الرئيسية » مقالات » هل الحرب على الإرهاب.. أم على الإسلام؟

هل الحرب على الإرهاب.. أم على الإسلام؟

بعد الهجمات الإرهابية على أمريكا في 11 سبتمبر 2001، شنت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش حرباً متواصلة على منظمات الإرهاب والدول التي ترعى الإرهاب، وملاحقة الإرهابيين في كل مكان. و اعترف أسامة بن لادن، زعيم منظمة القاعدة، متبجحاً، بمسؤولية منظمته عن هذه الهجمات، وراح هو ومساعده الأول، أيمن الظواهري، يؤكدان ذلك باستمرار وبكل فخر وتباهي، كما وبات من المؤكد أن معظم الإرهابيين الإسلاميين لهم علاقة بمنظمة القاعدة. لذلك أعلن الرئيس بوش في حينها أن هذه الحرب قد تكون طويلة الأمد، وقد تستغرق 50 عاماً، لأن الإرهابيين هم أعداء شبحيون غير مرئيين، متغلغلين في المجتمعات، ومدفوعة بدوافع أيديولوجية دينية – سياسية، واستئصال الأيديولوجية كهذه يستغرق وقتاً.
والجدير بالذكر أن هجمات سبتمبر سبقتها أعمال إرهابية عديدة ضد الغرب، وبالأخص ضد مصالح أمريكا في مختلف مناطق العالم في عهد إدارة الرئيس السابق بيل كلنتون، حيث قامت جماعة إسلامية بتعليمات وتحريض من الشيخ عمر عبدالرحمن، بتفجير مركز التجارة الدولي بنيويورك عام 1993، كما وقامت جماعات أخرى من تنظيم القاعدة بضرب السفارة الأمريكية في كل من نايروبي ودار السلام عام 1998، وغيرها كثير من العمليات الإرهابية. ومع ذلك لم تتخذ إدارة كلنتون في ذلك الوقت أي إجراء فعال ضد منظمات الإرهاب عدا قيامها بضرب معمل للأدوية في السودان خطأً. لذلك تمادى الإرهابيون وأمعنوا في إرهابهم وصولاً إلى أحداث سبتمبر في أوائل رئاسة بوش الابن.
وفي الحقيقة تتجلى هنا حكمة التاريخ وفق مقولة (رب ضارة نافعة) بأن تقترف القاعدة هذه الحماقة والجريمة الشنيعة، بتعرضها للدولة العظمى، حيث ساهمت هذه الجريمة في جر أمريكا إلى شن الحرب على الإرهاب، وهي تذكرنا بالهجمات اليابانية الغبية على بيرل هاربر في الحرب العالمية الثانية دون أي سبب معقول، حيث كانت أمريكا خارج الحرب آنذاك، مما أدت تلك الهجمات اليابانية إلى جرِّ أمريكا إلى الحرب ضد دول المحور، إذ لولا أمريكا في تلك الحرب لربما انتصرت النازية والفاشية والعسكرية اليابانية واستعمرت العالم. والمقاربة هنا أنه لولا هجمات القاعدة على أمريكا واستدراجها في شن الحرب على الإرهاب لربما كانت القاعدة مهيمنة الآن على معظم الدول العربية وبعض الدول الإسلامية مثل باكستان.
وقبل أن تشن قوات الحلفاء بقيادة أمريكا شن الحرب على إمارة أفغانستان الإسلامية الطالبانية، وبعد اعتراف بن لادن بمسؤولية منظمته عن هذه الهجمات، طلبت إدارة بوش من حكومة طالبان في أفغانستان تسليم بن لادن وأعوانه إليها والتخلي عن منظمة القاعدة. ولكن “أمير المؤمنين” الملا عمر، رئيس إمارة أفغانستان الإسلامية آنذاك، رفض بشدة التخلي عن القاعدة وزعيمها، لأن منظمة طالبان في الحقيقة هي تابعة للقاعدة وولدت من رحمها، فلا طالبان بدون القاعدة وماليتها الضخمة. ولهذا لم يكن هناك خيار لدى الرئيس بوش سوى شن الحرب على إمارة طالبان في أفغانستان وإسقاطها وتحرير الشعب الأفغاني من نظام التخلف والهمجية، ومحاصرة قادة القاعدة وطالبان في كهوف تورا بورا وملاحقتهم في كل مكان، وهذا ما حصل.
