الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الثالثة و التسعون

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الثالثة و التسعون

ومن الطريف ان يذكر كافن يونك وهو زائر متأخر، اذ زار كردستان في 1981 انه اعجب حتى بالزي الرسمي للفتاة الكردية فهي تمنح زيها روحاً فلم يخف كافن يونك إعجابه في وصفه لمجموعة من طالبات المدارس خارجات من مدرستهن فقد بدون وكأنهن يتبخترن بملابس تهبط الى الكعب ذات ألوان صارخة ومغرية.
ويسترسل في وصفه فيذكر انها طراز من انواع اللفافات التي تنفتح عليك من صندوق جديد من الحلويات المحفوظة، فالملابس تتمنطق وتضيق عند الخصر وكأنهن لا يرتدين بدلة رسمية حكومية زرقاء بيضاء بل كن بملابس تهبط الى الكعب ذات ألوان صارخة ومغرية. وغالباً ما تطرح طرحة خفيفة من قماش فوق الرأس وذلك شيء لا يشبه الحجاب بل طرحة اكثر شفافية (229).
على الرغم من تعليقاتنا التي ذكرناها على الانطباعات التي عرضناها يمكن ان نخرج ببعض النتائج الخاصة بالزي الكردي:
لقد نال الزي الكردي إعجاب الرحالة والمستشرقين الذين زاروا كردستان ولم نلحظ ما يدل على عدم الإعجاب عند أي من هؤلاء وقد شمل الإعجاب نظافة الملابس الكردية وجمالية الوانها لا سيما جمالية التصميم وقد ميز هؤلاء في وصفهم للأزياء الكردية بين ازياء الموسرين والفقراء وبين ازياء الرجال والنسوة وقد فصلوا في ذلك وبلغت بعض التفاصيل غاية الدقة.
ان اختلاف المناطق التي زارها الرحالة تساعد القارئ لان يلم بأشكال مختلفة من الازياء الكردية حسب المناطق فقد أتاحوا لنا التعرف على الازياء من اورفة في كردستان تركيا الى سنه ومكري في كردستان إيران مروراً بزاخو واربيل والسليمانية في كردستان العراق.
وهناك ناحية مهمة يمكن ملاحظتها في هذه الانطباعات وهي ان الزي الكردي قد تغير في بعض المناطق قياساً بالأوصاف التي أعطيت من قبل الرحالة اذ يمكن ان نلاحظ تغيراً في بعض جوانب الزي بين ما ذكره سون وما ذكره الرحالة قبل (170) سنة للمنطقة نفسها وكذلك يمكن ان نلحظ فروقاً في ازياء بعض القبائل حتى اهل المدن ايضاً اذا قارنا بين الأوصاف والرسومات التي دونها ريج في مذكراته وبين ما هو قائم في الوقت الحاضر للمنطقة نفسها.
ويبدو ان الظروف السياسية والاقتصادية تلعب دوراً في التأثير في الزي، اذ لا يمكن ان تكون عبارة سون، اعتباطية، وهو يصر على ان الزي الذي كان شائعا بين الرجال في السليمانية والمصنوع من القماش الحلبي المخطط لا يمكن ان يكون من الأزياء الكردية على الرغم من ان السليمانية مدينة كردية واهلها كرد.
ولقد تأثر بعض أهالي القرى والمناطق المتاخمة للمناطق العربية في الزي العربي فلا نستغرب ان نجد من الكرد من ارتدى (الصاية) او (الزبون) وعليها المشد من الوسط وفوقها السترة الاعتيادية ثم العمامة الكردية على الرأس هذا ما كان موجوداً في السليمانية وكفرى وحتى في راوندوز كما جاء في مذكرات الدكتور روس.
وقد لا نستغرب اذا ما قلنا انه الى الخمسينيات من هذا القرن كان يمكن مشاهدة عدد غير قليل من رجال عشيرة السليفاني المتاخمة للمناطق العربية وهم بكامل زيهم الكردي (الشل والشبك) والغترة والعقال على الرأس. واليوم لا يمكن ان نجد اثراً لمثل هذا التوليف غير الطبيعي في الزي. لا بل ان عشيرة الملى وهي عشيرة كبيرة جداً في قوامها ودخل رؤساء وأجداد رؤساء هذه العشيرة في صدامات قومية (كردية) مع الدولة العثمانية، ويتكلمون الكردية ولكونهم يعيشون في محافظة الجزيرة في سوريا فأن زيهم كان زياً عربياً، وكذلك نجد بعض العشائر الكردية التي تعيش على الساحل الأيمن من دجلة في العراق والمجاورة تماماً للقبائل العربية تتكلم الكردية وتعترف بقوميتها الكردية لكنها ترتدي الزي العربي، والحقيقة نحن لا نجعل من الزي ميزاناً او محكاً قومياً، فنصف الأمة العربية ان لم يكن اكثر ترتدي اليوم الزي الاوربي وليس العربي ولكن العروبة تبقى هويتهم لا بل تسري في عروقهم، وكذلك أقوام كثيرة أخرى وأمثلة اكثر.
الحرب والسلاح

