاق الهزيمة بعدوها. أمريكا تآمرت على حكومة الزعيم الوطني الإيراني الدكتور محمد مصدق عام 1953، وقضت على مشروعه الوطني الديمقراطي العلماني، ولولا ذلك التآمر لما ابتلت إيران بحكم الملالي فيما بعد. كذلك اقتضت مصلحة أمريكا توظيف حزب البعث في العراق لضرب حكومة الزعيم عبدالكريم قاسم، لأن الزعيم قاسم تعرض إلى المصالح الغربية في العراق مثل السماح لليساريين بحرية العمل السياسي لفترة محدودة وكان ذلك تجاوزاً على الخطوط الحمراء آنذاك، وخوف الغرب المفرط من الخطر الشيوعي، إضافة إلى إصدار حكومة الثورة عدداً من القوانين الإصلاحية والاجتماعية والاقتصادية، مثل قانون الإصلاح الزراعي وقانون رقم 80 الذي انتزع بموجبه 99% من الأراضي العراقية من الشركات النفطية وغيرها كثير.



وعندما سيطر الشيوعيون على الحكم في أفغانستان في السبعينات، وحصل الاحتلال السوفيتي لهذه البلاد، من الطبيعي أن تستخدم أمريكا كل ما في جعبتها من وسائل لإلحاق الهزيمة بالحكم الشيوعي وطرد السوفيت من أفغانستان. ولذلك أسست منظمات القاعدة وطالبان والمجاهدين في أفغانستان وباكستان وبأموال السعودية لتحقيق أغراضها. وهذا ما حصل.



ولكن، بعد انتهاء الحرب الباردة بانهيار المعسكر الشيوعي تغير الوضع رأساً على عقب، فانقلب السحر على الساحر، فالأديولوجية الوهابية التي غذتها أمريكا في تأسيس القاعدة وطالبان، انقلبت ضد أمريكا ذاتها، فكانت هجمات 11 سبتمبر، العلامة الفاصلة بين مرحلتين تاريخيتين، مرحلة كانت فيها أمريكا تحارب الحركات التقدمية الديمقراطية في العالم الثالث، ومرحلة ما بعد 11 سبتمبر التي أرغمت أمريكا تغيير سياساتها بـ 180 درجة، إلى نشر الديمقراطية ومحاربة الأنظمة الديكتاتورية المستبدة والمنظمات الإرهابية الإسلامية، وفق ما اقتضته المصالح الأمريكية.



وعليه، نرى أن حكمة التاريخ تدخلت وفق مبدأ (البقاء للأصلح)، و(لا يصح إلا الصحيح)، أن لأول مرة تتفق مصالح أمريكا مع مصالح شعوبنا. ولهذا فعلى السياسي الحصيف وعلينا جميعاً، أن نستثمر هذه الفرصة الذهبية التي وفرها التاريخ لمصلحة شعوبنا. ولا عيب وضير في ذلك، بل كل العيب والضرر إذا رفضنا استثمار المرحلة لصالح شعوبنا.



لذا أرى من الخطأ الكبير إذا تمسكنا بمقولة أن أمريكا هي التي عملت كذا وكذا وهي التي أسست القاعدة وطالبان وساعدت البعث عام 1963، هذا يعني أننا رجعنا إلى الأخلاق البدوية في طلب الثأر والانتقام. وهل بإمكاننا أن ننتقم من الدولة العظمى؟ وما الفائدة التي تجنيها شعوبنا فيما لو واصلنا العداء لأمريكا؟ بالطبع لا شيء غير الهزائم والكوارث كما جربها صدام حسين وغيره من السياسيين الثورجية البلطجية.



فإذا كانت أمريكا تبحث عن مصالحها، فما العيب إذا نحن أيضاً سعينا وراء مصالح شعوبنا؟ إن الإصرار على مواصلة العداء لأمريكا سياسة بدوية متخلفة تنم عن الجهل والغباء المفرط بالسياسة، بينما الحكمة تقتضي منا أن نستثمر هذا التحول التاريخي في موقف الدولة العظمى لتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح لشعوبنا. والدولة العراقية هي المستفيدة أكثر من إقامة العلاقة الحميمة مع أمريكا والدول الغربية عموماً. وبغض النظر عن أغراض ومصالح أمريكا في إسقاط حكم البعث، فأمريكا حررت شعبنا من أبشع نظام عرفه التاريخ، وأمريكا ساعدت على خلاص شعبنا من أكثر من 90% من الديون التي ورثها من حكم البعث المجرم، إضافة إلى مساعي أمريكا في إطفاء مئات المليارات الدولارات من تعويضات الحروب. بينما نرى بعض دول الجوار وخاصة إيران وسوريا والسعودية، تتزايد علينا على السيادة الوطنية العراقية، وإدعاءاتها الزائفة بحرصها على مصلحة العراق، إلا إنها في الحقيقة والواقع، لا تريد للعراق خيراً، ولا لشعبه أن ينهض، ولا لاقتصاده أن يزدهر، ولا لأمنه أن يستقر، ولهذه الأسباب فمن مصلحة شعبنا أن نكسب أمريكا إلى جانبنا.



خلاصة القول، إذا تمسكنا بتلابيب الماضي وواصلنا ترديد الأقوال مثل: “من الذي اوجد طالبان؟ ومن الذي دعم حزب البعث؟ ولماذا لم يستيقظ الضمير حيال ما جرى في العراق عام 1963؟هذه الأحداث حصلت في الماضي وفق مفاهيم ذلك الزمان، والأمور مقرونة بأوقاتها، وإذا اتبعنا سياسة الثأر والانتقام فسوف لن نصل إلى أية نتيجة بل نلحق بشعبنا المزيد من الأضرار والدمار، ونخدم بالأساس أعداء شعبنا الذي لا يريدون له خيراً، ولذلك يحرضون في وسائل إعلامهم على العداء لأمريكا بحجة الحرص على السيادة الوطنية وأن أمريكا تريد نهب ثروات العراق وتجويع شعبه… إلى آخره من الأسطوانة المشروخة.