وكما نوهنا مراراً، أنه كان من حسن حظ الشعوب العربية والإسلامية أن شنت أمريكا الحرب على منظمة القاعدة، وأسقطت إمارة طالبان الأفغانية، لأنه كان في نية القاعدة اتخاذ أفغانستان مكاناً للتجمع والتدريب والانطلاق منها على العالم، وبالأخص على الدول العربية، وإسقاط الواحدة تلو الأخرى، وإقامة إمارات إسلامية فيها، وفرض حكم الشريعة الإسلامية بنسختها الوهابية المتخلفة المتزمتة المتشددة على شعوبها كما طبقتها في أفغانستان. إذ لم يكن بمقدور أية حكومة عربية أو إسلامية لوحدها الوقوف بوجه القاعدة بدون دعم من الدولة العظمى التي هي وحدها تمتلك القوة العسكرية والمالية والتكنولوجية في مواجهة هذا السرطان الخبيث الذي يهدد الحضارة البشرية. فهاهي باكستان تواجه الآن الخطر المحدق، حيث اضطرت الحكومة المركزية قبل شهر التنازل لطالبان باكستان عن منطقة سوات لتطبق فيها حكم الشريعة الوهابية، مقابل الهدنة. إن أول عمل باشرت به طالبان حكمها في منطقة سوات أن فرضت على النساء عدم الخروج من منازلهن، وقامت بتدمير جميع مدارس البنات وعددها 220 مدرسة وساوتها مع الأرض كإجراء إحترازي فيما إذا غيرت الحكومة المركزية رأيها وقررت إعادة سيطرتها على المنطقة، فإعادة بناء هذه المدارس تستغرق عدة سنوات. وعندما حققت طالبان باكستان هذا النصر لم تكتف به، بل قررت الزحف على المناطق المجاورة لسوات لفرض حكمها عليها، إلى أن اقتربت من العاصمة، إسلام آباد، وراحت تهدد بالسيطرة على كل باكستان. وهنا قرع ناقوس الخطر، فباكستان دولة نووية، ولنتصور حجم الخطر فيما لو وقعت القنبلة النووية بيد طالبان. ولهذا فلولا تدخل أمريكا وتقديمها الدعم للحكومة الباكستانية المركزية لمواجهة الخطر، لكان سقوط باكستان، الدولة النووية في أيد طالبان مسألة حتمية. ومن هنا نعرف مدى أهمية تدخل أمريكا في الحرب على الإرهاب، وهي في صالح الدول الإسلامية وليس لصالح أمريكا والعالم فحسب.
ولكن، ومع الأسف الشديد، فبدلاً من أن يشعر المسلمون بالامتنان لأمريكا لشن حربها على الإرهاب وخلاصهم من شروره، راح الكثير منهم من المصابين بمرض (نظرية المؤامرة) يعلنون بأن الحرب هي على الإسلام والمسلمين وليس على الإرهاب، وأن الإرهاب هو شيء وهمي لا وجود له أصلاً بل اتخذ ذريعة لهذا الغرض!! وراحوا يشحنون الشباب بمشاعر الحقد والكراهية على الغرب وعلى الشعوب غير الإسلامية، بل وحتى على المسلمين الذين لا يوافقونهم على آرائهم.
والكل يعلم أن المسلمين في الغرب وعلى مختلف مذاهبهم وطوائفهم، يتمتعون بالحريات الواسعة في ممارسة شعائرهم الدينية وطقوسهم العبادية دون أي قيد أو مضايقة، لا من قبل الحكومات الغربية ولا من شعوبها، فهناك آلاف المساجد والمؤسسات والمعاهد الإسلامية في الدول الغربية، وبعضها مدعومة مالياً من قبل هذه الحكومات. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أفاد تقرير قبل أيام لبي بي سي، أن [صادق مجلس الشيوخ في ولاية هاوي الأميركية بأغلبية ساحقة على قانون ينص على استحداث يوم خاص للاحتفال بالإسلام، والاعتراف “بالمساهمات الدينية والعلمية والثقافية والفنية الثرية” للإسلام والعالم الإسلامي.”] فهل هذا دليل على حرب الصليبية على الإسلام، كما يزعمون؟
لقد استغل دعاة الإسلام السياسي الحرية والديمقراطية ومنظمات حقوق الإنسان والاعتراف بتعدد الثقافات في الغرب لتأسيس منظمات إسلامية مشبوهة وبواجهات سلمية، ومنها تحمل أسماء تشي بأنها جمعيات خيرية وإنسانية وغيرها من منظمات المجتمع المدني، ولكن في نفس الوقت لها علاقات وارتباطات بحزب (الأخوان المسلمين) والمنظمات الإرهابية مثل القاعدة، بل وحتى تأسيس مصارف مالية ومنظمات جمع المال لدعم الإرهاب. وتلعب هذه المنظمات دوراً فعالاً في نشر ثقافة التطرف بين الشبان المسلمين في الغرب وتجنيدهم للمنظمات الإرهابية، القاعدة.
