الرئيسية » مقالات » بريمر لـ «الشرق الأوسط»: لم نستعمل تعبير حل الجيش العراقي.. وهو خطأ

بريمر لـ «الشرق الأوسط»: لم نستعمل تعبير حل الجيش العراقي.. وهو خطأ

منذ فترة وأنا أسعى لإجراء حوار مع بول بريمر الحاكم المدني للعراق في الفترة التي تلت الغزو الأميركي وسقوط نظام صدام حسين. لم أترك بابا إلا طرقته. وفي كل مرة يتعذر الوصول إليه، كما أن بعض المقربين منه يعتقدون أنه قال كل شيء في الكتاب الذي أصدره في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2006، وكان بعنوان «سنة في العراق: النضال من أجل بناء أمل في المستقبل» لذلك يستبعدون أن يتحدث. شاءت الصدفة أن ألتقي بريمر في مناسبة للاحتفاء بإطلاق مؤسسة باسم أحد أعضاء الكونغرس الراحلين في مباني الكونغرس، اقترح أحد الذين يعرفونه عن كثب أن يقدمني له، وبالفعل صافحت الرجل وقدمت له نفسي، وطرقت معه الموضوع مباشرة، قلت له «السيد السفير، وهو اللقب الذي يحمله الآن باعتباره سفيرا سابقا، أنت تحدثت للأميركيين في كتابك وفي عدة مناسبات أخرى، ألا تعتقد أنه آن الأوان لتتحدث إلى العرب؟» كان ودودا، لكنه كاد أن يوصد الباب قائلا: «حول ماذا تريد أن تسألني؟» قلت «عن أيامك في بغداد؟»، رد قائلا «لكن بشرط أن لا تسألني عن الشخصيات السياسة العراقية؟» وعدته أن ألتزم بالشرط. واتفقنا أن أرسل رسالة بالبريد الإلكتروني إلى مساعدةٍ له. أرسلت الرسالة، وجاء الجواب إيجابيا. وقالت المساعدة سيكون الموعد خلال أسبوع. وفي مطلع ذلك الأسبوع، أرسلت المساعدة رسالة تقول إن السفير بريمر ليس له مكتب يمكن أن تجري معه هذا الحوار. الواقع أنني اندهشت. كيف يكون بول بريمر الذي شغل دنيا المنطقة وملأ وسائل إعلامها، ليس له الآن مكتب يمكن أن يستقبل فيه صحافيا. ثم أرسلت المساعدة رسالة أخرى، تقول فيها إن بول بريمر يرغب في أن يكون الحوار عبر الهاتف. قلت لها إن الحوار على الهاتف ليس خيارا مفضلا، يمكن الحصول على تصريح على الهاتف، لكن الحوار مسألة مختلفة.
ورحت ألح على المساعدة، وفي كل مرة أشرح سلبيات حوار الهاتف. وكان أن استبعدت فكرة حوار الهاتف وطلبت أن أقترح مكانا، وقلت ليكن «نادي الصحافة الوطني». وافقت. ثم عادت لتسأل في أية قاعة، قلت سأستقبل الرجل في المدخل ونصعد معاً إلى النادي (في الطابق 13 من البناية).
كان الموعد في الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر، وجاء بول بريمر متأخرا خمس دقائق، واعتذر بشدة عن التأخير. رجل بشوش لكن فيه الكثير من كياسة الدبلوماسيين. كان يرتدي بذلة سوداء وقميصا مخططا وربطة عنق خضراء ومنديلا أبيض في سترة البذلة، وكان العلم الأميركي في عروة البذلة، أنيقا. ويحمل شنطة جلدية. يمشي على مهل. من خلال إجاباته دافع عن جميع مواقفه، لكن ليس بغطرسة أو شراسة. لم يسع لإثبات صواب رأيه أو تسفيه آراء الآخرين. دافع عن حل الجيش العراقي بقوة، وأقر بخطأ تطبيق قرار اجتثاث البعث. لم يذكر اسم أي سياسي عراقي باستثناء مرتين، عندما تحدث عن الاغتيالات. لاحظت أنه لا يبحث عن معنى أحداث جسام عاصرها في العراق، بل يعطيها المعنى الذي يريد. عندما يعجبه السؤال كانت تقدح عيناه. عيناه صغيرتان تتألقان حزما. صوته خفيض من دون أية بحة. يبتسم بعض الأحيان، المرة الوحيدة التي ضحك فيها عندما سألته إذا كان صافح صدام حسين. يبدو في إجاباته رجلا مرتاحا مع نفسه.
كان حدد لي نصف ساعة، لكنني تجاهلت ذلك، ولم ينظر أبدا إلى ساعته. عندما انتهى الحوار، كان ارتشف نصف فنجان القهوة «اكسبريسو» التي طلبها. سألني عن عملي في واشنطن، وعندما قلت له إنني أستعد للانتقال إلى الرباط، قال إنه زارها مرتين عندما كان يعمل مديرا تنفيذيا لشركة يرأس مجلس إدارتها هنري كيسنغر (وزير الخارجية الأميركي الأسبق) وكال الكثير من المدح للعاصمة المغربية، وعندما ودعته قرب مدخل البناية قال «أتمنى لك التوفيق في الرباط» وزاد «ربما أذهب إلى هناك سائحا». في ما يلي الحوار مع بول بريمر.

