الرئيسية » مقالات » العقل العربي في سجن رقم (1) !

العقل العربي في سجن رقم (1) !

نعم ، العقل العربي مسجونا منذ أكثر من خمسين سنة ، ليس من قبل سلطات سياسية أو قضائية .. بل من قبل سلطات اجتماعية تمتلك من وسائل القهر والتدمير ما يجعلها تمارس شريعة الغاب ، سواء بالإقصاء والتهميش والتجريح وإلصاق التهم الوهمية .. وصولا إلى النفي والقتل ! كانت تهم العمالة والرجعية توزع مجانا ببيانات دول ووسائل إعلام يسمعها الملايين .. وكلها تتصدرها اتهامات بين مجتمعات وتتصارع على صفحاتها قوى حزبية وانقلابية .. اليوم ، أضحت وسائل الإعلام المتطورة مأوى لكتابات ، واتهامات ، ومواقع تحريض ، وبيانات إرهاب ، ورسائل الكترونية للتهديد والوعيد والمشاغبات .. وإذا كان المتهمون يراهم الجميع بوضوح وجلاء سابقا ، باتوا اليوم يعملون خفية ، وبأسماء وهمية من دون أن تجدهم ! كنا ، ولم نزل نحلم أن مجتمعاتنا ستأخذ لها دورها الإنساني باعتماد العقل والتجربة والتربويات الحديثة ، ولكنها باتت تتشظى بصراعاتها الداخلية الفكرية والإيديولوجية والعرقية والطائفية والمذهبية .. وأتمنى على البعض ان لا يتهمني بسلخ الذات او جلدها .. اذ كيف يمكننا الخروج من الظلمة الحالكة ؟



العاقل المنتج لا يستطيع العيش في أوساط الفارغين والمنتفخين والمتعصبين ، ولا في أجواء المنافقين والدجالين والأغبياء.. إنهم لا يقرأون ولا يعون .. ولا يهتمون أبدا لمصائرنا .. وتجدهم يعلنون توزيع أحكام مجانية بالجملة على هذا وذاك.. الضحية من يقول كلمة حق في هذه ( الأمة )! الضحية من لا يجامل أبدا ! الشجاع هو الضحية دوما ، ويدفع الثمن غاليا .. انه الوحيد الذي يكشف التزييفات التي تصل إلى حد الجبن عند الذين لا يفقهون ولا يعقلون ، وهم في أماكنهم ليس لهم ، إلا توزيع شهادات افتراء وسفاهة ! العاقل الحقيقي من استطاع أن يعالج الأمور بوعي ، وصبر ، ودقة ، وأناة ، وتحمّل ، وطول بال ، وحسن نية ، وأن يجابه الآخرين بالحقائق مهما كانت قساوتها ، وبكل جرأة ومضاء وصراحة ، ويكتشف الأفكار الجديدة ويعلنها من دون أن يلتفت إلى هذا وذاك.. العاقل الحقيقي من يهتم بالمعلومات المؤكدة لا بوجهات النظر السطحية ، انه يؤسس علي الأولى ويحترم الثانية .. وكم نجد من موضوعات مكررة في حياة هذا العقل الشاحب ويا للأسف الشديد.. ومن المحزن أن الأجيال الجديدة في مجتمعاتنا لم يزرع عندها الوعي بالمدركات وحقائق الأشياء ، ومنطق الأمور ، ونسبية المعاني ، وتنمية التفكير ، وتلاقح العقول .. إنها تغرق يوما بعد آخر بالتفكير المطلق ، والأحكام الجاهزة بالانغلاق ! ولقد كثرت ممارسات الترديد وتعويدها على التقليد لا التجديد ، وعلى الإتباع لا الإبداع ، وانحسرت المقروءات على حساب تفاهة المرئيات ، وغدا الانغلاق سمة مستحبة ضد الثقافات الأخرى ! كما أن مجتمعاتنا باتت لا تميّز بين المعاني والتشيؤات ، ولا تعرف كيف ولدت مجتمعات معاصرة منتجة وذكية في عالم اليوم !



