الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي – الحلقة الرابعة و التسعون

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي – الحلقة الرابعة و التسعون

ويميز ويكرام بين رؤساء او (اغوات) صغار وكبار في قيادة المعارك او التمردات الكردية فاذا اختلف على سبيل المثال كما يذكر ويكرام شيخ بارزان او اغا من قبيلة السندي والكلي مع الحكومة فالقضية لا تعود قضية خروج على القانون او مجرد عصيان، بل حربا” كاملة الابعاد ويصعب على الحكومة مهما حاولت كسر شوكته (282).
ويعزو ويكرام هذه القوة التي يتمتع بها الرؤساء الكرد الكبار اما الى المكانة الدينية واما الى الحصانة الجغرافية اذ يأتي ويكرام بمثال عن منطقة السندي ويصف هضبتها ( طنين ) بالهضبة العظيمة الشاهقة الممتدة فوق الجبال المكسوة بالغابات الكثيرة المياه ومراعيها الواسعة جدا” تكفي قطعان القبيلة طوال فصل الصيف ولم يسمح لاي اجنبي بزيارة القمة كما لا يمكن ان يبلغها امرؤ حسبما يقال الا بطرق ثلاثة سهلة محروسة حراسة شديدة وما ان تبلغ القبيلة الهضبة حتى تكون في موضع يمكنها به ان تهزأ باية قوة حكومية تجرد عليها من المنطقة وان قوة كبيرة تحشد لغرض القاء الحصار عليها يتعذر تأمين القوت لها، في حين يكون من السهل جداً ان يتغلبوا هم على وحدات صغيرة من الجيش التي قد ترابط في الممرات ورؤس الطرق. لاشك ان جيشاً مصمماً على هدفه لا يتعذر عليه اقتحام هذا المعقل ولكن بعد ان تلحق به خسارة فادحة للغاية ونقطة الضعف الوحيدة في هذا المعقل تكمن على ما بيدو في حقيقة عدم قدرة أي انسان او حيوان ان يعيش في هذه القمة ايام الشتاء والقبيلة نفسها تنزل إلى السهل حالما تهب رياح الخريف ويتساقط اول الثلج وفي هذا تكمن فرصة الحكومة (283).
ان نقطة القوة الجغرافية التي تقابلها نقطة ضعف مناخية هي ليست مشكلة هضبة طنين معقل قبيلة السندي حسب بل تكاد تكون هذه المشكلة عامة اقتضتها طبيعة الجغرافية الكردية ومناخ كردستان.
وقد فات ويكرام في هذه المسألة، عند اشارته إلى المكانة الدينية او إلى صعوبة المنطقة ان المسؤول الكردي الدنيوي يملك من الولاء القبلي ما يمكنه من شن حرب على قبيلة ما او عصيان على حكومة ، ومن هنا نجد ان الولاءات وعدم الولاءات بين الكرد والحكومات المهيمنة على الشعب الكردي كانت تتحكم فيها النزعة القبلية ومزاجية ومصالح رئيس القبيلة ، فاذا كان رئيس القبيلة مع الدولة كانت القبيلة كلها مع الدولة واذا اعلن رئيس القبيلة خصامه مع الدولة كانت القبيلة كلها مخاصمة للدولة، وليس للفرد في القبيلة ان يفكر او يسائل نفسه لماذا ؟ انها سياسة القطيع إذ لا قيمة للفرد الا من خلال قبول ابناء جلدته له.
ومن هنا يمكن ان نقول ان معظم ان لم نقل كل الثورات الكردية التحررية المسلحة كان وقودها رجالا” قبليين مسلحين، وان اول مؤتمر كردي سياسي عقد لمناقشة قضية كردستان كان في عام 1881 في قرية نهري* فقد دعا الشيخ عبيد الله الشمزيني كل رؤساء القبائل الكردية في عموم كردستان التركية والايرانية والعراقية إلى اجتماع موسع لمناقشة القضية الكردية.
ويحدثنا فريزر عن لقائه برستم بك وكان رئيسا”لعشيرة زه نكه نه، فقد تحدث رستم عن نفسه وانه قد جرح عشر مرات على الاقل على الرغم من امتلاكه لا حسن الدروع ولكنه آثران لا يستعملها بل يعتمد على الله وحده في القتال ويصف رستم بك الايام الكردية الخوالي ويعتب على زمانه اثناء حديثه مع فريزر اذ لا يجد فرسان ايام زمان، ويتحسر على المقاتل الذي حولته الحياة إلى فلاح يمشي وراء المحراث والمؤسف حقا” ان فريزر يصف رستم بك بـ (المتوحش) إذ يقول لاشك انك عرفت الان ما يكفي عن رستم اغا لقد اغريت على وصف شخصيته والكتابة عنه بشيء من التفصيل لانه انموذج ممتاز للرئيس الكردي المتوحش فقد زودنا في صباح اليوم التالي بدليل للطريق ورسالة إلى كفري اقسم فيها بعيونه وبحياة ضيفه ونفسه بان لاتمس ولا شعرة من رأسي في أي مكان تكون فيه كلمته مسموعة. هل يمكن ان يوصف مثل هذا الانسان بالوحشية أو المتوحش. لقد مات فريزر والا لكتبنا له سائلين مستغربين؟
