الرئيسية » مقالات » لمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة

لمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة

في كل مناسبة تتعالى أصواتنا نحيباً على ـ مظلوميتنا ـ ونرفع صور زملائنا الصحفيين من ضحايا الاستبداد وقمع الرأي الآخر في السر والعلن ..تضامنا وتعاطفا..

ونحن في ذلك لانحتاج الى الكثير من العناء لتشخيص من هو الجاني ومن هو المُجنى عليه..

وضحايا ـ قمع حرية الرأي ـ في بلداننا يتكاثرون بتكاثر وتنوع وتعدد ـ المتعسفين ـ في مجتمعاتنا .. تلك المجتمعات التي تنتج أجيالا من المتخلفين المُنتَشين بتقديس قمع الحريات أكثر مما تزدهي بميلاد دعاة الحرية!

وضحايا السلطة من اصحاب الرأي الآخر في تاريخنا كثيرون..

ومصيبتهم النازفة..قال عنها الكثيرون..وكتب فيها الكثيرون..وتاجر بها الكثيرون..وانتفع منها الكثيرون..وغاب في صخب التضليل بها الكثيرون من أصحاب الرأي المعارض للتعسف.

ولكن ماينبغي ان نلفت الانتباه اليه ( في اليوم العالمي للصحافة )..هو:
انتشار وباء ـ الصحفيين الجندرمة ـ الذي يعشعش في معظم وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية..وخاصة في بلداننا التي مازالت مكبلة بأصناف شائكة من الممنوعات .

فعلى إمتداد أزمنة الإستبداد ..مَرَّت الصحافة بأطوار مختلفة من تنوع وسائل ـ قمع الرأي الآخر ـ وأساليب إقصاء الفكر المغاير..وممارسات تصفية الصحفيين الممانعين للرأي السلطوي السائد!

وكان مطلب الصحفيين ومازال ..هو:

تحرير الاعلام من قبضة السلطة!

كي يتحرر الصحفيون من :

· سطوة الممنوعات التي تفرضها ـ ثقافة السلطة ـ !

· مفهومها الاستلابي للعمل الصحفي!

· موقفها المتشنج من الرأي المعارض!

· صورة الصحفي ـ المبغوضة ـ في عيون الحكام الكبار والصغار!

ونتيجة لأسباب موضوعية تأريخية ..بينها التطور الذي شهدته العلاقة :

· بين الدولة والحرية .

· وبين الفرد الواعي والمجتمع المتخلف .

· وبين السلطة والفكر .

· وبين رأس المال والكلمة.

· وبين الاعلام ومصير السلطة!

· وبين الناشر والمتلقي نتيجة التطور التكنولوجي الهائل وظهور الانترنت كوسيلة يصعب تكميمها ( بإستثناء ـ محضور ـ)التي تتشبث بها الانظمة المالكة للتكنولوجيا كأحد اسلحة فقئ عيون الفكر المعارض!

الا إننا نواجه اليوم وباءاً اشد خطورة من دوائر الرقابة الحكومية التقليدية التي كانت سائدة ايام الحكومات العسكرية والانظمة المستبدة التي تشطب الرأي وتمسخ الكلمة قبل السماح لها بالوصول للمتلقي..

وأعني :

انتشار ظاهرة ..الصحفيين الجندرمة!؟

الذين تنتجهم الأنظمة والحركات والعقائد والمجتمعات المغلقة ذات النظرة الاحادية للعالم..

فالأنظمة المستبدة والحركات العقائدية المتحجرة والتيارات المتطرفة والمجتمعات المتخلفة ..لم تعد بحاجة الى دوائر عسكرية للرقابة على الاعلام بشكل مفضوح ( كما كان سائداً في القرون الماضية )..في عالم أصبحت فيه ـ الديمقراطية ـ سلعة ضرورية وإلزامية للدخول الى سوق ـ التجارة ـ العالمي.

وبدلاً عن ذلك ..

وليس بالضرورة بـ فعل فاعل ـ وإنما نتيجة عوامل موضوعية ..أهمها:

· التخلف في جميع مناحي حياتنا الفكرية والتنظيمية والمادية التي أدت الى تخلف المجتمع في إنتاج ـ الرأي الحر ـ مقابل طغيان الإذعان للدجل السائد.

