الرئيسية » مقالات » قحطان العطار العندليب المهاجر

قحطان العطار العندليب المهاجر

الشعوب الحية والمتحضرة تخلد ابطالها وتقيم لهم الاحتفالات وتخصص اياما في كل عام للاحتفاء بهم وبأنجازاتهم التي قدموها لاوطانهم , وتسمي الشوارع والساحات بأسمائهم كي يخلدوا في ذاكرة الاجيال المتعاقبة , ولكن للاسف الحال لا ينطبق على العراق , اذ ان هناك العشرات من المفكرين والادباء والشعراء والفنانين الذين رفدوا الساحة العراقية بأنجازات خالدة واضافوا الى التراث العراقي العظيم اضافات جديرة بأن يقف الانسان امامها منحنيا تبجيلا وتقديرا, ومنهم من مات ومنهم من ينتظر دون ان تقوم الدولة بواجبها تجاههم , فهناك الكثير من هؤلاء ماتوا وخرجوا من هذه الدنيا كما يموت غيرهم دون ضجيج , ومنهم من لم يكن يملك حتى ثمن الكفن …هل هكذا نريد ان نبني العراق الجديد ؟؟..
من الفنانين الذين سجلوا اسمائهم بأحرف من النور في تاريخ الفن العراقي فنان جميل المحيا صاحب صوت ملائكي قلما يجود الزمان بمثله ولد في قضاء علي الغربي في العمارة وسكن بغداد غنى للحب وللوطن وللغربة كما لم يغن غيره , واصبح مدرسة بذاته يتعلم منه الآخرون , انه عندليب العراق وامير غنائها قحطان العطار هذا الفتى الذي لا يملك الانسان امام تاريخه الفني الا أن يقف احتراما وتقديرا , استطاع خلال سنوات معدودة ومن خلال بضع اغنيات ان يسجل اسمه بأحرف من النور في سجل الخالدين فمن منا لا يتمايل طربا مع اغنية ( يكَولون غني بفرح ) ومن منا لا تنهمر دموعه امام اغنية ( يمه يا يمة ) ومن منا لا تحرقه لهيب الشوق لحبيبته وهويسمع ( انت انت .. عيونك الحلوة كتابي ) ومن منا لا يتذكر العراق والحنين الى ارضه عندما يسمع ( كل سنة وانت طيب يا وطني الحبيب ) او اغنية ( يا ضوه ولاياتنا ) بالاضافة الى العشرات من المواويل والابوذيات التي ستبقى خالدة خلود دجلة والفرات , ولا زالت اغانيه تحتل مكانة متميزة ويستمع اليها غالبية الشباب في العراق على الرغم من مرور اكثر من ثلاثة عقود من الزمن على هجرته الاضطرارية وابتعاده عن الساحة الفنية …