* نسمع الآن عدة قصص حول حل الجيش العراقي، بعض الناس يقولون إنه لم يكن قرارك. بعضهم يقولون إنه كان قرار وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، هل ما زلت متمسكا بروايتك التي رويتها في الكتاب أم أن هناك شيئا يمكن أن تقوله حول هذا الموضوع؟

ـ إليك هذه الحقائق، بعد تحرير بغداد في 9 أبريل 2003 تفكك الجيش العراقي. قائد القوات الأميركية قال في 17 أبريل من تلك السنة لم تكن هناك ولو وحدة عراقية واحدة قائمة، ومعظم الجنود والضباط عادوا إلى منازلهم. أغلب الجنود كانوا من الشيعة والضباط من السنة. السؤال الذي واجهنا ليس حل الجيش والكلمة الصحيحة ليس «حل الجيش العراقي» بل «إعادة استدعاء» الجيش العراقي. نحن لم نستعمل هذا التعبير (حل الجيش) وهو خطأ. كما كتبت في كتابي، كانت المشكلة تكمن في حجم الجيش العراقي ومدى إمكانية عودة الجميع إلى جيش كان نظامه قاس جدا. كان الجيش العراقي يضم حوالي 12 ألف جنرال في حين أن الجيش الأميركي فيه 307 جنرالات فقط، لذلك كان أمرا صعبا استدعاء هذا الجيش للخدمة. والصعوبة الأخرى أنه لم تكن توجد ثكنات عسكرية، حيث تم تدمير معظم هذه الثكنات، والقرار تمت مناقشته بعمق في البنتاغون، ولم يطرح أي اعتراض واحد على القرار.

* لم يعترض أي أحد؟
ـ لم يعترض أحد

* هل بحث قرار حل الجيش العراقي في البنتاغون أم في البيت الأبيض؟
ـ القناة التي كنت أقدم إليها تقاريري في واشنطن هي البنتاغون، عبر وزير الدفاع (دونالد رامسفيلد). كما أن تقارير القادة العسكريين في العراق، كانت ترسل إلى البنتاغون. البنتاغون كان هو المسؤول عن تنسيق التعاون بين إدارات الحكومة الأميركية في واشنطن. ورامسفيلد وافق على القرار ونقل حيثياته إلى البيت الأبيض عبر مستشار الأمن القومي، قبل المصادقة عليه ولم يكن هناك اعتراض.

* حتى في البيت الأبيض لم يكن هناك اعتراض؟
ـ ولو اعتراض واحد. أنا شخصيا أقف حتى الآن مع ذلك القرار وما زلت أعتقد أنه كان قرارا صائبا.
* حتى الآن تقف مع ذلك القرار؟
ـ بالتأكيد ، لكن يبدو أن البنتاغون لم يقدم إيضاحات كافية إلى وزارة الخارجية أو مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، أو وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) وأعتقد أن ذلك كان خطأ. إنني أقف مع القرار، وأوصيت به عندما عرضت الأمر على مجلس الأمن القومي ووافق عليه الرئيس (جورج بوش).

* لكن لماذا يقول كثيرون اليوم، حتى بعض الأميركيين، إنه كان قرارا خاطئا؟
ـ لا أجد أي سبب للقول بأنه كان قرارا خاطئا، بل هو قرار صحيح والناس الذين يعتقدون أنه قرار خطأ عليهم واجب أن يبينوا لماذا كان قرارا خاطئا. هم يقولون ذلك وأنا لن أتجادل معهم.

* بعض الناس يقولون إنه كان من الأفضل تطهير الجيش القديم وبناء جيش جديد اعتمادا على الجيش القديم بدلا من تصفيته لأنه لم يكن كل الضباط موالين لصدام حسين؟
ـ ما قمنا به هو عمليا هو بناء جيش جديد، وقلنا إن أي شخص من الجيش القديم يريد أن يتطوع في الجيش الجديد يمكنه ذلك.

* لكن كثيرين تقدموا للانضمام إلى الجيش الجديد، رفضت طلباتهم؟
ـ مهلا، قلت أي شخص كان يريد أن ينضم للجيش الجديد، يمكنه ذلك. قلنا إنه بالنسبة للضباط من رتبة عقيد وما دون هذه الرتبة يمكنهم الانضمام للجيش الجديد. وقلنا إننا سنعوض الضباط الذين لن يلتحقوا بالجيش الجديد. وفي الوقت الذي تركت فيه العراق كان حوالي 80 في المائة من الجنود في الجيش الجديد من الجيش القديم، ومائة في المائة من الضباط كانوا من الجيش القديم. وجميع الضباط الذين لم يقبلوا في الجيش الجديد نظرا لصغر حجمهم تلقوا تعويضات. لا ننسى أن حجم جيش صدام كان كبيرا ويضم 600 ألف جندي، في حين أن الجيش الجديد الذي بدأنا به كان يضم 40 ألف جندي فقط. صحيح أن الجيش ازداد عدده بعد أن تركت العراق، لكن لا أفهم لماذا هذا الجدل. كان الأكراد واضحين، قالوا لنا إن إعادة جيش صدام حسين سيعني أنه لن يكون هناك عراق مستقل وديمقراطي، وهددوا بالانفصال عن العراق. وكان تحليلي أنه إذا حدث ذلك، فستنفجر حرب إقليمية في المنطقة يتورط فيها جيران العراق. أقول لك بوضوح أنا أقف مع القرار، ولا أفهم هذا الجدل.