· تشبث اصحاب ـ السلطة (على اختلاف نوع تلك السلطات وعلى اختلاف مواقعهم ) بالـ ـ الإعلام ـ كأحد اسلحة البقاء في السلطة!

· إندفاع ـ سلطة ـ رأس المال المُستَثْمَر في الإعلام لسحق اي شاخص ـ بشري او فكري ـ يقف في طريقه ويعيق وصوله الى الربح الفاحش!

ويتكاثر بشكل مفرط انتاج ـ الصحفيين الجندرمة ـ الذين يؤدون دور البوليس القامع للرأي الآخر في المؤسسات التي يديرونها او يعملون بها..

وهم يؤدون هذا الدور القمعي نتيجة عوامل عديدة ..منها:

· انهم أُجراء وينفذون إرادة دافع الأُجور لهم.

· انهم مكبلون بالعقائد ( الدينية او الطائفية او القومية او الحزبية المعشعشة في عقولهم) البعيدة عن الرؤية للمتلقي كـ ـ انسان مفكر ذو رأي حر مستقل ـ!.

· انهم إعادة إنتاج للإستبداد الذي عانوا منه في مرحلة منصرمة..فاصبحوا الوجه الـ ـ المهزلة ـ لذلك الاستبداد بعد ان عاشوا وعانوا من طوره المأساوي!

· انهم ـ دخلاء ـ على الاعلام ..يجهلون ان الاعلام فعل مجتمعي معرفي إبتدعه الإنسان للدفاع عن حقه في الرأي الحر والمستقل ..وان لم يكن كذلك فهو صنّاجة في جوقة تقديس الطغاة!..

فالقنوات الفضائية اليوم..تستضيف ـ الرأي ـ الذي يدر لها الاعلانات!

والصحف تنشر ـ الرأي ـ الذي يرضي دافعي الاجور .

والمواقع الالكترونية تنشر ـ الرأي ـ الذي يدغدغ أهواء المُتَحَكِم بـ ـ الماوس ـ!

والجميع يمارسون دور الجندرمة لإقصاء الرأي الآخر..بغض النظر عن ألوانهم وشعاراتهم وعناوينهم التي يرفعونها على هامات وسائلهم الاعلامية..( أدركوا ذلك أم لم يدركوا ).

فعلى امتداد قرون عديدة من تأريخ النشر واجه أصحاب الرأي أشكالا متعددة من العسف وقاموا بأنواع مريرة من الكفاح لانتزاع حقهم في التعبير عن رايهم بحرية واستقلالية ..

وهم يواجهون اليوم في عالمنا .. وفي بلداننا المتعثرة بشكل خاص..طغيانا جديدا يمثله وباء ـ الصحفيين الجندرمة ـ المتفشي في جسد العمل الاعلامي.

وهذا الوباء بحاجة الى:

· تشخيص دقيق..للأسباب وللأعراض وللنتائج والتداعيات الخطيرة على جسد الإعلام وعلى مهنة الإعلاميين وعلى مكانتهم كقوة مجتمعية تتماهى مع الحرية وتحترف الدفاع عنها.

· فضح الفئات والاشخاص والمؤسسات الاعلامية ( الفضائيات. الصحف. الاذاعات. مواقع الانترنت) الخاصة والحكومية التي يستوطن فيها ـ الصحفيون الجندرمة ـ.

· عقد المؤتمرات والندوات واللقاءات بين الاعلإميين ـ الاحرار ـ لاستئصال ممارسات قمع الرأي الآخر من قبل ـ الصحفيين الجندرمة ـ.

نحن لانختلف على:

· ان من حق الصحفي والناشر التعبير عن رأيه ونشر الرأي المؤيد له عبر وسيلته الاعلامية..

· ولكن..ليس من حقه قمع وإقصاء الرأي الآخر ..

· لأن هذا الرأي الإقصائي المستشري في جسد وسائل الإعلام ..أفرز وضعاً اعلامياً شاذاً..متمثلا بـ ـ الإعلام المُغلَق ذو الصوت الواحد ـ الذي يخدع مريديه ويقول لهم مايرضيهم ..لا مايُنير الحقيقة لهم.

كما إنه أعاد إنتاج ـ إعلام الأستبداد ـ ، الذي يُصَنِّف الأراء الى محورين:

· محور الخير ..الذي يقف معنا..ويستحق التطبيل والتزمير!

· محور الشر ..الذي يختلف معنا..ويستحق الطعن والتشهير!