الرئيسية » دراسات » الكــــــــــرد في المجتمع اللبناني الحلقة الثانية

الكــــــــــرد في المجتمع اللبناني الحلقة الثانية

وبعد ذلك تزوج أحد أحفاده المدعو علي بن رباح جانبلاط ابنة الشيخ قبلان القاضي التنوخي كبير مشايخ الشوف لارتفاع نسب بيت علي الجنبلاطي، وعلو مقامه. ولما توفي القاضي التنوخي بلا عقب سنة 1712م اتفق أكابر الشوف أن يكون صهره (علي) في مرتبة الشيخ قبلان رئيساً عليهم. وذلك اعتنق الجنبلاطيون المذهب الدرزي بعد أن كانوا على المذهب السني، وولى الأمير حيدر الشهابي الأمير علي جنبلاط مقاطعات الشوف، فسلك منهج العدل والرحمة في حكمه، ونشر الأمن، وساد العدل، واستمال الناس إليه، وكثر أعوانه من كل الطوائف والملل، وكان محبا للعلم والعلماء، كريما حليما فاضلا، حتى أصبح شيخ المشايخ، أدركته الوفاة في بعذران سنة 1776م، وترك ست أولاد وهم ( يونس، ونجم، ومحمود، وحسين، وقاسم، وجانبولاد)، وخلفه في الحكم ابنه الأمير قاسم، الذي كان مهيباً وديعاً عادلاً، توفى سنة 1791م، وكان من أولاده حسن وبشير وإسماعيل. وقد خلفه ابنه الشيخ بشير بن قاسم جنبلاط وصار من زعماء الإقطاع في عهد الأمير بشير الثاني الشهابي، ويعزى إليه بناء قصر المختارة، وإصلاح الطرق، وإقامة المعابد، ونشر الأمن والعدل بين الرعية، حتى لقب بشيخ المشايخ، قتله عبد الله باشا والي عكا سنة 1825م(16).
ومن الذين اشتهروا في عالم السياسة في العصر الحديث السيدة نظيرة جنبلاط عقيلة فؤاد جنبلاط، التي ترملت سنة 1922، فخلفت زوجها على مسرح السياسة اللبنانية، وكان لها دور فاعل، توفيت في بيروت سنة 1951م، فخلفها على المسرح السياسي ابنها الأستاذ كمال جنبلاط أحد كبار ساسة ومفكري لبنان، وكان له حضور سياسي في سياسة لبنان في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، ووضع الكثير من المؤلفات، اغتيل عام 1977، فخلفه في زعامة الدروز ابنه الأستاذ وليد جنبلاط، الذي شغل عدة مناصب وزارية وبرلمانية، ويعد اليوم أحد ابرز أقطاب الساسة في لبنان المعاصر.
وقد عرف عن آل جنبلاط حسن السياسة، والكرم والجود، والاهتمام بالعمران، وكانوا عيون العدل والعلم والإصلاح، مع احترام الطوائف الأخرى وخصوصا المسيحيين، إذ سمحوا لهم بإقامة الكنائس في منطقتهم، وجانبلاط كلمة كردية(جان بولارد) تعني ( الروح الفولاذية)، وقد لقبوا بها لشدة بأسهم، وفرط شجاعتهم، وحسن سياستهم، وقد حرفت مع الاستعمال إلى جنبلاط.
آل سيفا
آل سيفا حكام طرابلس الشام في لبنان، اشتهروا بالكرم والأدب، وهم أكراد الأصل، نزحوا من بلادهم واستوطنوا سهل عكار وطرابلس في شمالي لبنان، ومنها تولوا الحكم في طرابلس لمدة مديدة، وعلا شأنهم، ولا يزال في طرابلس أوقافا كثيرة باسمهم يقتسم ريعها آل الشهال وغيرهم ممن يمتون لهم بالنسب(17).
وقد لعبوا دوراً رئيسياً في حياة لبنان السياسية خلال العهد العثماني، وكان لهم صدامات وصراعات مع المعنيين في جبل لبنان، ومما يؤيد الرأي القائل بكردية آل سيفا ما ذكره إبراهيم بك الأسود في كتابه: ” أنهم أمراء أكراد استقرت لهم الإمارة بين الأعوام 1528و 1579م، عندما رقي الأمير يوسف بن سيفا سنة 1579م إلى رتبة وزير وعين والياً على طرابلس”(18). وأكد كرديتهم أيضاً المؤرخ فيليب حتي بقوله:” وانتقل الحكم بعد بني عساف إلى منافسيهم بني سيفا في عكار، وكان بنو سيفا من أصل كردي، وقد اتخذوا من طرابلس مقراً لهم..”(19).