لقد جرى حديث بين فريزر ورستم بك عن الاسلحة ويبدو ان المسدسات الصغيرة لم تكن قد راقت له بل كان يفضل مسدساً من نوع مورتيمر وهي مسدسات كبيرة الحجم كان رستم بك يحمل اثنين منها.. وكان فريزر قد التقى قبل ذلك بسليم اغا رئيس الكرد الدلو الذي وصف الكرد لفريزر إذ قال عنهم كنا نحن الاكراد في زمن من الازمان جنوداً اقوياء ولم نكن نفكر بغير الركوب والتدريب على الحرب بالسيف والرمح وبالصيد إذ كان عندنا ما يكفي لمعيشتنا وكان فلاحونا يزرعون الارض لنا لكن اليوم كل رجل منا مضطر لان يضع السيف والرمح جانباً وينصرف إلى المحراث وما هو نفع الجندي يا سيدي حينما يبدأ باستخدام المحراث؟ ويبدو ان سليم اغا ايضاً كان لا يثق بالمسدسات الصغيرة الحجم فقد كان يحتقرها إلى ان برهن له فريزر على كفاءتها وشدة تأثيرها (51).
الحقيقة ان الجانب الظاهري من الا شياء هو الاكثر والاسرع تأثيراً على المرء لا سيما في المجتمعات البدائية ، فمفهوم المسدس الكبير وافضليته على المسدس الصغير لابد انه امتداد لمفهوم الخنجر الكبير الذي هو اقدر على الفتك من الخنجر الصغير لان كفاءة الاداء في الالات البسيطة ، واكثر انواع وسائل الانتاج البدائية ترتبط بالسعة والحجم ولكن التطور التكنولوجي استطاع ان يضع بيد الانسان الات، يصغر حجمها وتشتد فعاليتها. والكرد مغرمون بالاسلحة وبالحديث عنها وبسرد حكايات عن الحروب حتى ان هناك كثرة من الاغاني التي تتغنى بالملاحم والمعارك والقتال لا بل ان من المخجل في كثير من الديوانخانات او مجالس الضيافة ان يغني مغني القرية غير الاغاني القتالية التي تعبر عن القوة والرجولة والصمود والصبر بينما اغاني الحب والغرام لا تغنى في مجالس الرؤساء او البيكات او الاغوات لانها تعد من اغنيات الهشاشة النفسية الا اذا اقترنت قصة الحب بقتال وعنف ومعركة بين ذوي العريس وذوي العروس، او اذا كان في الزواج نوع من التحدي والبطولة.
ومن الامور التي اثارت اعجاب شميدت لدى المقاتلين الاكراد هو طابع مميز رفع إلى مستوى التكتيك الا وهو السرية التامة في اعمالهم.
ان هذه الخصائص الحربية هي التي جعلت مارك سايكس (1902) يؤمن ببسالة الشعب الكردي وصعوبة دحره.
لقد دون السير مارك سايكس مشاهدته لمواقف الاستنفار للقتال او المعركة عند الكرد، فهو يصف رغبته في البقاء مع حراسه الاتراك في قرية دوربان الواقعة بين مخمور والتون كوبرى في منطقة اربيل.
فما ان اعتقد اهل القرية بان هجوماً سيقع عليهم حتى قفز الرجال على خيولهم غير المسرجة، وبندقية المارتين تجدها في يد كل رجل اما النسوة فقد صعدن إلى السطوح يهلهلن ويصحن ثم يذكر سايكس ان اكثر شيء استثاره هو عندما وجد الاندفاع غير الطبيعي نحو القتال حتى عند الاولاد الصغار في عمر 9-10 سنوات، والنساء يشجعن الرجال وبعضهن خرجن بانفسهن باتجاه المعركة.
ويعلق سايكس على هذا المشهد بقوله ان الانتصار على مثل هؤلاء القوم او اكتساحهم باي شكل من الاشكال يعد مهزلة (191-2) ويقصد لا يمكن ان تكسر شوكة الكرد المقاتلين بعد ان رأى هذا الاندفاع نحو معركة لم تحصل اذ تبين من بعد ان المتقدمين نحو القرية لم يكونوا اعداء بل كانوا مجموعة من الحاصدين.
ويتحدث ويكرام عن اخلاقية القتال عند الشعب الكردي فهناك اتفاق بين المتحاربين الكرد وهو، لاي من الطرفين المتصارعين ان يأخذ ما يريد لكن ما يترك لا يدمر ولا يتعرض احد للنساء بسوء وعلى هذا المبدأ كانت الماشية سلباً قانونياً عادلاً وكذلك البسط وغيرها من اثاث المنزل، والاسلحة طبعاً لكن حرق البيوت والمزروعات.. وتخريب السواقي هي من المحرمات. ولقد لوحظ ان النسوة يبقين دون حراسة لان ما من احد سيعتدي عليهن (157).
لقد وصف الميجر سون الشعب الكردي بانه شعب صاحب عقيدة محاربة (181) وتعليقا” على وصف سون للشعب الكردي لابد من توضيح مسألة جد مهمة وهي ان الكرد لم يكونوا اصحاب عقيدة حربية لذات الحرب فهم ليسوا هواة حرب لكنهم يعيشون ومن امد بعيد جداً ظروفاً حتمت عليهم تبني عقيدة الحرب واعداد ابنائهم اعداداً قتالياً.. سواء بشكل مباشر ام غير مباشر عبر التاريخ، فلولا امتلاك الكردي لشخصية المقاتل المنتظر وعلى اهبة الاستعداد مدى الحياة لانتهى هذا الشعب منذ امد بعيد. ان الظروف الاقتصادية وطبيعة كردستان وثرواتها وموقعها الجغرافي جعلت من هذه البقعة مسرحاً لم تسدل عليه ستارة يوماً عبر التاريخ لمطامع قادمة من شرقه وغربه وشماله وجنوبه.

taakhi