* لماذا كان قرار ضم من هم في رتبة عقيد أو أدني؟
ـ كان السبب وراء ذلك أننا سنبني جيشا يتكون من ثلاث فرق، ولم نكن نحتاج إلى ضباط أعلى رتبة من رتبة عقيد حتى يمكن نشر الفرقة الأولى خلال سنة، لأننا لا نحتاج إلى جنرالات لقيادة لواء من الجيش، إذ عادة الذين هم في رتبة عقيد يتولون قيادة الفرقة العسكرية.

* وماذا عن قرار حل البعث واجتثاث البعثيين، هناك من يقول إن ذلك القرار دفع بكثيرين إلى حمل السلاح؟
ـ من الضروري أن نتعامل مع الحقائق. ماذا فعلنا؟ بعد يوم من سقوط بغداد وكنت ما زلت في تلك الفترة رجل أعمال، الجنرال تومي فرانكس، القائد العام للقيادة المركزية الأميركية الذي قاد الهجوم الأميركي على العراق، قرر عدم التعامل مع حزب البعث.

* عند سقوط بغداد، أين كنت أنت؟
ـ كنت أتنقل ما بين واشنطن ونيويورك، فلدي مكتب في المدينتين حيث كنت أدير شركة خاصة.

* هناك من قال إنك كنت تستعد لمهمتك في العراق حتى قبل سقوط بغداد؟
ـ هذا ليس صحيحا، كنت أدير شركة خاصة.

* نعود إلى مسألة اجتثاث حزب البعث؟
ـ الجنرال فرانكس قرر عدم التعامل مع حزب البعث. وعلى ضوء النقاش الذي جرى قبل الحرب، ثم بعد التحرير قررت الإدارة الأميركية عدم السماح للقيادات العليا من حزب البعث بالعمل في الحكومة، وهو الأمر الذي أصدرت به من بعد مرسوما. ويجب عليك أن تعود إلى المراسيم التي أصدرتها لتتأكد من ذلك. كان هذا العدد، أي الذين منعوا من العمل مع الحكومة العراقية، يشكلون نسبة واحد في المائة من أعضاء البعث، أي حوالي 20 ألف شخص أصبحوا بموجب ذلك المرسوم غير مسموح لهم بالعمل مع الحكومة. لكن المرسوم لم يعنِ أنهم يجب أن يغادروا العراق، بل يمكنهم العمل في أعمالهم الخاصة، ويمكنهم أن يصبحوا رجال أعمال أو يعملون في الزراعة أو حتى في الصحافة، لكن لا يمكنهم أن يعملوا في مكاتب دواوين الحكومة.

* هل تعتقد أن ذلك القرار كان صحيحا؟
ـ لا شك في ذلك، لا جدال كان قرارا صحيحا.

* هل أنت متيقن؟
ـ أكيد. أعتقد أن أغلبية ساحقة من العراقيين كانت مع اجتثاث حزب البعث، لكن المشكلة كانت في التطبيق. بعد أن وقعت على المرسوم، قلت للعراقيين إنه سيكون صعبا جدا على قوات التحالف معرفة ما إذا كان شخص انضم لحزب البعث لأنه يؤمن بآيديولوجية الحزب، أو أنه انضم للبعث لأن تلك كانت هي الطريقة الوحيدة ليجد عملا. بعد أن وقعت المرسوم، قلت إنه لا بد من تحويل الموضوع إلى العراقيين، لأنهم يستطيعون معرفة ما إذا كان العضو انضم للحزب لأنه يؤمن به أو لأنه يريد الحصول على وظيفة. الخطأ الذي ارتكب هو أنني طلبت من السياسيين العراقيين (لم يذكر اسم أحمد الجلبي رئيس لجنة الاجتثاث) تطبيق ذلك القرار، حيث حولت القرار إلى مجلس الحكم (كان يضم 20 عضوا) ذلك كان خطأ.

* من كنت تعتقد أنه كان يمكن أن يطبق القرار تطبيقا صحيحا عبر الأميركيين مثلا؟
ـ لا.. ليس عبر الأميركيين. كان يجب تشكيل مجلس قضائي مثلا يضم محامين وقضاة لتطبيق القرار.

* لماذا إذن اخترت سياسيين عراقيين؟
ـ كان خطأ. كنا نتعرض لضغوطات من طرف السياسيين العراقيين لمنحهم صلاحيات سياسية. وكانوا يضغطون بصفة خاصة لمنحهم صلاحيات حول موضوع اجتثاث البعث، لأن الأمر كان يحظى باهتمام كبير من طرف العراقيين، وكنا نعمل على منح مسؤوليات أكبر للسياسيين العراقيين. وهذا ما قمنا به في وقت لاحق، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2003. كان تطبيق قرار اجتثاث البعث سيئا خاصة وسط المدرسين، حيث حرموا كثيرين من وظائفهم ولم يكن ذلك هو هدف المرسوم.

