الرئيسية » مقالات » الشاعر د. محمد جاهين بدوي بين الأصالة والتحديث

الشاعر د. محمد جاهين بدوي بين الأصالة والتحديث

الشاعر الدكتور محمد جاهين بدوي من الأسماء البارزة في شعرنا العربي المعاصر.
ويمكن للدراسات والبحوث والنتاج النقدي أن تفيد المتابع والمهتم والقارئ والذائقة والمكتبة العربية من خلال التنقيب والبحث وسبر غور ينابيع شعره الثرية بالغناء والجمال والحبّ والحماسة والمشاعر التي تغمره وتتألق في ثنايا مضامينه وايقاع قوافيه وانسياب لغته وخاصية أساليبه المتغيرة بتغير أغراضه التي يتناولها والمنسجمة مع ايقاعها الداخلي النابع من الأحاسيس التي تقف خلفها. وكل ذلك باسلوب يتميز بقوة السبك وجزالة اللفظ وغزارة اللغة المستخدمة في التعبير، من خلال الحرص في الحفاظ على أصالتها المتوارثة نحوياً وصرفياً وبلاغياً وقاموساً شعرياً وأوزاناً خليلية منتقاة بعناية ودراية وتمكن ودَرَبة طويلة، وبقدرة مدهشة دون الابتعاد عن المُحدَث من تأثيرات العصر لغةً وشكلاً ومضموناً. فهو لم يحرص على شكل القصيدة العمودية بمفهومها المتوارث وشروطها الفنية فحسب، وإنما غنّى لنا قصائد منْ أرق وأرهف ماقرأنا ونقرأ من شعر التفعيلة (الشعر الحر) ومن أفضل ماكُتبَ ويُكتب منه، دون التخلي عن جزالة شعره ومتانته صياغةً ولغةً وأسلوباً اضافة بالطبع الى استخدام الوزن والايقاع والقافية في تعددها:
وَمَاذَا يُقَدِّمُ قَلْبِي الأَسِيرُ..
لِسِرِّ الرَّبِيعِ..
بِعِيدِ النَّدَى؟!
وَمَاذَا يُقَدِّمُ ذَاكَ المُغَرَّبُ..
قَدْ عَابَثَتْهُ المَنَافِي..
وَلَجَّ بِعِصْيَانِهِ صَفْوُ لَحْنِ الرَّجَاءِ..
وَمَا عَادَ يَمْلِكُ إلاَّ الصَّدَى؟!
وَمَاذَا يُقَدِّمُ غَيْرَ هَوَاهُ..
مُنَاهُ..
دُنَاهُ؟!
وَأَنْتِ هواهُ مُنَاهُ دُنَاهُ…
فَمِنْكِ إلَيْكِ الأَمَانِي..
وَمِنْكِ إِلَيْكِ التَّهَاني..
ومِنْكِ إِلَيْكِ الرُّؤَى وَالصُّوَرْ.
وَدِدْتُ بِهَذَا الصَّبَاحِ أُرَتِّلُ حُبِّيَ..
بَيْنَ يَدَيْكِ..
سَنَابِلَ عِشْقٍ تَكَاثَرُ..
أَوَّلُهَا سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى..
وآخِرُها بَوْحُ بِكْرِ الْمَدَى.
وَدِدْتُ أُقَبِّلُ كَفَّيْكِ يَارَا..
وأبْكِي بِحِضْنِكِ عُمْرًا طويلاً..
يُمَسِّحُ عنّي دُهُورَ اغْتِرَابِي..
يُكَفِّرُ عَنْكِ غيابَكِ..
كُلَّ غِيَابي.
وَيَنْفُخُ رُوحَ الحَيَاةِ..
بِطِينِ إِهَابِي.
ولَكِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكِ مَا تَعْلَمِينَ..
وَأَعْلَمْ.
جِبَالٌ..
بِحَارٌ..
وَأَغْوَالُ تِيهٍ..
وَسِحْرٌ مُطَلْسَمْ !.
أنا اليومَ يَارَا..
يَتِيمُ العوالِمِ..
لاَ شَيْءَ يَمْسَحُ يُتْمَه !.
أَنَا الْيَوْمَ يَارَا..
شَقِيٌّ غريبٌ..
رَآكِ على البُعْدِ حُلْمَهْ !.

