الرئيسية » الملف الشهري » عبد الكريم قاسم والصعود الى أعماق التاريخ

عبد الكريم قاسم والصعود الى أعماق التاريخ

القادة العظماء يذكرون بالتـــــاريخ لانجــــــازاتهم العظيمة لأنهم اقتدوا بقــــــادة عظمـــــــاء قبلهم تعلمــــــوا منهم الـــــــــدروس. فعلينـــــــــــــا ان نتعلم من أولئك العظمـــــاء ليظهر عظمــــــاء آخريــــــــن يبنون العـــــراق من جديــد.
يولد الانسان وهو لا يملك سوى الصفات الوراثية من أبويه, وهذه الصفات قد تصقل وتتطور بالاتجاه السلبي أو الايجابي حسب تاثيرات البيئة والمجتمع الذي ينتمي اليه، وقد يصبح شخصا” مميزا” يشار اليه بالبنان تتداوله الالسن والخاطبات والكتابات وكل يراه من زاويته وعقليته وخلفيته ومدى تاثره به وبنسب متفاوته، وهذا يعتمد على افعال واعمال واقوال ذلك الانسان.
وهناك شخصيات عبر التاريخ لايختلف عليها أثنان سواءا” بالسلب او الايجاب أو يتناصفون أو تتفاوت النسب بينهم، و الامثلة كثيرة بدءا” من آدم(ع) مرورا”بالعصر الاسلامي بدءا” بالرسول الاعظم(ص) والخلفاء الراشدين والامويين والعباسيين وانتهاءا” بالعصر الحديث والذي يهمنا منه القادة الذين حكموا العراق في العهد الملكي امثال الملك فيصل وعبد الاله ونوري السعيد والعهد الجمهوري بدا” من عبد الكريم قاسم وانتهاء” بصدام حسين، وكل واحد منهم له صفاته واعماله التي تاثرة من حيث يعلمون او لا يعلمون بشخصيات قرؤها عبر التاريخ وتاثروا باعمالهم وصفاتهم ونهجوا نهجهم، وسيسجل التاريخ اعمالهم من خلال اراء الناس المنصفين او المنحازين انحيازا”مصلحيا”.
وانا هنا ساسجل للتاريخ(من خلال ما قراته وسمعته من الاعداء قبل المحبين) لرجل حكم العراق وسار بخطى من سبقوه بالصفات والاعمال، ليس كمقارنة او تشبيه وانما كمسيرة واقتداء وتطابق بالافكار والاعمال والاحداث التي مرت خلال فترة الحكم، ولن اقارن هذا الرجل مع من حكموا العراق قبله وبعده ومن كانوا قدوتهم الحقيقية في السلوك والتصرف لكي لا اثير حفيظة الاخرين اللذين اخذتهم العزة بالاثم وهم يعرفون الحقيقة, ويستطيع كل ذو بصيرة وعقل منفتح ومتحرك ان يدرك تماما “الصح من الخطأ ومن هم اللذين فازوا في الدنيا وفي الاخرة ومن هم الخاسرون وفق القراءة الصحيحة للاحداث التي مرت على ارض المسلمين وعلى ارض العراق والعراقيين بسبب الطيش والارتجالية والمصلحية وحب الذات في التصرفات والسلوكية وفي ادارة الدولة والحكم.
عبد الكريم قاسم انسان بسيط عراقي المنشأ والاصول والطباع ولد في أسرة فقيرة المادة غنية النفس كريمة عفيفة متماسكة متمسكة بالدين والشريعة والاخلاق الحميدة. امتهن التعليم ليساعد اهله ماديا “ويساعد مجتمعه تعليميا” وتربويا” بعد ان احس بظلم وجور وتخلف ابناء مجتمعه، وتوسعت مداركه ليحس بالظلم العام لكل ابناء العراق، فقرر امتهان العسكرية لعله يساهم في رفع جزء من الظلم ويساعد الفقراء قدر الامكان وارساء ثوابت الوطنية وهذا ما فعله حسب ما قاله الذين يعرفونه والمقربين منه حينذاك.