* لكن لماذا وسط المدرسين على وجه التحديد؟
ـ في ظل حكم صدام حسين كانت آيديولوجية البعث تدرس ضمن المقررات الدراسية بما في ذلك كتب الدراسة العلمية. كانت المناهج الدراسية متأثرة بآيديولوجية البعث. أستطيع أن أخمن أن السياسيين العراقيين كان يساورهم القلق من أن يؤثر هؤلاء الناس (المدرسون) على الأطفال والشباب العراقيين، ومن شأن ذلك أن يعيد حزب البعث من جديد. لذلك ركزوا على المدرسين. وعندما لاحظنا أن السياسيين العراقيين طبقوا مرسوم اجتثاث البعث بطريقة واسعة جدا، عملت مع وزير التعليم العراقي لإصلاح الخطأ ومنحته صلاحيات إعادة توظيف حوالي 11 ألف مدرس في الوزارة من جديد، بعد أن كانوا فصلوا من طرف السياسيين. لكن في نهاية الأمر، كان قرار منح تطبيق قرار اجتثاث البعث للسياسيين العراقيين عملا خاطئا.

* إذن تقول بوضوح إن التطبيق كان خاطئا؟
ـ نعم، كان خطأ.

* لكن هل كان القرار صحيحا؟
ـ نعم كان قرارا سليما، وحظي بشعبية كبيرة وسط العراقيين.

* ننتقل الآن إلى مسألة اعتقال صدام حسين.. حيث لا تزال تقال روايات كثيرة، ومن ذلك رواية ترددت هنا في واشنطن تقول إن المعلومات حول مكان اختباء صدام حسين لم تمرر لكم مباشرة بل عن طريق طرف ثالث. ما هي القصة الحقيقية لاعتقال صدام حسين؟
ـ كان الوضع كالتالي. كان بمقدورنا أن نصل إلى أبناء صدام حسين وأقارب له، وهو ما حدث في 26 يوليو 2003. ثم مر شهر، ولم تكن لدينا أية فكرة حول مكان وجود صدام حسين.

*لم تكن لديكم أية معلومات عن المكان الذي يوجد فيه؟
ـ المشكلة الحقيقية كانت تكمن في كثرة المعلومات والروايات وليست في قلتها. مرة نقل إلينا انه يقود سيارة أجرة (تاكسي) برتقالية اللون في شوارع بغداد، ومرة أخرى يقال إنه يستعمل سيارة أجرة حمراء في تنقلاته. الواقع أن هذا الكم الهائل من المعلومات لم يكن فيه أي شيء مفيد.

عند نقطة معينة، كان قرار قوات التحالف أن الطريقة التي نبحث فيها عن صدام حسين ليست مجدية، لأن القوات ركزت على الوصول إلى نوابه وأبرز مساعديه وفي اعتقادها أننا بذلك سنقترب منه، لكن هذا الأسلوب تبدل، حيث تقرر الاتصال بجميع العسكريين الذين انضموا إلى الجيش الجديد، وكانت لهم علاقة معه بحثا عن معلومات مفيدة. وفي 12 ديسمبر اعتقلت إحدى وحداتنا رجلا عمل مع صدام حسين. اعتقل هذا الشخص أثناء عملية تمشيط عادية بحثا عن مسلحين. الوحدة التي اعتقلته كانت تتبع الفرقة الرابعة التي تتمركز في مدينة تكريت (مسقط رأس صدام حسين)، وفي اليوم التالي لاعتقاله أبلغ الرجل مسؤولي الوحدة بأن هناك شخصا أهم منه يوجد في المنطقة، وفي مزرعة توجد في جنوب تكريت.

* هل تتطوع من تلقاء نفسه لتزويد الوحدة العسكرية بهذه المعلومات. ألم يتعرض لضغوط من نوع ما؟
ـ نعم، قال ذلك من تلقاء نفسه.

* ثم ماذا حدث بعد ذلك؟
ـ ذهبت الوحدة إلى المزرعة في 13 ديسمبر 2003 ووجدت هناك طاولة عليها بقايا أكل ولم يكن هناك أي شخص، ثم لاحظ أحد الجنود حبلا دفن جزئيا تحت التراب، فقام بجر الحبل وأدى ذلك إلى نزع غطاء الحفرة. بعدها خرج صدام حسين من الحفرة وهو يقول أنا صدام حسين. هذه هي الرواية الحقيقية لاعتقاله.

* هل هذه هي الحقيقة. ألا توجد تفاصيل أخرى؟
ـ لا قطعا هذه هي القصة الحقيقية لاعتقاله.

* أنت ذهبت مع بعض السياسيين العراقيين إلى زيارته بعد اعتقاله. هل تتذكر ما قلته له عندما رأيته؟
ـ لم أقل شيئا، في الواقع لم أتحدث معه.

* لا شيء إطلاقا؟
ـ نعم.. لا شيء. والسبب الذي جعلنا نقرر أن يلتقي به أولئك السياسيون العراقيون هو أننا ندرك أن العراقيين يتأثرون بالشائعات. وكنا نخشى أنه إذا لم يلتقِ عراقيون مع صدام حسين بعد أسره، ثم يقولون للعراقيين بطريقة واضحة إنهم شاهدوا صدام حسين معتقلا، فإن الشائعات ستستمر وتقول إننا لم نلق عليه القبض أصلا.