وهذه المنظمات الإسلامية تقدم نفسها للعالم بواجهة وشعارات الاعتدال والوسطية.. الخ، لتقوم بحملات دعائية، تسمم بها عقول المسلمين وذلك بالإدعاء أن هذه الحرب هي ليست ضد الإرهاب وإنما هي حروب تشنها “الصليبية – الصهيونية الحاقدة!!” ضد الإسلام والمسلمين. ومع الأسف الشديد، انطلت هذه الدعايات المضلِّلة على الكثيرين من المسلمين، فصدقوا بها معتقدين أن هذه الحرب ضد الإسلام. ومما ساعد دعاة الإسلام السياسي في نشر سمومهم والتغلغل العميق والواسع في المؤسسات الغربية بما فيها وسائل الإعلام، هو هوس عداء اليسار الأوربي لأمريكا، وفق مقولة (عليَّ وعلى أعدائي يا رب !!)، حيث نرى هناك تحالف قوى اليسار مع الإسلام السياسي في الغرب بسبب هوس العداء لأمريكا.
ولم يكتفِ هؤلاء بهذه الادعاءات، بل راحوا إلى أبعد من ذلك، فادعوا أنه أي انتقاد للتطرف الإسلامي وللقاعدة ومنظمات الإرهاب، هو انتقاد للإسلام، وحملة عنصرية ضد المسلمين، واخترعوا مصطلح (إسلاموفوبيا Islamophobia) أي الخوف من الإسلام والمسلمين، وساووا بينه وبين معاداة السامية Anti-Semitism الذي هو معادل للعنصرية الممنوعة وفق مواثيق الأمم المتحدة ودساتير العالم المتحضر. وهكذا نحتوا تعبير إسلاموفوبيا لتعني الكراهية والعداء للإسلام والمسلمين.
فكما استخدم غلاة الحركة الصهيونية سلاح (معاداة السامية) ضد كل من ينتقد إسرائيل والحركة الصهيونية بأنها معاداة لليهود والديانة اليهودية، كذلك استخدم دعاة الإسلام السياسي في الغرب إسلاموفوبيا سلاحاً أشهروه في وجه كل من ينتقد التطرف والإرهاب الإسلاميَيْن. وراحوا يطالبون الحكومات والبرلمانات الغربية بتشريع قوانين تحد من حرية التعبير، وتحاسب كل من ينتقد التطرف الإسلامي ومؤسساتهم التي تدعم الإرهاب. ومع الأسف الشديد حققوا بعض النجاحات في هذا المضمار، إذ صارت الصحافة الآن تتردد كثيراً في نشر أي مقال فيه نقد للتطرف الإسلامي إلا ما ندر وبكثير من المخاوف والمحاذير، والضجة التي أثارها إسلاميون ضد نشر صور الكاريكاتير في صحيفة دنماركية مثال واضح على ما نقول. وليتأكد القارئ الكريم على مدى تغلغل دعاة الإسلام السياسي في الغرب، متسترين بواجهة الاعتدال والوسطية، نشير عليه بقراءة الدراسة القيمة الموثقة التي نشرها الباحث القدير في الدراسات الإسلامية، الدكتور كامل النجار، بعنوان (لندنستان والأخوان) أي دور (الأخوان المسلمون) في هذه الحركات في الغرب.
خلاصة القول، إن إدعاء هؤلاء بأن حرب الغرب بقيادة أمريكا على الإرهاب هي حرب على الإسلام والمسلمين، يسيئون، من حيث يدرون أو لا يدرون، إلى الإسلام والمسلمين، إذ بإدعاءاتهم هذه فإنهم، أولاً، يساوون بين الإرهابيين وبقية المسلمين المسالمين، وثانياً، يعطون صورة مشوهة عن الإسلام فيؤكدون أن ما يقوم به الإرهابيون باسم الإسلام هو فعلاً بدوافع تعاليم الدين الإسلامي ويقره الإسلام وأن هذا هو الإسلام الحقيقي. وهذا بالطبع ليس في صالح الإسلام كدين، ولا في صالح غالبية المسلمين الذين يريدون العيش بسلام مع بقية البشر المسالمين. وفي هذه الحالة، فمن حق المجتمعات الغربية، أن تتخوَّف من الإسلام وتعتبره شكلاً من أشكال العنصرية والفاشية، وينظر الناس إلى المسلمين بارتياب كإرهابيين محتملين إلى أن يثبت العكس. وهذا خطر كبير علينا جميعاً وعلى كل من يحمل اسماً عربياً أو إسلامياً، خاصة إذا كان بسحنة شرق أوسطية. والذنب في هذه الحالة يقع على عاتق دعاة ومنظري الإسلام السياسي وليس على الشعوب الغربية. ومن هنا نستنتج أن خطر الإسلام السياسي اليوم على البشرية لا يقل عن خطر النازية والفاشية في النصف الأول من القرن العشرين، والتي كلفت البشرية ثمناً باهظاً حيث لم يتم التخلص منها إلا بخوض الحرب العالمية الثانية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقالات ذات علاقة بالموضوع:
1- د. كامل النجار ، لندنستان والإخوان 1-2….

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=170037
2- كامل النجار ، لندنستان والإخوان 2-2….
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=170770