ولد الامام علي(ع) في اسرة موحدة مؤمنة كريمة عفيفة متماسكة متمسكة بالاعراف والقيم العربية وبالرحمة والمودة ، انجبت خير البشرية ونبي الرحمة محمد (ص) الذي تعلم منه الامام (ع) بعد مرافقته طيلة حياته، يحب الناس ويتساعد مع الفقراء والمحتاجين وساهم في نشر الرسالة السماوية لينقذ الناس من العبودية والتخلف والفقر، وكذلك ساهم في مساعدة الخلفاء الراشدين اللذين حكموا الدولة الاسلامية بعد الرسول (ص) في ارساء ثوابت الاسلام لخير البشرية.
بعد ان ايقن عبد الكريم قاسم ان الوضع لن يتحسن بل بدأ يزداد سوءا “فقرر ان يسعى مع الخيرين الوطنيين الى تغير قادة النظام واقامة نظام مبني على حب الوطن وتحسين الوضع لابنائه من خيراته وهكذا كان، وشائت الاقدار ان ينتخبوه رئيسا “للوزراء ليقود العراق في مرحلته الجديدة الذي هو لن يحتاجها الا لخدمة ابناء شعبه وخاصة الفقراء منهم فلو كان يحس بان هناك الافضل منه في تلك المرحلة لن يتوانى في التخلي عنها وهذا ما اثبتته المراحل اللاحقة.
بعد مقتل الخليفة الثالث على ايدي مجرمين وانتشار الفوضى انبرى لها الامام علي (ع) مع ثلة من اصحاب الرسول (ص) الاجلاء فما كان منهم الا ان بايعوه خليفة للمسلمين وهو الاحق بها لما يملكه من صفات انسانية واخلاقية تعلمها من مصاحبته للرسول(ص) والتي يعرفها الجميع الحاقد قبل المحب.
استمر حكم عبد الكريم قاسم ثلاث سنوات وبضعة اشهر, يد قاتل فيها الانتهازيون اللذين يريدون بيع العراق وخيراته بدون ثمن لمن لايستحقوا ذرة من تربه وخيراته لموقفهم السلبي من العراق وشعبه على مر الايام, ويد امتدت للبناء والاعمار واستغلال ثروات العراق لصالح العراق وشعبه ووحد العراقين من كل الطوئف والقوميات, واسس لقوانين ومشاريع عصرية تتلائم والتطور الحاصل في العالم في كل المجالات ولازالت آثارها موجودة, وشهد على ذلك الاعداء قبل الاصدقاء, واستمر حكم معاصريه عشرات السنين والجميع يعرفون ماذ تحقق خلال تلك السنين.
استمرت خلافة الامام علي(ع) اربعة سنوات ونيف بعد ان استلم الخلافة والدولة في فوضى عارمة كل يريد رادته الذاتية واللذين خرجوا على الاسلام فما كان منه الا ان يجاهد على ثلاث جبهات الاولى مقاتلة الخارجين عن الاسلام والذين ارادوا تهديم الاسلام والثانية لتثبيت اركان الاسلام التي اهتزت بسبب الفوضى وسوء ادارة حكم الدولة والثالثة للبناء ونصرة المظلومين والدعوة الى نشرالاسلام في ارجاء الارض,مما حدى باغلب قادة العصر الحديث السير على خطاه وخطى افكاره واعماله فكسبوا حب واحترام شعوبهم وشعوب العالم, واستمر حكم معاصريه لعشرات السنين والجميع يعرفون ماذا حل بشعوبهم وشعوب القادة اللذين أقتدوا بهم.
عفى عبد الكريم قاسم عن كل من أساء لوطنه وشعبه بل انه عفى عن من اراد قتله (عفى الله عما سلف) لعلهم يرجعون عن غيهم ويشاركون في بناء وطنهم, بماذا جازوه؟ انهم انقلبوا عليه وعلى الشعب وقتلوه وقتلوا الشعب لانه رفض ان يغدر بشعبه ويبيع وطنه ومبادئه المستمدة من مبادئ السلف الخيرالذين اقتدى بهم.