وقد ذكرهم الرحالة اللبناني رمضان العطيفي الذي زار طرابلس بقوله: ” أن أخبار بني سيفا بالمكارم والكرم وإسداء الفضل إلى أهل الفناء والعدم أشهر أن تذكر، حتى كان يقصدهم المحتاج وغير المحتاج من سائر البلاد، ويقال عنهم أنهم أحيوا أيام البرامكة”. وقال عبد الله نوفل: ” آل سيفا المشهورين بالكرم والأدب كانت لهم العزة الزاهرة، والدولة الطاهرة، حتى صاروا مقصد كل شاعر، ومورد كل مادح، وكانوا يعطون أعظم الجوائز، وهم أكراد نزحوا من بلادهم واستوطنوا عكار، ومنها تولوا الحكم في طرابلس ، ومنهم آل الشهال…” (20).
وقد حكمت هذه الأسرة المنطقة الواقعة بين نهر الكلب ونهر إبراهيم في القرن السادس عشر، عندما تولى يوسف باشا ابن سيفا منصب حاكمية طرابلس الشام من قبل الدولة العثمانية 1579م. واستمر في منصب الولاية بعدما أبعد عنه عدة مرات حتى وفاته عام 1624م. وقد جرت بينه وبين الأمير فخر الدين المعني الثاني (1585 – 1635م) العديد من المعارك والتحالفات عبر سنوات طويلة. وأدت تلك الحروب إلى خراب طرابلس ونهبها مرتين(21).
وتولى بعده الحكم الأمير حسين بن يوسف باشا، وكان قد تولى في عهد والده كفالة طرابلس الشام، ثم عزل عنها، ثم ولي كفالة (الرها= اورفا) ثم تركها وقدم حلب ولم يكن محمد باشا قره قاش واليها يوده، فقبض عليه بالحيلة، وسجنه في القلعة، وخنقه بحلب بأمر من السلطان العثماني، وبعث بجثته إلى والده في طرابلس الشام سنة 1026هـ /1617م، وبكت عليه جماهير كثيرة لحسنه وشجاعته وبطولته ، ولم يتجاوز من العمر الثلاثين سنة(22).
وبرز منهم الأمير محمد بن الأمير علي السيفي الطرابلسي، الذي تولى الحكم في طرابلس بعد الأمير يوسف باشا السيفي، وكان من أهل الأدب والفضل السامي، وكان له شاعر خاص يدعى محمد العكاري، وكانت فضائله تستغرق العد. وله معارك مع الأمير فخر الدين المعني. قال عنه المؤرخ محمد المحبي في كتابه ” خلاصة الأثر”: الأمير محيى القريض ( المواليا) الكثير. توفي مسموما وهو مسافر إلى بلاد الروم في قونية( تركيا ) سنة 1032هـ. وانهار البيت السيفي بعده. وقد رثاه الشاعر حسين بن الجزري بقوله : ولما احتوت أيدي المنايا محمد آل أمير ابن سيفا طاهر الروح والبدن
تعجبت كيف السيف يغمد في الثرى وكيف يواري البحر في طيه الكفن( 23).
ويعتبر عهد آل سيفا في مدينة طرابلس الذي استمر حتى الأربعينيات من القرن السابع عشر عهداً ذهبياً بالنسبة لها على الرغم مما شاهدته من حروب ومآسي، ويصف الرحالة رمضان العطيفي آل سيفا الذي زار طرابلس عام 1634 بقوله :” أن أخبار بني سيفا بالمكارم والكرم وإسداء الفضل لي أهل الفناء والعدم أشهر من أن تذكر، حتى كان يقصدهم المحتاج وغير المحتاج من سائر البلاد، ويقال أنهم أحيوا أيام البرامكة-أيام هارون الرشيد-“(24).
ومن رجالاتهم الشيخ محمد بن محمد بن علي بن يوسف بن محمد بن رجب بن سعد الدين باشا المنسوب لبني سيفا الأكراد في طرابلس الشام، ولد فيها سنة 1285هـ /1868م. وتلقى علومه الدينية على يد الشيخ حسين ولازمه مدة عشر سنوات حتى أجازه بالتدريس. وأخذت الطلبة ترد إليه من سائر الجهات ، ثم عمل مدرساً للغة العربية في مدرسة كفتين الداخلية الوطنية الكبرى في طرابلس. ثم سافر إلى الآستانة ولبث هناك مدة ، وبعد رجوعه شرع في تأليف رسالة في علم الفلك ، ثم أخذ يفسر القرآن الكريم في أسلوب مختصر، وألف رسالة عن ” دود الحرير وتربيته وحفظه” ، ونال على ذلك جائزة من حكومة العثمانية مع الميدالية الذهبية ، ثم ألف رسالة في ” كيفية استخراج الزيوت من النباتات”، وله ” مختصر رسالة في علم المعاني والبيان” . وله خدمات وطنية تذكر بالشكر، وكان رضي الأخلاق، حسن المعاشرة، وفياً لأصدقائه، واسع الإطلاع، توفي سنة 1336هـ/1918م(25) .