( من قصيدة ” قَبَسَاتٌ مِنْ تَسَابِيحِ نَجْمٍ آفِلٍ”)

فالشاعر في هذه القصيدة، مثالاً على شعره المتجدد، استخدم شكل القصيدة الحرة (قصيدة التفعيلة) المعتمِدة على الأوزان الخليلية مع اختلاف عدد تفعيلات الأبيات وتعدد القوافي دون الاستغناء عنها لتبقى القصيدة ذات ايقاع مؤثر في المتلقي. وقد قال رواد هذا اللون الشعري مثلما نعرف تعليلاً لظهورها بأنها تحرر القصيدة من قيود القافية الواحدة والتفعيلات المتوازنة لتناسب التطور الحاصل في مجمل الحياة العربية ومنها الفنون كافة وبضمنها الشعر، ولتنسجم مع التجارب الانسانية المعاصرة بمضامينها الجديدة وحركتها نحو الامام.

وعليه فإننا نجد أن شاعرنا الدكتور محمد جاهين بدوي في اللون الشعري الفني الذي اختاره فناً أدبياً معبراً وسار على قواعده وأصوله الفنية حافظ ويحافظ بدون شك وبدقة وعلو باع وامكانية فائقة وموهبة كبيرة على مستلزمات وشروط هذا اللون ،عمودياً وحراً، لذا نراه كمثال في هذه القصيدة أنه يستخدم وزن المتقارب (فعولن فعولن ….)، كما يحرص على القافية لكن بتعددها (الندى، الصدى …)، (هواه، مناه، دناه…)، (الأماني، التهاني …)، (اغترابي، غيابي، اهابي…) … الخ.

وبهذا التنوع في شكل القصيدة بقديمها وجديدها لم يقع شاعرنا في النمطية السائدة عند الكثير ممن يكتب في الشكل العمودي الكلاسيكي للقصيدة العربية، كما أنه ابتعد بحذاقة ومهارة عن قيد التقليد الجامد والصور الثابتة الساكنة المتوارثة التي تضع الشعر في مسار الجمود والتحنيط، مثلما فعل شعراء عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في المحافظة الصارمة على كلاسيكية شعرهم شكلاً ومضموناً مثلما كان في عصور ازدهاره الأولى في تراثنا التاريخي.

فشاعرنا الكبير في الشكل العمودي متمكن، ولا غرابة، من أدواته، محافظ على ما توارثناه من هذا اللون وما عرفنا فيه من كلاسيكية صارمة بشروطها وقواعدها التي وصلت الينا، مع أنه قد أضفى عليها من روحه الوثابة المتجددة التي تعي المعاصرة وعيها للتراث، متزوداً بعلم وافر وثقافة واسعة شاملة واطلاع واعٍ وغزير، وحبٍّ وتقديس للأصالة بمفهوما الثقافي المحافظ على الجذور التي لها الفضل في التكوين الروحي للأمة وبناء وعيها وذوقها ورقيها ووصول تأثيرات كل ذلك الى العالم. مع علمنا بأن الشعر هو ديوان العرب وسِجل تاريخهم، والمعبر عن روح الأمة وفكرها ومشاعرها الجمعية والفردية، وهو حامل ارثها اللغوي ومخيلتها المرتبطة ببيئتها الجغرافية والاجتماعية، وخزين ما حملته وتحمله من فكر وتقاليد ونظرة الى الكون والانسان.

لنقرأ معاً شيئاً مما يقوله شاعرنا الكبير من شعره العمودي المستند الى كل ما يحمله من ثقافة ووعي ولغة واسعة الفضاء واحساس فيّاض متدفق وحرص شديد على الشكل والمضمون واللغة المعبرة:

يَاصَاحِبِي،سَقَطَ القِنَاعْ
وَبَدَتْ وُجُوهُهُمُ الرِّقَاعْ.

مَا كَانَ أَمْسِ مُكَتَّمًا
مَلأَ الدُّنَا جَهْرًا وَذَاعْ.

مَا كَانَ أَمْسِ مُؤَثَّمًا
حَالَتْ ثَوَابِتُهُ وَمَاعْ.

لاَ تَنْتَظِرْهُمْ أمْنَ خَوْ فٍ
أَوْ طَعَامًا لِلْجِيَاعْ.