عندما استلم الامام علي (ع) الخلافة اراد ان يقارب الافكار ويوحد المسلمين وتسامح مع من اساء اليهم واليه لعلهم يرجعون عن غيهم ويشاركون في بناء دولة الاسلام وفق كتاب الله وسنة النبي محمد(ص) فبماذا قابلوه؟ انهم تآمروا عليه وقتلوه لانه رفض انحرافهم وغيهم لذلك سرقوا الدين وشوهوا صورته المشرقة والجميع يعرفون ما آلت اليه اوضاع المسلمين والاسلام بعد وفاته (ع) وماذا آلت اليه اوضاع الدول التي قادها اتباعهم بعد حين .
قتلوا الاشرار عبد الكريم قاسم في شهر رمضان وهو صائم وهم يعرفون ان هذا الشهر من الاشهر الحرام لايجوز فيه القتل والاقتتال.
دفع احفاد الشيطان ابن ملجم لقتل الامام (ع) في جامع المسلمين وفي شهر رمضان وهو عليه السلام صائم, فماذا تقولون يا اتباع ومقلدي قتلة الامام إن كنتم مسلمين؟
لم يستعن عبد الكريم قاسم بالاجانب لحمايته وحماية نظامه وضد ابناء جلدته قبل واثناء حكمه, بينما استعان اعداءه بالاجانب وليرسخوا اقدامهم في العراق وليصبحوا هم حكام العراق الفعلين.
طلب الامام علي(ع) من خصومه بعدم اشراك الاعاجم خصومة ابناء العمومة, وكنهم حرضوا المشركين والمرتدين والاعاجم عليه ليستغلوا الفرصة لزيادة الشقاق والهوة بينهما.
المتتبع والسامع والقارئ الجيد والنزيه لخطب عبد الكريم قاسم واحاديثه يجد الدفْ والحب والحنان والوطنية والصدق والاخلاص والوفاء والتضحية ونكران الذات فيها وكان يفعل ما يقول, وهي شهادات المنصفين بحقه.
لم يستطع من جهابذة اللغة والمنطق وعلماء العرب والمفكرين والمؤمنين والمخلصين للدين ان ينطقوا ويتحدثوا وفعلوا ماقالوه كما تحدث وكتب ونطق وفعل الامام(ع), وما نهج البلاغة وتطابق الاعمال التي قام بها مع تلك الاقوال والاحاديث الا دليلا “على ايمانه بالله وبرسوله واخلاصه ووفائه وتضحيته من اجل الاسلام والمسلمين وتوعيتهم وارشادهم الى الطريق الصحيح.
منع الانقلابيون واتباع طمع الحياة أي ذكر طيب لعبد الكريم قاسم بل عملوا على تسويد صورته وتاريخه الناصع البياض ونعته بصفات سيئة (هم يحملوها) ووجهوا اعلامهم الرخيص وابواقهم المأجورة بذلك ووصفوه بالدكتاتور وقاسم العراق؟
منع قاتلوا الامام علي(ع) من ذكره وذكر سيرته واعماله العظيمة في خدمة الاسلام والمسلمين بل وصل الامر الى ذمه من على المنابر لسنين طوال فبعد ان كان قسيم الجنة والنار نعتوه بـ (قاسم المسلمين).
دخل عبد الكريم قاسم قيادة الحكم وخرج منها كما دخل, لم تغريه مباهج الحياة والسلطة والجاه, لاقصور ولاسيارات فارهة ولا لحم غزال وموائد فاخرة ولافراش وفير ولا خدم وحشم ولا جواري ونساء ولاتبذير ومكارم عشوائية ولاتميز لافراد عائلته واقربائه ولا ولا……الخ, و(السفرطاس) الذي كانوا ينقلون به الاكل له وبدلته العسكرية وفراشه الذي ينام عليه والارث الذي تركه لاهله والذي اطلع عليه الجميع وعرفه الاعداء قبل الاصدقاء لخير دليل على ذلك.
(يادنيا غري غيري) هذا كلام الامام علي(ع) والحليم تكفيه الاشارة؟ فماذا نقول بعد ذلك عن مواصفاته وصفاته, والله لو الفنا مئات المجلدات عنه لما اوفيناه حقه في الزهد والنزاهة والعدل.