واستمرت هذه الأسرة تكبر وتقوى حتى غدت ذات قدرة وبأس، واستمروا في حكم طرابلس حتى الأربعينات من القرن السابع عشر فخاف العثمانيون من خطرهم وحرضوا ضدهم بعض الولاة، وفي عام 1640 بادر متصرف طرابلس شاهين باشا إلى قتل الأمير عساف سيفا زعيم الأسرة آنذاك، ثم قضى على جميع أفرادها ومحقهم تقريباً(26).
آل الشهال
آل الشهال من الأسر الكريمة والقديمة في مدينة طرابلس الشام، وهم يمتون في نسبهم لآل سيفا الأكراد حكام طرابلس على مدى أعوام طويلة، ويؤيد نسبهم أنهم يأخذون مع بعض العائلات من ريع أوقاف آل سيفا، وبرز من هذه العائلة أفرادا اشتهروا بالشعر والأدب، كالشيخ محمود بن عبد الله الشهال، وابن عمه الأستاذ محمد، والأديب فضل أفندي، والفاضل القانوني جميل أفندي رئيس محكمة صيدا. ومن شعرائهم المجيدين الشاعر الشيخ محمود بن عبد الله الشهال. الذي ولد في طرابلس لبنان سنة 1252هـ /1835م، وقد تعلم على يد شيوخ طرابلس ودخل في سلك موظفي الدولة العثمانية فعين مديرا في طرابلس، وعضوا في مجلس البلدية أعواما طويلة، وعمل رئيس كتاب مجلس الحقوق وغير ذلك من الوظائف الإدارية، وكان حسن المحاظرة مفوها واسع الإطلاع، جهوري الصوت ، ماهر في تلحين القصائد، وله موشحات جميلة. كان شاعر مطبوعا مجيدا نظم في سائر أبواب الشعر، وكان غزير المادة، رقيق الأسلوب، لطيف المعاني. له ديوان مطبوع(27) .
آل خضر آغا
آل خضر آغا من الأسر الكريمة في طرابلس لبنان، وهم أكراد حسبما ذكر حبيب نوفل في كتابه” تراجم علماء طرابلس” ذ يقول: “ولقد اطلعت على حجج ووثائق شرعية كثيرة ممهورة بأختام قضاة ذلك العصر ومفاتيه، وأجلاء الشيوخ والعلماء تؤكد صحة اتصالهم بالنسب لآل سيفا( الأكراد)، ومن تلك الوثائق التي تؤكد نسبهم الوثيقة الآتية ” بمجلس الشرع الشريف ومحفل الحكم المنيف بطرابلس الشام المحمية لنصب متولية سيدنا… وناقل ذا الخطاب المدعي فخر الأماثل الكرام إبراهيم آغا ابن المرحوم مصطفى آغا خضر زاده مشرفا شرعياً وناظراً على وقف الست أصيل بنت يوسف باشا السيفي زوج خضر آغا العائد وقفها على ذريته الذي هو جد الناظر المنصوب الأعلى بتصادق مستحقي الوقف وأذن له بالإشراف على الوقف، والنظر على متوليه الحاج احمد آغا خضر آغا ، بمعنى أن لا يتقاضى أمرا ولا مصلحة في الوقف بدون إطلاعه … وسطر بالطلب عن شهر رجب سنة 1245هـ”(28).
ولقد نبغ منهم رجال لمعوا في سماء الوجاهة والكرم كخضر آغا بن مصطفى ضابط الراجلين المحافظين بطرابلس، ومحمود آغا رئيس بلدية طرابلس وعضو في مجلس إدارتها، وشقيقه سعيد آغا رئيس بلدية طرابلس.
آل العماد/ العماديون
أسرة كبيرة معروفة تقيم في جبل لبنان وذات منابت إقطاعية، تعود بنسبها إلى الجد ( عماد)، وهو كردي الأصل قدم من مدينة ( العمادية) الواقعة اليوم في كردستان العراق، إذ جاء مهاجراً إلى لبنان وسكن قرية ( مرطحون)، ثم ارتحل إلى الباروك، ومنها انتقل أحفاده إلى منطقة الشوف، فاعتنقوا المذهب الدرزي الشائع هناك، وأصبحوا من كبار الملاكين، كما اعتنق بعضهم الديانة المسيحية المارونية. ومما يؤيد كرديتهم ما كتبه الدكتور سليم الهيشي بقوله:” يمتون بصلة القربى إلى عماد الدولة الديلمي الكردي الذي حكم منطقة العمادية…”.
