الرئيسية » مقالات » رحلة قصيرة مع الشاعر الراحل نزار قباني

رحلة قصيرة مع الشاعر الراحل نزار قباني

الشعر الحقيقي الذي يخلد صاحبه لابد أن يغور في داخل الأنسان ويعبر عن خلجاته بكل أخفاقاتها ونجاحاتها وسعيه الدائم للوصول ألى عالم تسوده قيم الخير والمحبة والجمال . وعندما يختط الشاعر هذا المسار يجب عليه أولا أن يعيش واقع مجتمعه ويعيش طموحاته وآلامه وآماله بكل دقائقها لكي لايأتي شعره عبارة عن عبارات لفظية مبهمة تأتي وتذهب ولا تترك في نفس المتلقي أثرا يذكر بحجة (تفجير اللغة من الداخل ) و( الحداثه )والحقيقة ليست ألا تهويمات ورموز وأشارات وطلاسم بعيدة عن أية دلالة رمزية شفافة وتنقل متلقي الشعر ألى بئر عميقة مظلمة خالية من أية نقطة ضوء تدل على الرمز المقصود وهذا مانراه ونقرأه في الكثير من القصائد في هذا الزمن .
لقد خطرت على بالي هذه المقدمه عندما كنت أقرأ بعض أشعار الشاعر الراحل نزار قباني الذي ابتعد عن هذا المسار وكتب جل قصائده بعيدا عن التعقيد والغموض ومن خلال( السهل الممتنع) الذي كتبت به قصائده كون له جمهورا واسعا على مستوى الوطن العربي وخاصة في قصائده السياسية من خلال مقولته ( لو لم أكن ملتصقا بواقعي لآختفيت من خريطة الشعر من زمان بعيد )
وغالبا مايقترن أسم نزار قباني بأنه (شاعر المرأة ) نظرا للكم الهائل من القصائد التي كتبها عن المرأة ويتوهم الكثيرون بأنه تناول المرأة جسدا فقط واتهم بأنه ( متهتك ) في بعض قصائده الغزلية . ورغم صحة هذه المقولة أحيانا ورغم كل ماقيل في هذا المضمار علينا أن لانغفل أن نزار قباني تناول أيضا في الكثير من الشعر الذي تركه عالمها الأنساني والقيمي والروحي وعندما يطلب الحرية للمرأه والوطن والكلمة فأنه يطلبها بمفهومها الشمولي والمطلق من خلال قوله ( الحرية التي أطلبها للمرأه هي ممارسة خياراتها وأنسانيتها وتركها في مواجهة أنسانيتها دون أن يقطع رأسها وترمى في صندوق الزباله ) ونحن متذوقوا لايمكننا أن نقولب الشاعر وقق مفاهيمنا ومعطياتنا الخاصة بنا ولا يمكننا محاكمته على تلك القصائد الغزلية التي تضمنتها دواوينه رغم اختلافنا معه وتعارض أفكارنا مع أفكاره وعلينا أن لانجلد الشاعر الكبير نزار قباني لقصائده الغزلية التي كتبها في فترة معينة من عمره الشعري ونركز عليها فقط ونقول هذا ماكتبه الشاعر وأن ننسى الغزل الذي كان غرضا من من أغراض الشعر الرئيسية في الشعر العربي وكل شاعر له حججه وأفكاره ومفاهيمه التي ينظر بها ألى هذا الموضوع . ولست في موقع يؤهلني لتصيد هفوات الشاعر الكبير نزار قباني وهو في العالم الآخر.
أن الشاعر نزار قباني شاعر كبير ولد من رحم أمته وغاص في أعماق الشعر واستخرج منه دررا ثمينة تركت بصمات واضحة على الخريطة الشعرية في الوطن العربي فهو لم يكن شاعرا عبثيا كما صوره بعض النقاد وهو لم يكن في يوم من الأيام بعيدا ن هموم أمته وتأريخها وأرهاصاتها وتطلعاتها وما تعرضت له من ويلات على أيدي الغزاة والحكام المستبدين الذين تعاقبوا عليها ويحكمونها بقوة السيف والجندرمة ألى يومنا هذا . يقول نزار في أحدى قصائده :
جئتكم
من تأريخ الوردة الدمشقية
التي تختصر تأريخ العطر
ومن ذاكرة المتنبي
التي تختصر تأريخ الشعر
جئتكم
من أزهار النارنج
والأضاليا
والنرجس
والشاب الظريف
التي علمتني أول الرسم
جئتكم من ضحكة النساء الشاميات
التي علمتني أول الموسيقى
وأول المراهقه
ومن مزاريب حاراتنا
التي علمتني أول البكاء
ومن سجادة صلاة أمي
التي علمتني
أول الطريق ألى الله
ألى أن يقول :
في قلبي شيئ من أحزان أبي
وفي عيني
قبس من حرائق
ديك الجن الحمصي .
أذن هو أبن بيئته التي تنسم عبير أزهارها الشامية الفواحه وترعرع في تربتها المليئة بالخصب والنماء والأنبهار والعنفوان والتأريخ الحافل بالشعراء والقصص الأنسانية والحكايات الشعبيه .