* كان يمكن أن تقدموه للناس عبر تصويره وبث صوره في التلفزيون؟
ـ نعم، كان يمكننا ذلك. لكن كنا نريد أن يشاهده سياسيون عراقيون، ثم يذهبون إلى القنوات التلفزيونية المحلية ويقولون للشعب العراقي: نعم شاهدناه. لذلك أخذت مجموعة من السياسيين العراقيين إلى حيث كان معتقلا في مكان سري قرب مطار بغداد، ورافقت أنا والجنرال ريكاردو سانشيز قائد القوات الأميركية في العراق آنذاك مجموعة السياسيين العراقيين الذين التقوا صدام حسين (كانوا الدكتور عدنان الباججي وموفق الربيعي وأحمد الجلبي) وكان وقتها صدام حسين داخل غرفة صغيرة جالسا على سريره.

* كم استغرقت الزيارة؟
ـ استغرق الكلام بين صدام حسين ومجموعة السياسيين العراقيين حوالي 45 دقيقة.

* ألم يتعرف عليك صدام حسين؟
ـ لم أقل شيئا، ولم يعرف من أكون.

* وماذا عن الجنرال سانشيز؟ ألم يتعرف عليه كذلك؟
ـ لم يعرف من هو، لكنه عرف أنه جنرال لأنه كان مرتديا ملابسه العسكرية.

* هل تحدث الجنرال سانشيز مع صدام حسين؟
ـ لا لم يقل له شيئا، كما لم يطرح عليه أي سؤال. دار الحوار باللغة العربية بين السياسيين العراقيين وصدام حسين.

* هل صافحت أنت صدام حسين قبل بدء حديثه مع مجموعة السياسيين العراقيين؟
ـ (ضاحكا) لم تكن لديه فكرة عن من أكون.

* لماذا لم تتحدثا أنت والجنرال سانشيز مع صدام؟
ـ قلت لزملائي هذا مشهد عراقي، وهذه فرصة من أجل السياسيين العراقيين، لكي يتأكدوا أن الذي ألقي عليه القبض هو صدام حسين.

* ألم تدخل الغرفة حيث كان موجودا؟
ـ لا بقيت قرب الباب.

* هل شاهدك وأنت تقف قرب الباب؟
ـ نعم.

* ألم يقل لك شيئا؟
ـ لا. لم يقل أي شيء.

* هل كنت تعرف أن الوضع سيكون متوترا بين صدام والسياسيين العراقيين خلال اللقاء؟
ـ نعم كان اللقا متوترا. هؤلاء الأشخاص بطريقة أو بأخرى فقدوا أقارب أو أصدقاء لهم قتلوا من قبل نظام صدام حسين، ومعظمهم أمضوا فترة طويلة يعيشون في المنفى خلال حكم صدام، وهم غاضبون جدا، وهو لم يبدِ أي ندم ولم يعتذر أو يفسر ما قام به.

* ألم تخشوا أن أحدا من هؤلاء السياسيين يمكن أن يضرب أو يصفع صدام حسين بسبب الانفعال؟
ـ كان هناك إضافة إلى شخصي والجنرال سانشيز جندي أميركي يتقن اللغة العربية، وهو من رجال الحراسة وكان يترجم لنا ما يقال. بديهي أن يكون السياسيون العراقيون غاضبين، لكن لم نضع أي احتمال لأن يشتبكوا بالأيدي مع صدام.

* لكن على الرغم من ذلك، كان يمكن أن يحدث شيئا. هذه أمور لها علاقة بسلوكيات سائدة في المنطقة؟
ـ كان لدينا جنود بالقرب من الغرفة.

* إذن كنتم تراقبون الوضع عن كثب؟
ـ نعم، كنا نراقب كل شيء.

* ما هي أصعب أيامك في العراق؟
ـ كانت هناك عدة مناسبات. من ذلك عندما اغتيلت عضوة مجلس الحكم عقيلة الهاشمي، كانت سيدة تحظى باحترام كبير، وكانت دبلوماسية محترمة. أعتقد أنه تم اغتيالها في يوليو (تموز) 2003. ثم اليوم الذي تم فيه تفجير مقر هيئة الأمم المتحدة في بغداد في أغسطس (آب)، وقتل فيه صديقي البرازيلي سيرجيو فييرا دوميلو كبير مبعوثي الأمم المتحدة إلى العراق. ثم يوم تفجير النجف والذي قتل فيه ما يزيد على 200 شخص وكان ذلك في نهاية أغسطس 2003، حيث قتل في ذلك الحادث محمد باقر الحكيم، شقيق عبد العزيز الحكيم (رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية). وكانت هناك أيضا أيام صعبة قتل خلالها عدد من المدنيين الأميركيين. بديهي أن تكون هذه بعض أيامي الصعبة في بغداد، خاصة عندما فقدت أصدقاء وأشخاص أعرفهم.

* الناس شاهدوك وأنت في قمة الانشراح والابتهاج عندما قدمت الرئيس جورج بوش للجنود، حين زار بغداد سرا في «عيد الشكر». هل كان ذلك أسعد أيامك في العراق؟
ـ أعتقد أن ذلك كان بالفعل واحدا من أسعد أيامي في العراق. كان شيئا مدهشا وأنا أشاهد رد فعل الجنود لأنهم لم يكونوا يعرفون من الذي سيشاركهم حفل «عيد الشكر».

* ألم يقل لهم إن شخصية مهمة ستحضر؟
ـ كانوا حوالي 600 جندي، ولم تكن لديهم أية معلومات حول الشخصية التي ستشاركهم «عيد الشكر».
* كيف تصف ذلك المشهد؟
ـ تأثر الرئيس بوش كثيرا بابتهاج الجنود ورأيت الدموع في عينيه. جاء في رحلة قطع خلاها نصف الكرة الأرضية، وكما نعرف هذا العيد من الأعياد المهمة في أميركا التي لا بد من تمضيتها مع الأسرة.