أما الدور المهم الذي لعبه العماديون في تاريخ لبنان عموماً، ومع الدروز خصوصاً هو تزعمهم للحزب اليزبكي… نسبة إلى الجد الأعلى للشيخ العماد وهو يزبك، وهم اليوم دروز المذهب(29).
آل مرعب أو المراعبة
المراعبة من أمراء عكار في شمالي لبنان، ينسبون إلى الأكراد الرشوانية، قدم جدهم مرعب إلى بلاد طرابلس من منطقة عفرين الكردية في سوريا، وتوطنت سلالته سهل عكار، وهم من الأسر الإقطاعية العريقة في لبنان، ويعتنقون المذهب السني، ومما يؤيد نسبهم ما ذكره احمد محمد احمد في كتابه( أكراد لبنان) بقوله: ” أمراء ينتسبون إلى جدهم مرعب أحد بكوات الأكراد في هكاريا( سلسلة جبال تمتد في المناطق الكردية الموجودة ضمن تركيا والعراق)”(30). وما ذكره أيضاً حبيب نوفل في كتابه( تراجم علماء طرابلس) بقوله:” بنو مرعب أكراد الأصل، قدم جدهم من بلاده واتخذ عكار موطناً، وتملكت سلالته الدور الشاهقة والأملاك الواسعة في تلك البلاد، وتولى منهم حكومة طرابلس مثل الأمير شديد الذي تواقع مع عيسى حماده سنة 1714م، وعثمان باشا المرعبي في القرن التاسع عشر، وعلي باشا الأسعد المرعبي ومنذ يومئذ تلقب أولاده وأحفاده بالبكوات، أما سائر أفراد بني مرعب فكانوا يلقبون بالاغوات حتى أنعمت عليهم الحكومة بلقب بكوات أسوة بأبناء عمهم(31).
حكم المراعبة منطقة عكار قرابة المائة عام، ولازالوا إلى اليوم يتمتعون ببعض التأييد في قضاء عكار الذي يملكوه، والى وقت قريب كان أحد أبناء هذه الأسرة المدعو طلال المرعبي الذي تولى منذ سنة 1972 نائباً عن المقعد السني في قضاء عكار واستمر حتى سنة 1992، ثم أعيد انتخابه عن المقعد نفسه، كما تكرر فوزه في الانتخابات النيابية لسنة 1996م(32).
ومن مفاخر بني مرعب المدعو (علي باشا الأسعد المرعبي)، كان رجل زمانه، خبرة ومضاء وعزيمة، ومهابا عاقلا، و فارسا مغوارا، جسوراً فصيحا. قال عنه الكاتب نوفل نوفل في تاريخه” كشف اللثام في حوادث مصر وبر الشام” :” أنه كان تقصده ذوو الحاجات فيقضيها، ويرجو الفقراء نوال كفه فيعطيهم، ويمتدحه الشعراء بغرر القصائد فيجزل صلتهم. وكان فصيحاً، وله مشاركة في الأدب والشعر، ووفياً لأصدقائه ومن يلوذ به”.
وقد عزله احمد باشا الجزار عن حكومة طرابلس، لكنه رجع لمنصبه، وأنعمت عليه الحكومة العثمانية برتبة الباشاوية( مير ميرانية)، وأكثر الشعراء من مدحه، ومنها قصيدة للشيخ أمين الجندي الشهيرة التي يقول فيها:
فقلت: لا تكثري عتبي فلست أرى
حسن التخلص من قيل ومن قــال
إلا بمدح احمد الشهم الشديد ومن
له الجناب الرفيع البـــاذخ العالي
كأنه الليث تغدو خلفه زمر
كواسر من بنيه خير أشبــال
قس الفصاحة سحبان البلاغة مقـ
ـداد الشجاعة مولى كل أفضال
مناقب لم يزل بالعجز معترفاً
عن حصرها كل نقاد ونقال
يا آل اسعد لا زالت منازلكــم
حصن الدخيل ومأوى كل مفضال
وقال فيه الشاعر بطرس كرامه:
هذا ابن اسعد لا ند يشاكله
المرعب الضد بالهندية الأسل
يا آل مرعب لازالت رماحكم
تمتد خلف العدا قطاعة الأجل
يا آل مرعب أن الفخر حق لكم
والفخر فيكم علي جاء بالمثل(33)

taakhi