لقد كتب نزار قباني قصائد سياسية ووطنية متميزة تركت صدى واسعا وأعجابا منقطع النظير تداولتها ملايين الألسن المصادرة في الوطن العربي لأنها وجدت فيها التعبير الحقيقي عن واقعها المزري المعاش . وكانت تلك القصائد الوطنية السياسية كالسياط الحارقة التي ألهبت ظهور الطغاة والجلادين الذين وجدوا فيها تحريضا للجماهير المضطهدة في أوطانها للخروج من حالة الظلمة والقهر التي تعصف بها من قبل أصنامها التي لاهم لها سوى التسلط بالقوة والبطش على رقاب الملايين .
يقول نزار في أحدى مقالاته 🙁 أن الشعب العربي خارج لتوه من سراديب التخلف والسحر والشعوذة . وعلى الشاعر العربي في نظري أن يساعد على أضاءة الطريق وجعل الشعر شمسا تشرق على كل الضائعين والخائفين والمستلبين والمعذبين في الأرض . ) ويقول أيضا في أحدى مقابلاته 🙁 كنت أبحث عن الأنسان بصرف النظر عن لونه وجنسه أو غناه أو فقره أو موقعه الأجتماعي وكل شعر لايتجه ألى الأنسان ولا يصب فيه هو شعر عبثي وهامش الأنسان هو محور هذا العالم وهو القضية الكبرى التي تستحق النضال من أجلها والكتابة عنها .) ولا شك أن الأنسان العربي في طليعة المقهورين في العالم وهو منذ قرون مستلب الأراده , مهدور الكرامه , تتعقبه عيون العسس في كل شبر من وطنه والخروج على الحاكم هو خروج عن طاعة الله انطلاقا من الآية الكريمة التي يسخرها السلطان وأعوانه لصالح بقائهم جاثمين كالكوابيس على صدور شعوبهم حيث يفسرونها حسب أهوائهم ظلما وعدوانا على كتاب الله وهي بسم الله الرحمن الرحيم : (وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم ) ومن خلال هذا الكلام كتب نزار قباني قصائد متأججة ترفض الظلم والقهر وأدان مايقوم به سلاطين القمع وأصنام الجبروت من خلال قصائد كثيرة منها : (السيرة الذاتية لسياف عربي ) ويقال أنه كفر عن خطيئته بمقابلة الطاغية ( صدام حسين ) في هذه القصيده بعد أن اتضحت له الحقيقه البشعة لصدام حسين بعد أن خدع بوسائل دعايته المضللة. وقصيدة ( أحمر أحمر أحمر ) وقصيدة ( أبو جهل يشتري فليت ستريت ) وقصيدة( تقرير سري جدا من بلاد قمعستان ) وقصيدة ( لماذا يسقط متعب بن تعبان في امتحان حقوق الأنسان ) و (هوامش على دفتر الهزيمه ) و( قراءة ثانية لمقدمة بن خلدون ) وغيرها وكل تلك القصائد كانت صرخة مدوية في وجوه الحكام العرب الذين تسلطوا على شعوبهم دون وجه حق وعضوا على كراسيهم بالنواجذ ألى آخر نفس . أن القاسم المشترك بين هذه القصائد هي أنها تعبربطريقة السهل الممتنع عن مأساة هذا الشرق العربي الذي أصبح سجنا كبيرا لشعوبه المقهوره التي تحكمها هذه الأصنام وتطالبها بالجلوس على رصيف الصبر ألى مالانهايه لتسبح بحمدها لأنها مانحة البركات وسبل الحياة وللشعوب الشرف بأن تتغنى باسمها الأعلى ومقامها الأسمى تحت شعار ( مليكنا – رئيسنا ياصاحب الجبين الوضاح .. ياوجه السنا والصباح .. سنظل ألى الأبد نفديك بالأرواح .. لأنك الأول والآخر والأنقى والأطهر ولا يوجد أحد في هذه الدنيا يجاريك في عفوك وحلمك وعطفك ومروءتك وسنظل بعدك لاسامح الله كالأيتام في مأدبة اللئام وسيكون مصيرنا الهلاك أن غبت عنا فنحن متمسكون بأذيالك ألى الأبد ياسيد الدنيا . ) فتطرب له أسماع الحاكم الصنم وتزغرد له أجهزته الدعائية ليل نهار كما نشهده اليوم .
يقول نزار في قصيدة ( السيرة الذاتية لسياف عربي ) عن لسان الحاكم :
أيها الناس
لقد أصبحت سلطانا عليكم
فاكسرا أصنامكم بعد ضلال
واعبدوني
أنني لاأتجلى دائما
فاجلسوا فوق رصيف الصبر
حتى تبصروني
أتركوا أطفالكم من غير خبز
واتركوا نسوانكم من غير بعل
واتبعوني
أحمدوا الله على نعمته
فلقد أرسلني كي أكتب التأريخ
والتأريخ لايكتب بدوني
أنني يوسف في الحسن
ولم يخلق الخالق
شعرا ذهبيا مثل شعري
وجبينا نبويا كجبيني .