قحطان العطار تمرد على الاوضاع المأساوية التي كان يعيشها المواطن العراقي بعد سطو عصابة البعث على مقاليد الحكم في العراق وابى العندليب ان يغرد في اجواء يمتهن فيها كرامة الانسان ويحتقر فيها الفنان ويتحول الى سلعة تباع وتشترى .
لذا استغل اول فرصة سنحت له ليترك مرتع الصبا وحبه الكبير العراق ومهاجرا الى الولايات المتحدة الامريكية وعاش الم الغربة وعذابات السنين والحرمان وهو الفنان الذي كان بمقدوره ان يعيش عيشة الملوك لو رضي بالذل والهوان ولكن ليس قحطان الذي يفعل ذلك انه ابن العراق البار الذي يأبى الضيم , واجبرته الظروف ان يعود الى العراق في بداية الثمانينات ليجد نفسه في اجواء تعيسة اصبح الفنان فيها العوبة بيد السلطة الحاكمة تستغله ابشع استغلال لتحقيق مآرب وطموحات رئيس اصيب بداء العظمة اراد ان يختصر العراق العظيم بتاريخه وشعبه في شخصه المريض , فتحول الفنانون الى ابواق تصيح بعبادة القائد الضرورة , واجبروه ان يغني للقائد في قادسيته المشؤومة كما يغني الآخرون فغنى ولكنه غناء يجعل من يسمعه يشعر كم هو مجبر هذا الشاب على هكذا لون من الغناء , وسرعان ما شد الرحال ثانية ليهرب من هذا الجحيم ولكن غربته هذه المرة طالت واخذت معها اجمل ايام العمر قضاها لاجئا فارا بجلده من محرقة القائد الضرورة , وعاش ضنك العيش والم الحرمان وهو الذي كان بمقدوره ان يلمس الثريا ان خنع وقبل بالذل لكنه قحطان الذي كله شموخ وبطولة ابى الا ان يكون مثلا وقدوة يحتذي به السائرون على دروب العنفوان ….
غنى قحطان للوطن فأبكانا وغنى للحبيبة فجعلنا نحب الحب وغنى للام فأحرق قلوبنا وظل يغني ويردد محبوه وعشاقه في العراق سرا وهمسا اصداء اغنياته خوفا من سيف الجلاد ومرت السنوات واعتكف قحطان في صومعته , واعتزل الغناء او بالأحرى ابى ان يغني ووطنه جريح ومسلوب الارادة ومضى قطار عمره واخذت الغربة منه مأخذا عظيما فرضي ان يعيش في الظل بينما غيره من انصاف الموهوبين يعتلون قمة الفن العراقي ويجنون الملايين نتيجة تجارتهم بآلام الشعب العراقي بينما قحطان يعيش على كد يده وعرق جبينه .
وبعد التاسع من نيسان الاغر يوم سقط الطاغية غير مأسوفا عليه الا من بعض من تسموا زورا بفنانين ومطربين , وهرب من كان يغني للقائد الضرورة ويمجد به , و ابى بعضهم ان يعترف بسقوطه وانضموا الى جوقه الداعمين للمقاومة الغير الشريفة وتاجروا كعادتهم بمعانات هذا الشعب المسكين , و كنا نحن الملايين من عشاق العندليب العراقي المهاجر نمني النفس بأن نرى محبوبنا الغالي عائدا الى حضن الوطن تستقبله قلوبنا قبل احضاننا بالورود واكاليل الغار على هامته العراقية التي قاومت الخضوع والذل , ولكن ابت الايام الا ان تحرمنا منه وابى قحطان الا ان ينزوي في تغريبته التي اخذتنا معه …
اين انت يا قحطان ؟ عد الى محبيك وعشاقك عد الى احضان الوطن , عد الى احضان دجلة والفرات , عد وسترى عشاقك حولك يحموك بأرواحهم , عد وغني لنا :

ها جينا يا وطننا عذبنا الحنين …. ملعون ابو الغربة وملعونة السنين…

عد الى العراق الذي عشقته وتغربت من اجله .. العراق بحاجة اليك والى المخلصين والشرفاء من الفنانين من امثالك اكثر من اي وقت مضى ..
عد الينا وغني للحب وللتسامح و للأمل في بناء غد مشرق لهذا الشعب الأبي ….

اين الحكومة العراقية ؟ لماذا لا تهتم بهذا المناضل الفنان ؟…
اين فخامة رئيس الجمهورية الذي يقدر الفن والفنانين .. ان قحطان العطار لا يقل ابداعا عن ادونيس الذي احتفيت به وهو موقف لا شك نبيل وكريم منك تجاه الفن واهله ؟…
اين رئاسة الوزراء ؟؟ وقبل كل هؤلاء اين الاعلام العراقي ليعطي هذا الفنان ما يستحقه وان يعيد له اعتباره ؟ ….. اين القنوات الفضائية العراقية التي صدعت رؤوسنا بالاغاني الهابطة لمجموعة من مرتزقة القائد الضرورة ؟؟ …

هذه دعوة من عاشق لفن هذا العراقي الاصيل الى كل من يهمه امر الفن في العراق لتنظيم حملة للمطالبة بتكريم الفنان قحطان العطار وتسليط الضوء على تراثه الزاخر بالابداع فهل من مجيب؟؟؟….