الرئيسية » مقالات » الإجابة على السؤال التقليدي .. المصالحة مع من ؟

الإجابة على السؤال التقليدي .. المصالحة مع من ؟

مرت ما يناهز الثلاث أعوام على انطلاق مشروع المصالحة الوطنية في العراق ، ثلاثة سنوات حبلى بالأحداث و المتغيرات وخاصة في الملف المعني (ملف المصالحة الوطنية) ومن أهم النقاط التي عاصرها هذا الملف في عمره القصير بالسنين و الغزير بالأحداث هو وجود سؤال تقليدي لم يظهر له جواب شافي وهو (المصالحة مع من ؟) و بلا شك ما انفك اغلب المهتمين و السياسيين أن أعاد طرح هذا السؤال مع كل متغير جديد على صعيد المصالحة .. كما لم يبان أي إجابة شافية وافية لهذا السؤال .
انا شخصياً و احسب نفسي من المهتمين في الملف و المتابعين له بدقة لتعلقه بالكثير من مدخلات و مخرجات العملية السياسية العراقية .. كنت قد وضعت كتاباً واحد وعدة دراسات و مقالات حول المصالحة الوطنية العراقية لكني لم اهتدي بدقة لجواب للسؤال التقليدي (المصالحة مع من؟) ولكني احسب اليوم وبثقة إنني وجدت الجواب الشافي لهذا السؤال الذي ارتبط بملف المصالحة العراقية طيلة الأعوام الماضية ؟
بلا شك ان حداثة المفهوم (مفهوم المصالحة الوطنية) على المستوى الدولي عموماً و العراقي خصوصاً ، مع ضبابية كبيرة حول حيثياته و النقاط المحاطة به ، و الفلك الذي قد يدور حوله .. ساهمت في ولادته في العراق بصورة غير صحية بل لنقل عليلة .. بعبارة ابسط كثيرون من وجدوا أنفسهم مطالبون بإعطاء الرأي حول موضوع لم يفهموه بالشكل الكامل او لم يعرفوا ما الضرورة منه ، لهذا كنا نسمع العبارات الرنانة التي تقول ما لمصالحة و هل نحن مختلفون وما الى ذلك من عبارات لا ترتبط بثقافة و مفهوم المصالحة .. لان المصالحة ليست التصالح بين متخاصمين كما يعتقد البعض انها مفهوم آخر .. و لا داعي للخوض في تفاصيل المفهوم التي سيتكفل المستقبل في إيضاحها مع نمو الواقع السياسي السليم في العراق .. المهم لدينا المصالحة موجهة لمن وستكون مع من .. او كما يقول السؤال التقليدي المصالحة مع من؟ ..
الأشهر الأخيرة التي حملت في طياتها نضوجاً في العملية السياسية و الأمنية .. و تطور و انفتاح عراقي نحو المحيط الإقليمي و الدولي .. فتحت الباب على مصراعيه حول ملف المصالحة الوطنية ، كما ان سياسة البيت الأبيض الجديدة المتمثلة بالرئيس باراك اوباما تجاه العراق تتطلب تحقيق المصالحة الوطنية بغية إنهاء الوجود العسكري الأمريكي و بالتالي نحو أن يبر اوباما بوعوده بأجراء الانسحاب المنظم لجنده من العراق .