أنها قصيدة تضج بالمرارة والألم والغضب من هذا الصنم الذي استولى على كل شيئ وصادر كل شيئ وهذا هو الواقع الذي يعيشه هذا الوطن العربي المنكوب بأصنامه التي خالفت كل شرائع السماء والأرض في تسلطها وجبروتها وطغيانها .
وبهذه البساطة الشعرية المتميزة عبر نزار قباني عما تعانيه الشعوب المقهورة من عسف وظلم وأذلال على أيدي هؤلاء الحكام وأعوانهم وحاشيتهم . ويقول نزار عن البساطة الشعرية التي اتبعها في قصائده : (لن أضع الغليون في حلقي وأستعمل مصطلحات النقد الحديث لأثبت لكم أنني مثقف كبير والثقافة لاتتناقض مع بساطة التعبير والبساطة لاتعني أن تكون بهلولا أو سطحيا أو أميا فبأمكانك أن تكون بسيطا وجميلا في نفس الوقت أنا شاعر بسيط أقولها بكل قوة لأنني أعتبر البساطة مصدر قوتي منذ عام 1944 وأنا أشتغل على معادلة لتحويل الشعر العربي ألى قماش يلبسه الجميع وشاطئ شعبي يرتاده الجميع وقد نجحت . ومنذ عام 44 حلفت أن لايبقى مواطن واحد في الوطن العربي يكره الشعر أو يستثقل دمه أو يهرب من سماعه أو قراءته وانتصرت .) ويمكنني أن أدعي أن نزار قباني تعلم أن يقول شعرا للناس بدون وسطاء أو مترجمي طلاسم فدخل قلوب الناس لبساطته وعمقه في آن واحد فانهمر كما ينهمر المطر في الأرض العطشى .
ولا يمكنني أن أنسى ماكتبه نزار قباني في حق زوجته ( بلقيس ) حين سمع بمقتلها في حادث السفارة العراقية في بيروت عام 1881 واعتبرها الكثيرون من أجمل قصائد الرثاء في الشعر العربي حيث خصص لها كتابا خاصا وأسماه ( قصيدة بلقيس ) قال في بعض أبياتها :
بلقيس ..
كانت أجمل الملكات في تأريخ بابل
بلقيس ..
كانت أطول النخلات في أرض العراق
كانت أذا تمشي ..
ترافقها طواويس..
وتتبعها أيائل ..
بلقيس .. ياوجعي ..
وياوجع القصيدة حين تلمسها الأنامل
هل ياترى ..
من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل ؟
وله قصيدة أخرى في رثاء أبنه الشاب .
وهي من قصائدا الرثاء التي تضج بالألم والوجع الأبوي الحقيقي .
أن الشعر الحقيقي قنديل أخضر لايعرف كسوفا ولا خسوفا أنه أبحار دائم في عالم الكون والحياة والأنسان وحين يحترق الشاعر به ويحوله ألى جمر متوهج يأتي شعره صادقا نقيا بعيدا عن التكلف والغموض والتعقيد وهذا مافعله بوشكين وأحمد شوقي وبابلو نيرودا ولوركا ووالت وايتمن وغوته ومايكوفسكي وأليوت وبدر شاكر السياب وخليل حاوي ومحمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل ومحمد الماغوط وأنسي الحاج ومحمد الفيتوري وأحمد عبد المعطي حجازي وفاضل العزاوي وجبرا ابراهيم جبرا وابراهيم ناجي ونازك الملائكه وبلند الحيري ومعين بسيسو ورشيد سليم الخوري وجبران خليل جبران وحافظ أبراهيم ومظفر النواب وعبد العزيز المقالح والقائمة طويله وكل هؤلاء الشعراء رغم اختلاف مدارسهم وأساليبهم الشعريه ألا أنهم أبتعدوا عن قول الطلاسم والتعقيد والوحشي من الكلام الذي لاينفذ ألى أعماق المتلقي مهما امتلك من المعرفة والثقافة والأطلاع على المدارس الشعرية المختلفة وأحدهم الدكتور صلاح عدس الذي درس الأدب العربي والغربي وهاجم مايقوله أكثر شعراء الغموض والأبهام الذي لاطعم فيه ولا لون ولا رائحه وكما قال عنه أحد الشعراء :
عجبت لقوم جددوا الشعر ضلة
فجاءوا بشعر سائب متناثر
تجافوا به عن كل معنى وفكرة
كأن المعاني حجبت بستائر
ويصغي أليهم سامع الشعر قائلا
أذلك شعر أم تعازيم ساحر ؟
رحم الله الشاعر نزار قباني الذي لم يكن من هؤلاء البعيدين كل البعد عن جمال اللغة العربية وأساليبها الفنية الرفيعه بل غاص فيها واستخرج منها لآلئ خالدة . ويبقى الشاعر نزار قباني مثار نقاش وجدل الكثيرين بعد وفاته لما يحسب له أو عليه وما قاله من شعر على مدى نصف قرن من الزمن .
جعفر المهاجر – السويد .