الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل -22

حرب وسجن ورحيل -22

كان الشغل الشاغل والقاسم المشترك الذي يجمع السجناء هي أمور ثلاثة الأمر الأول أن يعرف كل سجين نهاية قضيته وكان البعض منهم قد وكل محاميا يتابع قضيته أما أنا فكنت محجوزا لايحق لي توكيل محام وقضية حجزي في عالم المجهول والأمرالثاني هو مجيئ ( شحاته ) الطباخ المصري الذي يوزع الطعام عليهم ثلاث مرات في اليوم وكان الطعام من الدرجة الثالثة في رداءته وكانت الأحتجاجات التي غالبا مايطلقها بعض السجناء تذهب مع أدراج الرياح والأمر الثالث هو بقاء أبصارهم شاخصة نحو الباب بانتظار ضيف جديد يدفعه المفوض (صلال ) وحالما يدخل السجين وقبل أن يلتقط أنفاسه تنهال عليه الأسئلة من كل الأفواه عن سبب سجنه ولم يهدأ لهم بال ألا أذا عرفوا قضيته بعد أن يحلفوه ب (العباس ) على أن يقول الحقيقه . وغالبا ماكانت تحدث بينهم بعض المشاجرات حول المكان وتنتهي بسلام . كانت المواجهة تتم بين السجناء وذويهم يوم الأثنين من كل أسبوع حيث يجلب الأهل لهم بعض الطعام والملابس وغيرها تحت التفتيش الصارم خوفا من أدخال آلة جارحة أو ماشابه ذلك وكان رئيس العرفاء (مطشر) يصادر كل حاجة تقع تحت نظره بحجة أنها ممنوعه وكنت أملك راديو صغير ترانسستر أخفيه تحت رأسي وهي الحاجة الوحيدة التي حاولت أن أخفيها عن أنظاره وعن أنظار الآخرين من أول يوم دخلت فيه السجن لأنني كنت مولعا بسماع أخبار الحرب وما يجري فيها من أهوال وكنت أضع السماعة في أذني أثناء الليل لأسمع أخبار الحرب التي كانت على أشدها .
لقد آليت على نفسي أن أوطد العلاقة بيني وبين السجناء الثابتين في السجن فكسبت ود الكثيرين منهم وقد أكتشفت بعض رغباتهم ومنها ميلهم لسماع القصص والأمثال العراقيه وقد بدأت أسرد لهم قصصا من ألف ليله وليله وعن كليلة ودمنه وعن جحا العربي وعن قصص الحيوان في الأدب العربي القديم وعن رواية النخلة والجيران للروائي الراحل غائب طعمه فرمان وعن قصة (الحاج أحمد أغا ) و( جفيان شر مله عليوي ) وعن (أبي زيد الهلالي) وعن قصة (صديقه الملايه) مع (صبري أفندي) صندوق أمين البصره وغيرها من القصص التي كنت قد اطلعت عليها وكنت أسردها لهم بلغة حكواتية مبسطة تتناسب وقدراتهم الأستيعابية حيث كان معظمهم من الأميين وقد شغفوا بها وطالبوني بالمزيد وعندما كانوا يشعرون بأني منزعج أو مطرق برأسي يتوددون ألي لأتحدث لهم قليلا عن أحدى القصص التراثيه لكي ينسوا همومهم وما هم فيه وأنا معهم هكذا كانوا يقولون وكنت ألبي طلبهم في أكثر الأحيان وقد توطدت العلاقة بيني وبينهم بشكل كبير من خلال هذه الحاله .
دخل علينا أحد السجناء يوما وكان عمره يقارب الستين عاما ويضع نظارات سميكة على عينيه وعرفنا فيما بعد أنه مصاب بضغط الدم والسكري وبعد يومين من توقيفه باشر بسرد قصته تحت الألحاح الشديد من السجناء .