كل هذه المتغيرات في الواقع السياسي العراقي .. حركت البوصلة الحكومية العراقية تجاه المصالحة الوطنية .. و جرى منذ كانون الثاني / يناير الماضي تطور كمي و نوعي هام في ملف المصالحة مع اعلان المالكي عن تشكيله لجنة مقننة رسمية للمصالحة الوطنية تظم مؤسسات المصالحة الرسمية العاملة في البلاد و مجموعة من ممثلي المكونات السياسية و الفئوية العراقية .. ومع مطلع شهر اذار / مارس الماضي .. عبر المالكي و اقطاب حكوميون آخرون عن الرغبة بإنهاء الخصومات السياسية و الوصول لمصالحة وطنية كاملة تهيئ الواقع العراقي للعودة متعافياً و طبيعياً .. و بالتأكيد كان اول تحديات هذه الأطروحات السؤال التقليدي موضوع الدراسة (المصالحة مع من ؟) .. و اعتقد ان الجدل الواسع و المتشعب الذي حملته التصريحات و المواقف الرسمية و غير الرسمية ، أوضح و أجاب عن السؤال التقليدي .. و خاصة من خلال النقاشات و الآراء التي قدمت عبرها قيادات عراقية مختلفة موقفها من الملف .. و بقراءة طويلة للمواقف و الآراء المختلفة و تحليل دقيق لما بين سطورها ، يبدو ان الإجابة على سؤال المصالحة مع من ؟ هي كالأتي : الحكومة العراقية وفق برنامجها للمصالحة الوطنية منفتحة على الجميع إلا حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في المرحلة الماضية (1968 – 2003) و لا يستثنى من الحزب إلا الأشخاص الذين ثبت عدم تورطهم بجرائم في عهد صدام او في المرحلة اللاحقة .
ولنناقش هذه النتيجة بدقة أكثر ..
هنالك شبه إجماع سياسي عراقي على عدم إعادة حزب البعث للعمل في العراق .. و استشهد في هذا الصدد من خلال معلومات لجنة التعديلات الدستورية التي لم يقدم لها أي طلب من أي كتلة سياسية او شخصية برلمانية عراقية ، لتعديل المادة السابعة من الدستور العراقي الناصة بحضر حزب البعث العربي الاشتراكي عن العمل في العراق .. بالتالي فالحديث عن عودة البعث قد يستخدم في المزايدات و الدعايات الانتخابية .. و لكن الدلائل تشير إلى انه لم يستخدم رسمياً .. من جانب آخر عبرت جميع المكونات السياسية عن ترحيبها بالحوار مع أشخاص البعث من غير المتورطين بجرائم .. إلا إن الوقائع تشير إلى ضعف بالاجرائات .. كما ان حزب البعث اليوم و الذي يرأسه كما تشير تصريحاته و بياناته عبر الانترنيت ، نائب الرئيس السابق (عزة ابراهيم) و قد عبرت رسائلهم و بياناتهم عن عداء واضح للعملية السياسية الجارية في العراق و رفض مطلق لها ، و عن تحالف مباشر او غير مباشر مع تنظيم القاعدة الارهابي على الارض العراقية .. وهذه النقاط بالمجمل تعطي إيضاحاً لا يقبل الشك ان الحوار و الانفتاح مع حزب البعث هو خط احمر بالنسبة للحكومة العراقية .. و هذا ما جرى تأكيده من خلال مجمل المواقف و التصريحات في المرحلة السابقة .. بالتالي فالحديث عن الإطار الواسع للمصالحة اصبح سلساً .. فالمصالحة منفتحة على الجميع ، بأستثاء حزب البعث كحزب و اما الأشخاص فالاستثناء يمس المتورطين بالدماء فقط .
لكن لابد من الاشارة الى ان الموقف الحكومي الرسمي من مرحلة الماضي (العراق في عهد صدام) لا زال ملف ملتبس و لازال موضع للمزايدات و الدعايات الانتخابية .. فالحكومة العراقية تعلن مراراً انها ساعية للاقتصاص و التعويض لضحايا النظام السابق .. في حين ان هذا الملف لا يزال قاصراً مع الأخذ بوجهة النظر التي تقول ان الحكومة متهمة احياناً باستغلال هذه الدعايات لصالح شخوصها و ذويهم .. وعلى صعيد اخر تجد جهات سياسية اخرى تعلن عن ضرورة الاعتناء بالبعثيين السابقين و ضباط الجيش السابق كونهم من ضحايا النظام السابق ايضاً .. و كما هو الحال من مطالبات الحكومة ، فمطالبات معارضيها كذلك لا تجتاز حاجز الشعار نحو التطبيق .. بالمختصر فهذا الملف هو صيد للمزايدات .
لكن ما يهمنا حتماً هو حسم السؤال التقليدي و توضح الرؤى حول مفهوم المصالحة الوطنية العراقية .
www.alyasery.com