لاَ تَنْتَظِرْهُمْ رَأْبَ صَدْ عٍ
أَوْ شِفَاءً مِنْ صُدَاعْ.

لاَ تَنْتَظِرْ مِنْهُمْ يَدًا..
إِلاَّ عَلَيْكَ فَهَلْ تُرَاعْ ؟!

زَعَمُوا بِأَنَّهُمُ الذُّرَا..
ثُمَّ ارْتَمَوْا فِي شَرِّ قَاعْ.

مَا عَادَ فِيهِمْ فَارِسٌ..
يَسْعَى إِلَى الحَقِّ المُضَاعْ.

مَا عَادَ مِنْهُمْ رَائِدٌ ..
يَرْجُو لأَهْلِيهِ انْتِجَاعْ.

أَوْ مَنْ يُرَاعِي حُرْمَةً..
مِنْ لُحْمَةٍ أَوْ مِنْ رَضَاعْ.

أَوْ مَنْ يُفَكِّرُ بالمُقَدَّسِ
والمُغَيَّبِ والسَّمَاعْ.

القصيدة بعنوان (ذاتَ جزعٍ) وهي عن الحرب العدوانية الوحشية الأخيرة التي شنها الكيان الصهيوني على قطاع غزة في 27 ديسمبر 2008 . والقصيدة بقافيتها العينية تلتقي مع قافية قصيدة (طلعَ البدرُ علينا من ثنياتِ الوداعْ) التي استقبل بها الأنصار في يثرب الرسول الكريم (ص) عندما وصل اليها مهاجراً. ويقتبس شاعرنا د. محمد جاهين بدوي في قصيدته تعابير من قصيدة (طلع الفجر علينا) ليضفي عليها قوة المعنى المرتبط بالتاريخ الاسلامي المشرق، مع ظلام ما يمرّ علينا في زمننا الراهن، وهو بذلك يرمز الى التفاؤل بالمستقبل والأمل المضيء في تأكيده بأن يوم الانتصار قادم بالاصرار والايمان الصادق عند المؤمنين المحتسبين مثلما دخل الرسول العظيم (ص) يثرب مُستقبَلاً من اهلها بحفاوة وفرح واستبشار محتضنين اياه، لينطلق منها الى كل الأرجاء في الدنيا محرراً الانسان من قيود الذل والعبودية والضعف ناشراً العدالة والحب والمساواة بين البشر دون النظر الى اللون أو العرق أو الدين. وهي اشارة الى التاريخ في جانبه الايماني الاشراقي المتفائل المقاوم غير المستسلم:

وَنَرَى ” بُدُورَ ” الحُبِّ تَطْـلُعُ مِنْ ” ثَنِيَّاتِ الوَدَاعْ ” !

كما أنّ بدوي في استلهامه التاريخ والشعر العربي بإرثه الغني يستمر في قصيدته هذه، مثالاً عاماً على نتاجه الشعري، يستمر في النهل من ينبوع القصيدة العربية الثرّ المتدفق، حيث يقتبس من أحمد شوقي من قصيدته (ريمٌ على القاعِ بين البانِ والعلمِ) ما يحاول الاشارة اليه من أننا نزعنا رداء الغزل واللعب واللهو والبحث عن الجاه والمال ، لنرتذيَ رداءَ الارادة الصلبة، ولنرفع الدرع والسيف ونقاوم من أجل الأرض والوطن، فـاشارته (ريمٌ بقاعْ) رمزٌ عن الحبّ والغواية والسعي وراء الغزلان البشرية، وهو يرمز بذلك الى التخلي عن الذاتية الفردية المصلحية الأنانية من أجل مصلحة المجموع والدين والأرض والعِرض والوطن:

عُلْيَا الجِنَانِ عَرُوسُنَا..
وَبِهَا مَغَانِينَا الوِسَاعْ !.

لَمْ يُغْوِنَا جَاهٌ عَلاَ ..
أَوْ غَرَّنَا ” رِيمٌ بِقَاعْ ”!