* وما هو اليوم الآخر الذي شعرت فيه بالسعادة؟
ـ كان يوم اعتقال صدام حسين.

* في أي وقت أخبرت أن وحدة عسكرية أميركية اعتقلت صدام حسين؟
ـ تلقيت اتصالا في الساعة الواحدة من صباح يوم 14 ديسمبر (كانون الأول) وكان صدام اعتقل ليلة يوم 13 ديسمبر (كانون الأول) حوالي الساعة التاسعة والنصف ليلا.

* الواضح أنه كانت هناك مسافة زمنية ما بين عملية اعتقاله وإخطارك بأنه اعتقل؟
ـ كان لابد أن يتأكدوا أنهم ألقوا القبض بالفعل على صدام حسين وليس على أحد الذين يشبهونه، وقرروا بعد ذلك عرضه على مجموعة من كبار مساعديه الأقربين الذين كانوا معتقلين لدينا مثل طارق عزيز وطه ياسين رمضان وشقيقه غير الشقيق، علي حسن المجيد، وذلك ليتعرفوا عليه وحتى يتأكد الجنود أنهم ألقوا القبض بالفعل على صدام حسين.

* لماذا لم تستعملوا الحمض النووي؟
ـ كنا نتوفر على الحمض النووي من أبنائه، لكن قائد القيادة العسكرية الوسطى آنذاك الجنرال جون أبي زيد قال لي إن عملية التحقق من شخصية صدام حسين بواسطة الحمض النووي ستستغرق ما بين 24 إلى 36 ساعة، وخلال هذه الفترة كان علينا أن نحتفظ بقرار القبض عليه سرا وهي مسألة كانت صعبة للغاية لأنه لم يكن ممكنا أن نحتفظ به دون أن تتسرب أخبار حول اعتقاله. ولم تكن هناك أية طريقة لإبقاء هذا الخبر طي الكتمان. قطعا أن شخصا ما سيتحدث، ربما يتحدث جندي مع أسرته في أميركا ويقول ألقينا القبض على صدام حسين، وبالتالي لن يبقى الأمر سرا ولم يكن ممكنا انتظار فحوصات الحمض النووي. العسكريون أيضا كانت لهم خطة لنقل صدام حسين إلى سفينة أميركية تابعة لأسطول أميركي في الخليج، وذلك من أجل الحفاظ على سلامته ولم أعرف بهذه الخطة إلا صبيحة ذلك اليوم، لكنني اعترضت عليها وقلت لهم إن هذا الأمر غير وارد ومستحيل. وقلت لهم إن صدام حسين ينتمي للشعب العراقي وليس لسفينة في عرض البحر وإذا نقلناه خارج العراق ستكون هناك مضاعفات.

* إذن أنت اعترضت على الخطة؟
ـ نعم.. وكان رأيي أننا إذا نقلناه خارج العراق ستقول الشائعات إننا لم نلق عليه القبض. وكان علينا تقديمه شخصيا للعراقيين حتى يتأكدوا، ثم إن الأمر يهم العراقيين وكيف سيتعاملون مع الموضوع.

* أين كانت توجد السفينة التي كان سينقل إليها؟
ـ كانت في مكان ما في عرض البحر، ولم تكن داخل المياه الإقليمية لأي دولة، لأن ذلك كان سيخلق مشكلة عويصة جدا إذا نقل صدام حسين إلى سفينة داخل مياه إقليمية لإحدى الدول.

* متى تلقيت تأكيدا بأن الذي ألقي عليه القبض هو صدام حسين؟
ـ أيقظت في الواحدة صباحا كما قلت وأبلغت بأمر اعتقاله، وفي السادسة صباحا تلقيت تأكيدا بأنه صدام حسين، وفي السادسة وبضع دقائق بتوقيت بغداد (العاشرة ليلا بتوقيت واشنطن) اتصلت بوزيرة الخارجية كوندليزا رايس وأبلغتها بالخبر، وقالت لي إن الرئيس، جورج بوش، يوجد في كامب ديفيد (منتجع في ولاية ميرلاند المجاورة لواشنطن) لكنها ستوقظه لإبلاغه بالخبر (كان بوش ينام مبكرا ويصحو باكرا) وأعتقد أنها أبلغته بالموضوع في منتصف الليل بتوقيت واشنطن.

* ماذا فعلت بعد ذلك؟
ـ انشغلت بالإعداد للمؤتمر الصحافي الذي سنعلن فيه عن خبر إلقاء القبض على صدام حسين.

* كان ذلك هو اليوم الثاني الذي تعتبره يوما سعيدا لك في العراق.. فما هو اليوم الثالث الذي تعتبره من أسعد أيامك في بغداد؟
ـ اليوم السعيد الثالث من أيامي في بغداد هو يوم 28 يونيو (حزيران) 2004 وهو اليوم الذي غادرت فيه بغداد بعد أن انتهت مهمتي هناك.

* ما هي الفترة بالضبط التي أمضيتها في العراق؟
ـ 14 شهرا. وأطلقت أسرتي على هذا اليوم، أي اليوم الذي غادرت فيه العراق «يوم التحرير». وفي كل سنة رحنا نحتفل بهذا اليوم. وفي كل سنة نطلق عليه اسما مختلفا.