لعن الله في الدنيا قبل الاخرة من قتل عبد الكريم قاسم, وظهرت هذه اللعنة من خلال سوء اعمالهم وتصرفاتهم التي ادت الى تدميرالعراق واستنزاف خيراته بالقتل والاقتتال بين الجميع ومع الجميع حتى نبذهم الشعب وتمنوا زوالهم اليوم قبل الغد , والله جل جلاله يتكفل باعمالهم في الاخرة.
ماذا يقال عمن قتل ابن عم الرسول (ص) ورفيق دربه الامام علي(ع) لعنهم الله والتاريخ والاجيال ولم يستطيع احفادهم حجب الشمس بالغربال وحسابهم عند الله في الاخرة عسير.
ماذاحل بالعراق وشعبه بل وماذاحل بمن حكم بعد عبد الكريم قاسم؟ ظلم وفقر وتفرقة طائفية وقومية وتبذير الثروات على الحروب وعلى الملذات الشخصية وبناء المجد على حساب الانسان العراقي فتبرعوا بالعراق وشعبه لكل من صفق له وايده من خارج الحدود طمعا “وليس حبا” وتخلوا عن العراق وشعبه عند المحن بل وعمقوا جراحه التي سببها اولئك القادة في تصرفاتهم الرعناء وتخبطهم في ادارة شوؤن البلاد ليكشف الله زيف ادعائاتهم بالوطنية وحب الوطن وماتوا شر موتة.
ماذا حل بالاسلام والمسلمين في عهد من حكم بعد الامام (ع) بل وماذا حل بهم؟ هدموا أركان الاسلام واذاقوا المسلمين انواع الفقر والقتل وبنوا لانفسهم مجدا” مزيفا” لصفات ومواصفات لايملكونها!! وعاشوا بالفسق والكفر واضاعوا الدين والدنيا فأين هم من التاريخ الحقيقي وكيف انتهى بهم المطاف في الدنيا والله اعلم بحسابهم يوم القيامة.
هناك الكثير من الاعمال والافعال التي قام بها عبد الكريم قاسم لكني ساكتفي بهذا القدر لان الحقائق كلها ظهرت عندما انقشعت الغيمة السوداء عن سماء العراق وبدأ الناس يظهرون ما بدواخلهم من حب وتقدير حقيقي لهذا الرجل الوطني الشهم, ولم تستطع كل الدعايات والتقولات ان تصمد امام الحقيقة الناصعة.
المناقب والمآثر التي اتصف بها الامام علي(ع) كثيرة جدا “لايمكن تعدادها هنا, وكن وبالرغم من ذم الاشرار والمفسدين على مر السنين والاجيال الامام علي(ع) ظهرت الحقيقة عندما زالت الغمة عن هذه الامة ولم تصمد امام الحق والعدالة وبدأ اسم الامام وافعاله واعماله ينطق بها الاعداء قبل الاتباع.
وأخيرا “لم تكن هذه الصفات هي للمقارنة بين عبد الكريم قاسم والامام علي(ع) حاشى لله وهيهات ولكننا كمسلمين نتمنى السير خلف خطى الامام واتباعه, وخاصة من يتولى امرنا وقيادتنا, ونرى من صفات عبد الكريم قاسم انه سار على خطى أمير المؤمنين علي(ع) وسيرته ونهجه.
رحمك الله يا أبو (دعير) هكذا كانوا يدلعونك حبا “بك واسكنك فسيح جناته والهم اهلك ومحبيك الصبر والسلوان ورضى الله عنك في الدنيا والاخرة لما قدمته من عمل الخير والشرف والنزاهة والايثار واقتدائك بمن هو الاجدر بالاقتداء ابا الحسنين علي(ع) المقتدي بالرسول الكريم والعظيم محمد(ص). وطلب الرحمة والرضوان والمغفرة لكل الطيبين الشرفاء النزيهين والمخلصين واللذين يحبون شعوبهم وتحبهم شعوبهم, ولا اعتقد ان تجاز الرحمة والغفران لمن اساؤا لشعوبهم وللمنافقين والانتهازيين ومناعوا الماعون وسارقي قوت الشعب والجالسون على التل والمخرجين من الجحور.
Zaman.Saheb@mod.iraqiaf.org
البرلمان العراقي الاصدار رقم 325