الرئيسية » مقالات » نصفُ الفضة وأحَدَ عشرَ رقماً..!

نصفُ الفضة وأحَدَ عشرَ رقماً..!

نظرتُ باتجاه الجنوب الشرقي..

إبرة البوصلة تشير إلى الوطن..



لأني أخاف عليها، لا أتصل بها..

رقم تليفونها يرافقني، يصرخ بي، أحياناً يهزّئني..

أحياناً تخرج أعداده ملوّحةً، مؤنّبةً..

تعريني.. تلسعني..

يبدأ وينتهي بنفس العدد.. رقمٌ كبيرٌ..

رقم تليفونها يحتضن الوطن.. يشير للسجن..

في كل أسبوع أكتب الأعداد.. أنتظر الجواب..

لا صوت جرس، لا صوت “نعم”، لم تقل أهلاً..

كتبتُ الرقم.. فقط كبسة زرٍ صغير..

زرٌ صغيرٌ.. لمسةٌ صغيرة.. تفصلها عني..

صوت رقيقٌ، وكلمة أهلاً، تفصلني عنها..

الأعداد الأحد عشر تقف مطأطئة الرأس خلف بعضها..

…………

نصفٌ من الفضة وأحد عشر..

هذا ما أملكه.. هذه ثروتي..

هذا وطني الذي أحمل في المهجر..

أعدّها، في كل أسبوعٍ أحصيها..

وأعود من جديد، أنقلها من جيبي اليمين إلى الشمال..

أعدادٌ ونصف فضية.. تعويذةٌ وطقوسٌ.. تحملني معها..

عندما أتكلم بالسياسة، تصفعني.. تعنفني.. وتشمت بي..

نصف فضية ورقمٌ، كل ما بقي من الوطن..

أبحث عن النصف الآخر للفضة منذ سبعٍ وسبعة..

بحثت في دفاتر تليفونات المدن الباردة عن رقمٍ مشابه..

رقمٌ يبدأ وينتهي بعددٍ كبير، ومعه نصف فضية.. ما وجدته..

الأرقام التي عرفتها، لم أحفظ ولا واحد منها..

الأرقام التي درستها، لا تبدأ بالعدد الأكبر..

الفضة التي لامستها هنا، كانت باردة..

الأرقام التي قرأتها هنا، كانت خشنة.. متقلبة وشاردة..

أحمل ثروتي هذه وأخاف عليها..

حملت قبلها رسائل ومسودات عليها ختم البريد..

رسائل فيها عبيق زهور بيتها.. فيها رائحة التلوين..

رسائل تكتب آخر سفرٍ للتكوين..

رسائل لم ترسل.. حملتها في حقيبتي للعمل..

فقدتها في غفلة من الزمن..

بعدها توّقف الزمن..

صرت مشرداً.. أبحث عنها في كل الساحات..

فتشت آلاف الحقائب في المترو.. في الشوارع..

في محطات القطارات.. في صالات المطارات..

في كل مراكز البريد سألت عن رسائلي..

لم يفهموني، لم يهتموا لشكواي.. وبالصلاة نصحوني..

آمنت لأول مرة.. صليت لأول مرة..ابتهلت لأول مرة..

من أجل الرسائل التي تحتضن لغتي..

شيء واحد بقي لي، أحد عشر كوكباً ونصف فضة..

فوق جهاز الكومبيوتر لوحة كبيرة فيها أعدادٌ لرقمٍ كبير..

بريدي الإلكتروني يحمل الأحد عشر..

في مكتب العمل.. على لافتات الأول من أيار..

أرقام سيارات الإسعاف تقتسم الأحد عشر..

السنة صارت عندي فضية.. السنة عندي أحد عشر شهراً..

سرقوا الرسائل ويزوّرون الفضة..

صنعتُ من نصف الفضة بوصلة، ووضعتُ أعدادي أمامها..

بدون صلاة.. تحركتْ نحو الجنوب الشرقيّ.. نحو الوطن..

باتجاه النصف الثاني للفضة والأعداد والرسائل المتبقية..

وضاعت الأعداد بين مراكز الأمن وأختام البريد..



10 / 5 / 2009. .