إنّ شاعرنا الكبير الدكتور بدوي يلتقط المفردة والجملة والصورة التقاط الخبير بمنجم الأدب عموماً والشعر خصوصاً، هذا المنجم المليء بالذهب والدر واللؤلؤ المكنون، وفي داخل روحه المتألقة موهبة كبيرة ورؤية شاخصة واحساس مرهف مليء بالجمر المتوهج ليطلع علينا بروائع القول والصور لننهل منها ما يثير مكامن النفوس الجياشة:.

لاَ تُؤْمِنِي بِي..
إنَّنِي الكَذَّابُ.
وَدَعِي كُرُومِي..
إِنَّهَا أَحْطَابُ.

وَلْتَهْجُرِي..
عَطَشَ المَفَاوِزِ فِي دَمِي..
لاَ تَأْمُلِي مُزْنِي..
فَهُنَّ سَرَابُ.

فَأَنَا المُكَفَّرُ..
فِي المَحَبَّةِ دَائِمًا..
وَهَوَايَ..
لِلَّعْنِ المُؤَبَّدِ بَابُ.

وَهُدَاكِ فِي هَجْرِي..
فَخَافِي لَعْنَتِي..
وَامْضِي لِدَرْبِكِ..
مَا عَلَيْكِ عِتَابُ.

وَلْتَكْفُرِي..
بِالْمُفْتَرَى مِنْ آيِ عِشْقِي..
إِنَّنِي حَرْفٌ دَجَى..
وَضَبَابُ.

مَا كُنْتُ..
فِي حَرَمِ الأَمَانِي نَاسِكًا..
أَوْ كَانَ لِي فِي عِشْقِهِنَّ كِتَابُ.

بَلْ كُنْتُ..
فِي شَرْعِ الصَّبَابَةِ..
بَاطِلاً..
وَغَدًا غَوِيًّا..
مَا لَهُ مِحْرَابُ.

إن رهافة حس شاعرنا الكبير تقف وراء رقة شعره وعنفوانه المتوهج في عاطفته الجياشة المتفجرة بالمشاعر والانفعالات وارهاصاتِ العشق الجريح، مدعمة كما أسلفنا بثراء لغوي وبلاغي نادر، يمده بانسيابية لغوية تصويرية معبأة بأسلوب متين نابع من معرفية لغوية واسعة مقتدرة، خلفها موهبة حقيقية لشاعر بحجم محمد جاهين بدوي.

لقد استطاع الشاعر بدوي أن يعيد للشعر العمودي الكلاسيكي بقواعده الشعرية والبلاغية واللغوية تألقه من جديد في زمن نعى فيه الكثيرون هذا الشعر، وحاولوا أن يقيموا له جنازته بعد ما سموه بالحداثة وما بعد الحداثة من مصطلحات أستعيرت من التجارب الغربية البعيدة عن واقع عربي شرقي، هو حقيقة على الأرض. فالحداثة الغربية هي تجاوز للماضوية بفنها وشكلها ومضامينها المطبوعة بالتطور التقني الحاصل والتقدم الميكانيكي الناقض للكثير من النظريات علمياً وثقافياً وحضارياً ومُثلاً اجتماعيةً وانسانية. بينما الحداثةُ العربيةُ عند المبدعين العرب الواعين المستوعبين لما جرى ويجري داخل بنية المجتمع الذي يعيشون تحت جناحه الظليل ماضياً وحاضراً هي في استمرار الماضوية بصورتها الاشراقية المثالية وامتدادها في الضمير الجمعي والفردي لتكون مثالاً حياً للاستمراية الانسانية والاجتماعية والثقافية والفنية والابداعية في أجمل معانيها وصورها ومؤثراتها الايجابية التي صبغت زمنها لتصل الى بقاع الدنيا الأربع بتأثيراتها المنيرة التي تخدم الانسان وانبثقت من أجله.

وعليه فلم يكن الشاعر الدكتور محمد جاهين بدوي تقليدي المضمون والشكل والصورة المستنبطة من التخييل المتكون من جغرافية المكان، وبمفهومه الكلاسيكي التقليدي الذي وردنا من نقادنا وبلاغيينا القدامى ونصوصنا الشعرية، وانما أضاف الى هذا الشكل جديداً من الواقع المعاصر المعاش الذي لا نستطيع تجاوزه وغض الطرف عنه لأننا نحيا وسطه ونعيش بتأثيره الطاغي، سواءاً في الشكل أم في المضمون،. حيث نقرأ له قصائد من شعر التفعيلة وبجدارة عالية دون ان يتخلى عن شرط اللغة بقوتها وجزالتها وبلاغتها وارثها التاريخي من جمالية وغزارة في الألفاظ وتماسك في الجملة واشراق في التصوير من خلال الخيال الخصب، مع القوة في السبك والمحافظة على قواعدها نحوياً وصرفياً وبلاغياً.