إن ما فرض علي مجتمعاتنا المعاصرة من أطواق باسم الرجعية والخيانة وباسم الجاهلية والتكفيرية قد زادت في خذلان العقل في مجتمعاتنا التي طوقتها الافكار التافهة والرومانسية منذ أكثر من خمسين سنة حتى غدا اليوم ، يخشي على نفسه من ظواهر لم تكن موجودة سابقا .. ومثلما عشّشت في الصدور ، خطابات سياسية ، وشعارات وهمية .. شاعت اليوم تعابير التكفير والردة والضلالة والمروق.. وكلها تكّبل العقل عن إرادته ، وتمحي سمات التفكير التي تضمنها كتاب الله ، ومنها : الموعظة الحسنة ، وتفكير ذوي الألباب ، والسماحة ، واليسر لا العسر ، والمرونة لا التشدد ، والمجادلة بالتي هي أحسن .. إن الواقع يكشف عن وجوه تختفي وراء أقنعة إيديولوجيات سياسية لا تريد العمل بمثل هذه المبادئ السمحة ، أو أنها افتقدت الحكمة والعقل ، وهي تعيش وراء جدران السلطويات المتنوعة في كل من الدولة والمجتمع وقوى الأحزاب .



السؤال الآن : هل من بدائل جديدة ؟ وما نوعيتها ؟ فالحياة تمضي نحو الأمام ، ولا يمكن إرجاع القديم إلى قدمه أبدا.. هل ستتوفر للعقل إرادة جماعية جديدة ، تعلن بكل وضوح عن أساليب مستقبلية؟ هل من بداية لزمن تشيع أنظمة التفكير الحقيقية ، وقدر من الحريات وأعمال النقد كي يكون الإنسان في مجتمعاتنا رقيبا على نفسه لا على الآخرين ؟ وألا تبقى مجرد سوريالية من المضحكات المبكيات. إن إبعاد الفكر المعاصر في مجتمعاتنا عن شحوبه يستلزم أساسا ابتعاد الناس عن العادات السيئة الموروثة ، وان يكونوا ملتصقين حقيقيين بواقعهم المضني ، لا ببهرجة التلفزيونات ، والندوات ، أو خطابات ومواعظ المتخلفين ! على من يريد استعادة العقل إبعاد الناس عن مشاعر الأحقاد ، والكراهية ، وعن الدهاليز المظلمة التي لم تجد النور أبدا .. عليه أن لا يجحد أعمال أقرانه.. وان يحترم الرأي الآخر ، ولا يبخس أية بضاعة كانت إلا بعد فحصها وتبيان مثالبها.. إن على سدنة القوالب الجاهزة والشعارات البراقة .. إبعاد الأجيال الجديدة عن التفكير السوقي ، والبضاعة الفاسدة ، والشعارات العتيقة.. عليهم الابتعاد عن العفرتة ، والزقاقية ، والابتذالية ، والمجونية ، والتكفيرية ، وكل المكسّرات بعرف العقلاء.. أن يتخلصوا من الدعايات المجانية ، والتشهيرات السيئة ، وأساليب التعتيم على الصرحاء الطلقاء الأحرار من علماء ، ومختصين ، وأدباء ، ومثقفين ، وتشكيليين ، ومبدعين حقيقيين.. عليهم التخلص من الببغاويات ، والتكرار ، والترديد ، واليات التقليد ناهيكم عن جلافة التفكير وإدانة سرقة الأفكار والمجهودات .. علينا استعادة النزعة البنائية والحضارية والمدنية التي لا سبيل لمجتمعاتنا وتقدمها وازدهارها الا من خلالها . فهل تعلمنا الدرس من كل النكوص والشحوب والذبول ؟

نشرت في البيان الاماراتية ، 5 مايو / آيار 2009