جاء وصف الكرد عند اكثر من رحالة ومستشرق ومنهم فريزر (1834) اذ يذكر، انهم اميل الى التهيج والقتال والحيطة (10) فأن هذا الميل يبدو واكثر وضوحا” في القبائل الرحل منه عند القبائل المستقرة وان كنا اليوم لا نجد قبائل رحلاً ..
ان السلاح على ما يبدو كان جزءاً من متممات الزي الكردي الرجولي او الاناقة الرجولية الى جانب كونه من متممات الشخصية الكردية يصف هي في العشرينيات هذا بوضوح اذ يقول، يتجول الكردي شاك السلاح وفي حزامه خنجر ومسدس وقد تجد اربعة انطقة ملأى بالعتاد تحيط بخصره ومنكبيه ويحمل بندقيته التي يحافظ عليها جيدا” والقبائل الكردية الكبرى مسلحة تسليحا”، ببندقيات من نوع 301 التركية عادة، اما المجتمعات التي هي اوهن شأنا” فتملك اعداداً كبيرة من بندقية موزر 450 القديمة (82).
ويمكن ان نستنتج من انطباعات توما بوا (1927) ثلاثة عوامل تعمل معا” في انتشار ظاهرة استخدام السلاح او القتال. اذ يذكر، ان حياة الكرد الرحل معرضة للمخاطر مثل مخاطر الصيد والشجار بين الرعاة او بين زراع الكروم او اصحاب المخازن وهذه كلها اسباب لنشوب الضرب والجراح والكردي بشكل خاص طبعه حاد وخنجره دوماً في متناول يده ، وكذلك يمكن ان يأتي الخطر من الحيوانات مثل الكلاب والذئاب ولدغات الافاعي والعقارب وضربة من قرون الكباش او الابقار الوحشية… الخ (91) لذا يمكن كما قلنا استنتاج ثلاثة عوامل تساعد على اعطاء الكردي هذه السمة، القتال او الاحتراب او اسباب تعزى الى الطبيعة واخرى تعزى الى طبيعة الشخص الكردي ( الطبع الحاد ) واخرى تعزى الى تفاعله مع افراد المجتمع من رعاة وزراع كروم ولكن ربما فاتت توما بوا الاشارة الى ان الحياة القبلية وتركيبتها مبنية على اساس التوجس من القبائل الاخرى لاسيما بالنسبة للقبائل الرحل وتنافسهم على المراعي ومواطن الخير ثم الثارات..
اما شميدت الذي زار كردستان في مطلع الستينيات فيذكران الرجال الذين رافقوه في رحلته اذ بدوا وكأنهم لا يعيشون لغاية اخرى – يقصد الهدف القومي الذي كان هؤلاء الرجال يحملونه – فهم لايعرفون معنى للهو او التسلية او أي شيء من وسائل الترويح عن النفس وانك تكاد لاتجد شيئا” مثل الحلوى في طعامهم (241) ويعلق شميدت اذ يقول، والقتال في الواقع يبدو بالنسبة اليهم حالة اعتيادية في حياة الرحل ..
ويؤكد هاملتون – في اواخر العشرينيات من القرن العشرين – ان الكرد صيادون بالفطرة، بلغوا الغاية في اصابة الهدف بالبندقية ورصاصتهم لا تخطئ طريدتهم البشرية. والحقيقة ان من يدرس الحروب الكردية سواء على صعيد المعارك الصغيرة بين القبائل ام على صعيد المعارك الكبيرة في دفاع الشعب الكردي عن نفسه من الغزاة والطامعين بأرضه، نجد ان الحرب او القتال لم تكن مسألة نزعة قتالية او طبع حاد فحسب، فالكردي ليس بالمقاتل الاهوج بل هو مقاتل حذر ومترقب ومستكشف وجامع للمعلومات وواضع للخطط، هذا ماتبين لنا من دراسة تاريخ الشعب الكردي وحياته الاجتماعية..
ان تحليل الملامح القتالية التي حفظتها وتوارثتها الاجيال من خلال (الاغنية الملحمية) توضح المستوى الحربي للمقاتلين الكرد وقد ذكر اكثر من رحالة باعجاب دقة التصويب عند الكردي ومنهم هاملتون.
ويبدي ريج اعجابه بالجانب الاستخباري في المعارك الكردية اذ يقول ان الاكراد كشافون ماهرون واكفاء في الحصول على المعلومات الكثيرة عن معسكرات العدو فهم يتسللون الى قلبها بمهارة فائقة ، بل الى خيمة امرها بذاته.. ويعطينا ريج مثالا” طريفاً عن موضوع المعلومات الحربية ، فعندما حارب البابانيون باشا بغداد، ارسل عبد الرحمن باشا* في وقعة من الوقائع كردياً الى معسكر باشا بغداد لكن الرجل لم يستطع الحصول على المعلومات التي كان يريدها فرأى من الافضل ان يقبض على احد جنود المعسكر ويأتي به امام عبد الرحمن باشا ليستجوبه كما يريد وطبيعي لقد اقتاد هذا الكردي اسيره مسافة عدة ايام وصولا” من بغداد الى السليمانية (226-7).
وصف كثير من الرحالة والمستشرقين قبائل بعينها اثناء القتال ، فقد ذكر سون ( في العقد الاول من القرن العشرين) عشيرة الهماوند في احد اعمالها القتالية اذ قامت بقطع المواصلات جميعا” على طريق السليمانية وقتل كل من حاول اجتيازه وفي موضع اخر من كتابه يصف سون انطباعاته عن الهماوند اذ يقول ان الهماوند هم احفاد رس باسل مقدام وقد طار اسمهم بين ابناء الشعب الكردي لما عرفوا به من بسالة وكثرة حروبهم وغزواتهم وشجاعتهم، ويعجب سون من نظافة الهماوند فيذكر، على الرغم من انهم على سروج الخيل دوماً فلا نجد على قميص احدهم قذارة (222)، وقد لاحظ سون ان النسوة في قبيلة الهماوند يشتركن في القتال عندما يكون ذلك لازماً ضرورياً.

التآخي