إن الشاعر الكبير المبدع المقتدر استطاع أن يثبت أن عمود الشعر لا يزال هو الأقوى في التأثير وفي استنباط واستخراج مكامن الجمال الغنية بكل ما يمد الباحث والناقد من امكانية التقاط الدرر الشعرية والكتابة في شتى مكامن واتجاهات ومضامين وصور القصائد العصماء التي يتحفنا بها شاعرنا الكبير.

إن اسم الشاعر الدكتور محمد جاهين بدوي يبقى من الاسماء الاعلام الخالدة في الشعر العربي المعاصر. إنه يخط بصمته المتميزة في تاريخ الأدب العربي الحديث دون مواربة او مداهنة او مجاملة على حساب النص. فهو من الأسماء الشعرية الكبيرة ونجم من نجوم شعرنا الجميل وأدبنا الثرّ الذي يبقى خالداً مادام هناك انسان على الأرض.

أما مضامينه الشعرية الكثيرة فتتراوح بين الغزل الحار المتأجج بالعاطفة موجاتٍ متلاطمة جياشة، والشعر المعبر عن قضايا الأمة الساخنة ومنها القضية الفلسطينية مثل قصيدته الآنفة عن غزة، اضافة الى الشكوى والوجدانيات مثل قصيدته الرائعة عن ابنته الصغرى (إلا ودادك زينب) والحياة عامة.

فهو في غزلياته يرقى الى مصاف أروع شعراء الغزل التاريخيين. إنه بكل جدارة واستحقاق (شاعر الحبّ والجمال)، إذ تتفجر عواطفه الغزلية بأرق كلام وأجمل صورة وأشفّ عاطفة وأرهف أحساس وأترف أسلوب يناسب المعنى بكل صدق وتعبير عنفواني العاطفة حار الذائقة متدفق المشاعر:

” وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونْ “..

وَمِنْكِ هُدَايَ..

وَأَشْهَى الجُنُونْ.

وَمِنْكِ إِلَيْكِ جِهَاتِي..

وَشَطْرُ نَجَاتِي..

وَكَرْمَةُ عِشْقِي..

وَمَا يَعْرِشُونْ.

وَجَنَّةُ خُلْدِي..

بِكَوْنِ الْمَنُونْ.

* * *

” وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونْ “..

وَأَنْتِ نُجَيْمَةُ عُمْرِي..

الَّتِي لاَ تَخُونْ.

وَإِنْ خَاتَلَتْنِي الأَهِلَّةُ..

غُمَّتْ عَلَيَّ..

مَوَاقِيتُ شَوْقِي..

وَضَلَّتْ بِأُفْقِ هَوَايَ..

رُؤَايَ..

وَظُنَّتْ بِطُهْرِ فُؤَادِي..

الظُّنُونْ !.

فَأَنْتِ بِشَارَةُ بَعْضِي..

لِبَعْضِي..

وَفَيْضِي لِقَبْضِي..

وَبَعْثِي كَلِيمَ العَذَابِ..

نَبِيًّا كَظِيمًا..

وَبُرْهَانُ صِدْقِيَ بَيْنَ يَدَيَّ..

فَصِيحُ السُّكُوتِ..

حِرَاكُ السُّكُونْ !

* * *

” وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونْ “..

وَأَنْتِ كُوَيْكِبُ وَجْدِي..

وَسِتُّ الدَّرَارِي..

وَكُلٌّ بِأُفْقِكِ كَمْ يَسْبَحُونْ !

وَحَقِّ دَلاَلِكِ عِنْدِيَ..

هَذَا الضَّنِينِ السَّخِيِّ..

الغَضُوبِ الرَّضِيِّ..

الحَرُورِ النَّدِيِّ..

الجَرِيءِ البَرِيءِ الحَيِيِّ..