* هل كانت أسرتك معك في بغداد؟
ـ هذا غير مسموح به لأنها منطقة حرب. بقيت زوجتي في واشنطن. كان هناك أيضا يوم آخر يعتبر من بين أيامي السعيدة في بغداد، وهو اليوم الذي وافق فيه العراقيون على الدستور الجديد، وهذا الأمر سينظر إليه في تاريخ العراق باعتباره إنجازا أساسيا استراتيجيا لقوات التحالف، وذلك بتقديم إطار عمل سياسي، بموجبه تم إجراء انتخابات وهو ما أدى إلى قيام حكومة واستقلالية القضاء والمجلس التشريعي (البرلمان). وهي إنجازات حققها العراقيون، ومنذ ذلك الوقت تشكلت ثلاث حكومات عراقية.

* هل ما زلت تتابع الوضع في العراق؟
ـ نعم.

* كيف ترى الأمور حاليا هناك؟
ـ أنا متفائل جدا حول الوضع في العراق، أعتقد أن الرئيس جورج بوش اتخذ قرارا شجاعا عندما بدل الاستراتيجية الأميركية في العراق، وزاد عدد القوات الأميركية في أواخر عام 2006. ولم يكن القرار المهم فقط هو قرار زيادة القوات للعراق، لكن القرار المهم الآخر كان قرار إدماج السنة ليصبحوا جزءا من العملية السياسية، وتشكيل مجالس الصحوة التي قادت عملية عزل تنظيم القاعدة، وأيضا ما جرى في الرمادي والفلوجة وإلى حد ما في محافظة ديالى، وذلك بتوفير الأمن للناس وإعادة بناء هذه المناطق. أما أكبر فشل خلال فترة وجودي هناك، فكان عدم تحقيق الأمن للمدنيين العراقيين وهذا ما ذكرته في كتابي (عامي في العراق) وقلته علنا. المهمة الأساسية لأي حكومة هي توفير الأمن للمدنيين، ونحن لم نفعل ذلك. أحداث العنف خلال وجودي هناك كانت معتدلة، لكنها ازدادت سوءا واتساعا بعد ذلك. كان قرار بوش بزيادة عدد القوات قرارا شجاعا لأنه لم يكن مقبولا سياسيا في واشنطن وقال من يطلقون على أنفسهم لقب خبراء إن هذه الاستراتيجية لن تنجح لكنها نجحت. سأبقى متفائلا حول مستقبل العراق. وأظن أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح. وأعتقد أن انتخابات المحافظات التي جرت في يناير (كانون الثاني) 2009 كانت مهمة للغاية، لأن السنة شاركوا وبنسبة عالية جدا في هذه الانتخابات. خاصة أنهم اقترفوا خطأ استراتيجيا عندما قاطعوا الانتخابات السابقة. الآن عادوا للمشاركة وهذا أمر يبعث على الأمل، وبعد ذلك سنرى ماذا سيحدث في الانتخابات التي ستجري في نهاية العام الحالي.

* هل واجهتك مشاكل مع إيران وسورية خلال الفترة التي كنت فيها حاكما للعراق؟
ـ سأتحدث بإيجاز عن إيران، لأنه خلال فترتي لم يتعاون الإيرانيون معنا، لكنهم بالمقابل لم تكن لهم أنشطة كبيرة في العراق. بين الحين والآخر كنا نجد عناصر من الحرس الثوري يعملون داخل العراق. وكنا نجد بعض عناصر وزارة الداخلية والمخابرات الإيرانية يعملون في العراق، لكن اتصالاتهم كانت تتم مع شخصيات من مستوى متواضع في تلك الأيام. مقارنة بما سيحدث بعد ذلك.
بالنسبة لسورية الأمر مختلف، كانت سورية تعتبر مشكلة كبيرة. علمنا من الذين اعتقلناهم أن معظم الذين يقومون بهجمات إرهابية كبيرة وعمليات انتحارية يأتون من سورية. وعرفنا بعد أن اعتقلنا بعضهم أنهم يجندون انتحاريين من السعودية واليمن ومصر وشمال أفريقيا، وينتقلون إلى سورية ثم إلى بعض المناطق في شرق سورية وبعد ذلك يعبرون الحدود عبر الأنبار بأعداد كبيرة وفي بعض الأحيان عبر مدينة الموصل، لا يوجد شيء يمكن أن يحدث في سورية ولا تعرف به الحكومة لأن سورية بلد مغلق.

* هل تعني أنهم يعرفون جميع التفاصيل؟
ـ نعم، قطعا لا مجال في الشك في ذلك.

* ماذا فعلت إزاء هذا الوضع؟
ـ لم يكن لدينا الكثير الذي نفعله في بغداد من الزاوية السياسية حول هذا الأمر. الأمر كان يتعلق بدور يفترض أن تقوم به الحكومة الأميركية خاصة وزارة الخارجية، وسفارتنا في دمشق.

