الرئيسية » مقالات » اليسار العراقي يولد من رحم المعاناة

اليسار العراقي يولد من رحم المعاناة

ماذا بعد سنوات ست من السقوط في أحضان الديمقراطية ؟ والابتعاد عن نظام الشمولية والحزب الواحد , والدخول في متاهة مستقبل غامض تشحذ فيه السكاكين والسيوف الطائفية والعشائرية والقومية الضيقة لتجريبها على جسد ووجه الشعب الضعيف والأكثرية الصامتة .

ربع قرن أو أكثر من الانفصال عن التواصل , بين قوى الشعب العلمية الواعية الحية , ومادتها من الجماهير المتطلعة لغد أفضل , أورثنا هذه الحالة المؤلمة المزرية , التي نشاهد فيها فئات واسعة من هذا الشعب تجري نحو حتفها , وتقاتل بحماس أشباهها , من المكونات الأخرى , وبكل مايقع بين يديها من سلاح , خدمة لقيادات طفت وطغت وتجبرت , وركبت الموجة , ليسود الجهل والفساد , وينحني المجتمع للقوى الغيبية , بعد أن غاب اليسار .

هل نعود لبداية السقوط 2003 , أو لأواخر السبعينات وقرار سلطة الحزب الواحد بإلغاء اليسار وإبعاد قياداته إلى الخارج والاستفراد بالقواعد , لتطويعها وتدجينها أو سحقها وتحويل ماتبقى إلى كائنات مجهريه تنكمش وتتقوقع وتدخل في سبات على مر السنين بانتظار زوال الضغط وفترة انتعاش .

ذلك ماحصل فعلا , وهذا( الماتبقى) هو النواة الصلبة الحالية ليسار الداخل العراقي !

سر معي أيها القارئ العزيز أينما كنت في نواحي ومحلات بغداد , وليكن اتجاهنا في صبيحة الأول من أيار 2009 نحو ساحة التحرير , حيث مركز بغداد وقلبها النابض قديما وحديثا , لنقف حيث أرادنا جواد سليم أن نحدق ونشاهد ونفسر تاريخنا الوطني منذ سومر والاهوار والجاموس وصولا إلى الانتفاضات والحرية , سيرا عبر الزمان والأحداث , وعندما تصل قارئي العزيز وتجلس حيث النافورة أو تنزلق إلى الحديقة لتجد دكه أو أريكة , تحس, عندها بمعنى أل 25 عاما من الانقطاع الفكري والمادي بين اليسار والشعب , وتضيع بين المئات الحاضرة ممن تجاوزا الخمسين ولم ولم ولم يهادنوا أو ينسوا أو يزيحوا عن كاهلهم عبئ ثقل الراية والمبدأ .

تتجمع المئات الأخرى ترى من بينهم شباب وبنات يتضاحكون

ستيني – جئت مع ولدي وابنتي , دخلت الحزب وعمري اقل من 14 عاما .

وتذهب المسيرة إلى مستقرها , وتعود الشعارات والأهازيج إلى واقعها , عمالية اقتصادية مطلبيه طبقية وطنية , مرسومة على الشفاه , غير مكتوبة على الورق .

اليسار العراقي يخرج من القوقعة , مادته عمال من القطاعين العام والخاص تفضل الحكومة أن تحولهم إلى شحاذين لمعوناتها على توفير العمل المناسب لقوة سواعدهم , حرفيين وأصحاب ورش ومشاريع إنتاجية أغرقتها في بحر البطالة تجارة السلع المستوردة , متقاعدين في غير أوانهم لان اقتصاد بلادهم استخراجي طفيلي ريعي , لايريدهم واقفين خلف معدات ومكائن الإنتاج , بل جلوسا في المقاهي , ونياما يحلمون براتب الضمان أو منحة الرعاية , أدباء ومفكرين وكتاب من الشعب واليه , لايرتضون التملق ولا كتابة مقالات الإنشاء والمديح , ولا يرضى بهم جزيل العطاء , وواهب المكرمات إن سابقا أو لاحقا , يمارسون أدوارا تجاوزوها سنا ليعيدوا اللحمة بين الشعب والحزب والتاريخ , ويسطروا قيما جديدة لليسار , تتجاوز مايعتقده البعض مضيعة للوقت في إحياء وإدامة ماعبره الزمن , إلى قلب المعادلة وإعادة الوضع الاجتماعي ليمشي ثانية على قدميه كتلاحم واندماج وصراع طبقات , لا محاصصه عنصرية طائفية فئوية عرقية عشائرية مذهبية , وقودها الدائم الأكثرية المغلوبة على أمرها .

احدهم باستهزاء – ستموتون وتنتهون بتقادم ومرور السنين وانقطاعكم عن الأجيال الشابة .

ما العمل ؟

الاعتماد على الذات والتواصل والتحالف مع البورجوازية الوطنية المنتجة .

الانتشار في البحر ثانية للوصول إلى المنابع حيث المعامل والورش والنقابات والطلاب والجامعات والمدارس , ومراكز الأدب والفن والمسرح والتنوير , ولن ننسى المرأة والفلاح وحتى الطفل واليافع وكل تواق إلى تنفس هواء الحرية .

نحن أهل الداخل سنستمع إلى بعضنا ونقرر وليسمعنا من في الخارج , وليقدم النصيحة إن أراد , أو ليأتي فترة وينسى ترفه ويرى وطنه , ويشاهد ثم يحكم .

لم ارغب صراحة في الوصول إلى هذه النتيجة ولكن مسيرة الأول من أيار 2009 هزت بي وتر الداخل وليستمع الإخوان والرفاق من مختلف التنظيمات , لنداء الوحدة والتضامن , فقد عادت ألينا الفرصة ولن تضيع , لنلتقي مرارا ونتناقش ونتوصل إلى بعض الحلول حتى بعد الصراخ بوجوه بعضنا , وجمعنا يتوسع بين شارع المتنبي وساحة التحرير والفردوس , مرورا بكل ورشة ومعمل ومنتدى وجامعة وشارع وسوق وحافلة لنقل الركاب .