القَرِيبِ العَلِيِّ..

الصَّمُوتِ المُبِينْ !.

وَكَافِ كَمَالِكِ فِيَّ..

تُعَانِقُ نُونَ نَدَاكِ..

فَتَفْجُرُ نَهْرَ اللَّظَى..

والفُتُونْ !

لأَنْتِ..

لأَنْتِ خِتَامُ العَشِيقَاتِ..

وَالمُرْسَلاَتِ..

بِمِسْكِ المُدَامَةِ..

آيِ المَوَاجِدِ..

نَارِ التَّجَلِّي..

عَلَى فَتْرَةٍ مِنْ عِجَافِ السِّنِينْ !!

…. …. ….

وَإِنِّي بِحِجْرِكِ..

ذَاكَ المُرَتِّلُ..

صُحْفَ هَوَاكِ..

إِلَى مَطْلَعِ السِّرِّ..

فَجْرِ لَيَالِي الحَنِينْ !!

” وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونْ “..


إن شعر الشاعر الكبير الدكتور بدوي منجم غني بمعادن الذهب والماس والياقوت والمرجان، وكنز لغوي ثري مليء بدر الكلام الجميل المصاغ بريشة فنان ماهر مبدع حاذق في صنعته. بحيث يمكن للباحثين والنقاد أن يُخرجوا منها ما يشاؤون وما يملأ مكتباتنا بكل ثمين وغالٍ من الأدب الرفيع.

إنه احد أعمدة الشعر العربي الحديث، وقد استطاع أن يعيد للشعر العمودي ألقه وجماله وعظمته الخالدة التي لن تنتهي ولن تموت.



الدكتور محمد جاهين بدوي

* شاعر وناقد مصري من مواليد محافظة الشرقية عام 1963م
* تخرج في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر سنة 1985م بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف
* عمل معيدا بقسم الأدب والنقد، ثم محاضرا، ثم أستاذا مساعدا بقسم الأدب والنقد بعد حصوله على درجة الدكتوراه في أدب ابن عربي وابن الفارض وفلسفتهما الصوفية بتقدير مرتبة الشرف الأولى سنة 1996م
* يعمل حاليا أستاذا مساعدا معارا للأدب والنقد بكلية المعلمين في بيشة بالمملكة العربية السعودية ورئيسا لقسم اللغة العربية منذ سنة 2000م
* عضو لجنة تحكيم جائزة باشراحيل الأدبية، التي يترأس مجلس إدارتها الشاعر السعودي الدكتور عبد الله باشراحيل

* صدر له :
– قصيدة الصورة في شعر أبي شادي : رسالة ماجستير 1985م
– شعر الحب بين ابن عربي وابن الفارض – تحليل وموازنة : رسالة دكتوراة 1996م
– قراءات تحليلية في نصوص من أدب صدر الإسلام : وكالة ناس للطبع والنشر. القاهرة 199م
– قراءات تحليلية في نصوص من الشعر الحديث : وكالة ناس للطبع والنشر. القاهرة 1998م
– مناهج البحث الأدبي : وكالة ناس للطبع والنشر. القاهرة 1998م
– جدلية الثبات والتغير في شعر عروة بن أذينة : وكالة ناس للطبع والنشر. القاهرة 1999
– شعر الحلاج النظرية والفن : حولية كلية اللغة العربية بالقاهرة 2001م
– ثكل المكان وكونية الأحزان في مرثية حسان بن ثابت للرسول عليه الصلاة والسلام : حولية كلية اللغة العربية بالقاهرة 2004م
– سيمائية التناظر والتقابل في شعر ابن زيدون- النونية نموذجا : حولية كلية اللغة العربية بالقاهرة 2005م
– حرم الهوى فمها : ديوان شعر مطبوع عن دار حسان وهبة بالقاهرة 2005م
– يا هذه الجوزاء : ديوان شعر قيد النشر
– بالإضافة إلى العديد من المشاركات النثرية والشعرية المنشورة في الدوريات المصرية والعربية، والمشاركات الإذاعية والتليفزيونية، والتنسيق والتنظيم للعديد من الندوات الشعرية والأدبية بجامعة الأزهر وغيرها.

عبد الستار نورعلي
السويد
الجمعة 24 نيسان/ابريل 2009