* ألم تجرِ أنت اتصالات مع السوريين؟
ـ لا، لم يحدث ذلك. التقيت بعض الدبلوماسيين السوريين وكذلك بعض الدبلوماسيين الإيرانيين. يجب علينا أن ندرك أن عدد السفارات في بغداد كان ضئيلا للغاية. لكنني فوضت صلاحيات للوزراء العراقيين بإقامة علاقات تجارية مع سورية. في ذلك الوقت علي سبيل المثال وجدنا أنه من الممكن تمديد خطوط لنقل الكهرباء من سورية عبر الحدود، مقابل إرسال نفط من حقل نفطي صغير قرب الحدود كذلك مقابل الكهرباء. شخصيا وافقت على المشروع. كان وزير النفط العراقي اقترح إرسال كميات من النفط العراقي لتكريرها في مصفاة إيرانية أعتقد أنها كانت في بندر عباس أو في مكان آخر لا أذكر. وبالمقابل يحصل العراق على منتجات نفطية مثل الغازولين والكيروسين أو زيوت الديزل، وما عرفته أن المحادثات حول هذه الأمور لم تكتمل قط ولم تكن هناك نتائج. كنت متضايقا جدا من الدور الذي تلعبه سورية، أما الدور الإيراني فقد كان محدودا في تلك الأيام، لكنه سيصبح أكثر عداء في ما بعد. وأظن أن الإيرانيين كانوا في ذلك الوقت يفكرون في وجود جيشين أميركيين على حدودهما، جيش في العراق وآخر في أفغانستان.

* هناك حديث كثير عن الفساد، وهناك من قال إنك والحكومة العراقية في ذلك الوقت تورطتم في الفساد.. كيف تعلق على هذا الأمر؟
ـ كنا نعرف أن الفساد سيكون مشكلة. وقمنا باتخاذ أربعة إجراءات للتعامل مع هذا الموضوع. أولا أنشأت قضاء مستقلا، ثانيا أنشأت لجنة تفتيش مستقلة لها فروع في جميع الوزارات العراقية وكان عددها 25 وزارة، مع مراقبة الميزانية من طرف رئيس الوزراء. ثم أنشأنا هيئة وطنية لا تزال موجودة تبحث في جميع شكاوى المواطنين العراقيين حول مخالفات تتعلق بالفساد. بحثت هذه الهيئة مئات الوقائع التي قدمت لها وأحالت مئات الحالات إلى المحاكم العراقية، وأخيرا استعنا بهيئة مراقبة للمال العام كانت موجودة منذ سنوات طويلة. هل أدى ذلك إلى الحد من الفساد؟ لا أعتقد. ثم إن الفساد في عهد صدام حسين كان مقننا لأن الوزارات كانت تبحث عن طريقة للتحايل على العقوبات، وكانت تعتبر تلك سياسة رسمية للوزارات. هذا ما كان يفعلونه، وأيضا بسبب سياسة صدام الاقتصادية الكارثية، أدى ذلك إلى تحطيم الطبقة الوسطى العراقية، لذلك ظل العراقيون ومنذ الثمانينات يبحثون عن أساليب غير مشروعة لمواجهة متطلبات الحياة. كما أن رجال الأعمال كانوا يتلاعبون بأسعار العملات. كنا ندرك أن الفساد سيكون مشكلة وحاولنا خلق آليات من داخل الحكومة العراقية وهناك قضايا عرضت حتى على المحاكم الأميركية، ولا أعرف ماذا يمكننا أن نفعل أكثر مما فعلنا بتشكيل جميع هذه الهيئات.

* يقال إنك تعرضت لعدة محاولات اغتيال؟
ـ كانت هناك عدة محاولات لمهاجمة الموكب أثناء تنقلاتي. كما كانت هناك محاولات جرت لاغتيالي، وفي بعض الأحيان تدخل رجال الأمن لحمايتي.

* ما هي المحاولة التي كانت الأكثر خطورة؟
ـ كنا نتعرض باستمرار لقذائف مورتر وصواريخ تطلق على المنطقة الخضراء. وكان موعد إيقاظي المعتاد في الرابعة صباحا حين كانت تطلق الصواريخ على المنطقة الخضراء. وفي أكثر من مرة تعرض موكبي لهجمات بالبنادق الرشاشة، وفي مرة تعرضت الهيلكوبتر التي أستقلها إلى إطلاق نار.

* لكن ما هي الأكثر خطورة؟
ـ المحاولة الأخطر كانت عندما تعرض موكبي لعبوات ناسفة وهجوم بالرشاشات في مطار بغداد وكان الوقت ليلا. وما أنقذني أن العبوة انفجرت متأخرة ثانية واحدة فقط.

* هل كانت ستؤدي إلى نسف سيارتك؟
ـ نعم. وكانت هناك طلقات رصاص أطلقت على نافذة لسيارة واعتقد أنها كانت أخطر محاولة.

* متى جرت هذه المحاولة؟
ـ في السادس من ديسمبر 2003.

* هل تعتزم العودة إلى العراق لأي سبب من الأسباب؟
ـ أرغب في العودة إلى العراق في يوم من الأيام. وأتمنى أن ترافقني زوجتي إلى هناك، لأنها لم تزر العراق ولم يكن ممكنا أن تزورني خلال فترة وجودي هناك. كانت معي مدة سنتين في أفغانستان، لكن لم يحدث لها أن زارت العراق وسيكون أمرا جميلا بالنسبة لها أن تشاهد العراق، لكن أظن أن علينا الانتظار لفترة من الوقت حتى يمكننا الذهاب إلى هناك.

* إذن لم تحدد موعدا؟
ـ لا، ليس بعد.

http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=11121&article=518522