تحدث ( أبو عمر ) وهذا كان لقبه قائلا:
أنني من سكنة بغداد الأصليين وأملك محلا لخياطة ( التراكات) في شارع الرشيد يشتغل فيه عشرة عمال مصريين وأسكن محلة (العطيفيه ) ولدي جار توفيت زوجته وأنجبت له ولدا متخلفا عقليا بلغ سن المراهقه والأب موظف في أحدى الدوائر الحكومية في بغداد وقد أوصى جميع الجيران لمراقبة الولد المسكين الذي لاتبدر منه أية بادرة عدوانية سوى الجلوس عند عتبة الدار وانتظار أبيه ريثما يعود من الدائره فيدخل معه داخل الدار وهذه هي عادته كل يوم وبينما كان الصبي جالسا في أحد الأيام عند عتبة داره حضرت سياره لاندكروز ووقفت أمامه ونزل منها عدة أشخاص بالزي العسكري ومسكوا الصبي وحاولوا أن يحشروه في السياره وبدأ الصبي بالصراخ فخرجت من داري لأستطلع الحقيقه فشاهدت الصبي وهو يصرخ فقلت للأشخاص الممسكين به : أن هذا الصبي متخلف عقليا وهو في الخامسة عشرة من العمر و لايصلح للجيش الشعبي وسيكون عالة عليكم أرجوكم أتركوه في سبيل الله وستحصلون على الثواب . فما كان من أحدهم ألا أن بادرني بالقول (أنت منو وليش تحشر نفسك بأمور ماتعنيك ؟) فقلت له (ياأخي أحنه عراقيين والغيره تعيش ويانه للموت هذا طفل مسكين وأبوه موصينه بيه متكلي وين ماخذيه ؟) فتلقيت ردا أقسى من الأول حيث أجابني أحدهم 🙁 أنته شسمك ؟) فأعطيته أسمي وأخرج دفترا وكتب أسمي وعنواني وانطلقت السيارة بالصبي وهو يتوسل ألي ويذرف الدموع كي أخلصه ولكن دون جدوى . رجع والد الصبي من الدائرة وتم أخباره بالقضيه فأخذ يبحث عن ابنه في معسكرات الجيش الشعبي وهو في حالة يرثى لها وبعد بحث طويل علم أنه مسجون في أحدى الغرف الخاصة بقيادة الجيش الشعبي في معسكر النهروان ينتظر أحالته ألى مستشفى الرشيد العسكري لبيان صلاحيته أو عدم صلاحيته لحمل السلاح في الجيش الشعبي !!! وبعد مرور أسبوع على القضيه حضرت سياره فيها دوريه وانتزعتني من بيتي بحجة أني مطلوب للتحقيق ولم أستطع حتى لبس ملابس تليق بي ونقلت ألى سجن في منطقة( العكيليه ) دون أعطائي أي دليل مقنع على ماحدث لي وسط قلق عائلتي وذهولها التام .
بقيت في ذلك السجن المزدحم لمدة أسبوع كامل وأنا أعاني من اشتداد الضغط والسكري وبقيت الأدوية في بيتي ولم يستطع أحد أبنائي من جلبها ألي لعدم معرفتهم بمكان وجودي ز وبعد مرور ذلك الأسبوع وكأنه دهر كامل أستدعيت من قبل مدير السجن وقال لي أن جماعة من وزارة الداخلية يودون مقابلتك ونقلت ألى غرفة في السجن فوجدت ثلاثة أشخاص فسلمت عليهم وطالبوني بالجلوس . فبادرني أحدهم بالقول : هل تعرف سبب توقيفك ؟ فأجبتهم كلا . فذكرني بحادثة الصبي بالتفصيل وقال لي أنت تفوهت بكلام سيئ على الحزب والثوره والقياده وبناء على هذا الأمر فقد صدر بحقك حجز من وزير الداخليه لمدة ستة أشهر في سجن التسفيرات في الكوت . وعندما حاولت الدفاع عن نفسي وقلت له أنني لم أتفوه بحرف عن الحزب والثورة والقيادة ولا يوجد دليل واحد على ذلك . أجابني الدلائل مؤكده ولا داعي للأنكار لأنك ستعرض نفسك لأمور لاتحمد عقباها !!! وأذا كنت راغبا في التخلص من المشكلة وعواقبها فعليك دفع نصف مليون دينار ونحن مخولون من وزارة الداخليه وأذا دفعت المبلغ فسيتم أطلاق سراحك فورا !!! فقلت لهم وهل هذا القرار صادر من وزير الداخليه ؟ أجاب أنه من وزارة الداخلية وكفى وهذا هو الأمر بيدنا فهل قبلت أم رفضت ؟ فقلت لهم أن المبلغ ثقيل علي ولم أستطع غير توفير ربع المبلغ فرفضوا ولم أجد نفسي ألا هنا بينكم وأرجوكم أن تبقوا الموضوع طي الكتمان ياجماعة الخير يرحم أمواتكم حتى لايحدث لي مكروه . ترى كم حالة مثل حالة أبي عمر كانت تمر دون أن يدري بها أحد على مستوى العراق برمته في تلك الظروف المأساوية ؟حروب ودمار وهلاك وابتزاز وسرقة الأموال من أبناء الشعب المسكين بطرق كيدية شيطانية ماأنزل الله بها من سلطان . هكذا كانت تدار دولة البعث التي كانت أشبه بدولة المافيات والعصابات وكل الرؤوس الكبيرة فيها لصوص ومجرمون ومرتشون ولكن التعتيم كان شديدا في الداخل والخارج على ذلك النظام الطاغوتي الفاسد من قمة رأسه ألى أخمص قدميه ففي الداخل لاتوجد غير صحيفة الثوره التي كانت مقالات كتابها تسبح بحمد القائد الضروره فقط وتنشر عشر صور ملونة له في كل عدد وهكذا كانت صحيفة الجمهورية وبابل والقادسية تسير على نفس خطى قدوتها صحيفة الثوره . أما في الخارج فكان كل شيئ يجير لتلك المافيا الأرهابية بالمال وكانت مئات الصحف في الوطن العربي تخفي سوءات ذلك النظام البعثي الفاشي وتعتبره نظاما عروبيا قوميا يدافع عن الأمة العربية وقيمها وأصالتها !!!.
وفي سجن الكوت بدأ فصل جديد من معاناة (أبي عمر ) المسكين حيث اقتنصه جواد الحركاني مدير السجن بعد فتره بعد أن عرف أن (ضلعه سمين ) نوعا ما فاستدعاه ألى غرفته وقال له ( أنني قررت أن أخفف عنك ماتعانيه داخل السجن وستخرج يوميا عدة ساعات كمشرف على العمال السجناء حتى تريح رجليك من شدة الأزدحام وتتنفس هواء نقيا ) فقبل أبو عمر متوهماأنه فعل ذلك لدواع أنسانية بعد أن عرف أنه مريض وبعد يومين طلب منه أن يخبر عائلته التي عرفت مكانه وبدأت تزوره كل أسبوع أن تجلب معها( تلفزيون ملون ) يضعه في مكتبه الذي يفتقر لتلفزيون فرضخ أبو عمر للطلب وأحضرت العائلة التلفزيون وفي الأسبوع الثاني طلب منه شيئا آخر فأحضرته العائلة وتوالت الطلبات وهكذا في كل أسبوع كان جواد الحركاني يطلب حاجة بعظمة لسانه وبكل وقاحة من أبي عمر ألى أن وصل التذمر بأبي عمر وعائلته حدا كبيرا فرفض أن يجلب له أية حاجه قائلا لآاتمكن بعد الآن أن أشتري لك أية حاجه لأن عملي توقف والعمال يطالبونني بمبالغ كبيره وقد تراكمت علي الديون وأنا هنا في السجن . فما كان من جواد الحركاني غير أرجاعه ألى السجن ولم يسمح له بالخروج أبدا بعد هذا الكلام وهذا مانقله لي أبو عمر حرفيا بعدما توطدت بيننا صداقه كسجينين بريئين .
ومرت الأيام ثقيله كئيبة والسلوة الوحيدة هي مرح السيد العاشق وغيره وما كنت أتحدث به من قصص لهم وهم يترحمون على أمواتي ويقولون لي ( والله أنته ألله جابك ألنه رحمه الله يخليك ظل ويانه للنهايه ) فأجابهم أبو عمر قائلا ( خلف الله عليكم تريدون اتخلون الرجال سجين دائم حتى تسمعون قصص ؟) وهنا ضحك البعض وضحكت معهم رغم عمق المأساة وعفونة المكان وظروف القهر .