الرئيسية » التراث » تقاليد مندلاوية امام جكن (موسم الزيارة) ..

تقاليد مندلاوية امام جكن (موسم الزيارة) ..

تعني عبارة (امام جكن) باللغة الكوردية الذهاب الى الامام او موسم الزيارة, وتطلق هذه العبارة لزيارة الامام(باوه كرزين) تحديداً وكنيته ابو حمرة والعرب يسموه كرز الدين وهو الامام احمد بن اسحق بن هاشم بن جعفر الطيار. وبالامكان تمييز(امام جكن) عن زيارة النجف الاشرف وكربلاء وباقي الائمة الاطهار بكلمة (زيارت) بتضخيم التاء, بعبارة اخرى اذا نوى احد من اهالي مندلي لزيارة النجف الاشرف يقول (جم ارا زيارت) اذهب الى الزيارة ولكنه يستخدم كلمة (امام جكن) عند زيارة الامام كرز الدين …

ما يميز امام جكن عن زيارة باقي الأئمة هو ان الزوار ريثما يتفرغون من الصلاة والدعاء يذهبون(الشباب) الى ساحات البيوت لاداء الرقص الفلكلوري (الدبكة)على انغام الطبل والزرنا الكوردية, ويمضون في الرقص الى ما بعد منتصف الليل بسويعات. اما الكبار فيجتذبون اطراف الحديث والسؤال عن الاقرباء واحوالهم.
يبدء موسم (امام جكن) يومي الخميس والجمعة من شهر ايلول من كل عام ويبدوا ان اختيار اليوم والشهر المحددين لـ (امام جكن) قد اختير بعناية فيوم الخميس كانت تسمى(نصف دوام) والجمعة تصادف عطلة رسمية يرى فيه الطلاب والموظفون حلاً من الالتزامات الرسمية اما شهر ايلول فاختير بسبب اعتدال الطقس في فصل الخريف.
التسمية الادارية لباوه كرزين هي قرية الاحمدية نسبة الى اسم الامام ,وتتبع ناحية قزانية, لكن لا احد يستخدم كلمة الاحمدية عند الاشارة الى باوه كرزين. تطل القرية على الجانب الشرقي من وادي كنكير, سكان القرية كلهم من العرب وينقسم سكانها الى كوام (خَدَمَة الامام) ومزارعين ويمتازون بروح الضيافة والشجاعة.
بني ايوان الامام بشكل جيد حيث يوجد في مدخل الايوان حجرة كبيرة تؤدي الى الصحن الشريف حيث يوجد المرقد ويعلو المرقد قبة كبيرة طليت باللون الاخضر وتحيط بالصحن رواق من الخلف والجانبين تحيطها باحة كبيرة كانت فيها عين ماء ولكنه جف قبل عقد ونيف ويركن في احد زوايا الباحة جامع كبير ولكن بلا منارة.
قبل الزيارة بيوم او عدة ايام يشتري الزائر خروف ليذبحه لاحقاً في البيت الذي ينزل فيه وعادة ينزل الزوار في نفس البيوت التي زاروها في الاعوام السابقة ولا ياخذ اهل الدار اي مبلغ من النزلاء واذا حدث ذلك يتعرضون الى النقد من اهالي القرية, لكن النزلاء يعطون فخذ الخروف والجلد.
يحزم الزوار حقائبهم للسفر الى باوه كرزين في الاسبوع الثاني من شهر ايلول كما اسلفنا ويكون عدد الزوار لا بئس به الا ان العدد يبلغ الذروة في الاسبوع الاوسط (الوسطاني) ثم يقل العدد في الاسبوع الاخير.
لم يهتم احد باحصاء عدد الزوار الا انني اعتقد ان اكبر زيارة حدثت عام 1988 اي بعد ثلاث اسابيع من انتهاء الحرب العراقية الايرانية حيث امتلاءت البيوت بالزوار وسكن عدد غير قليل منهم خارج القرية وافترش البعض سطوح سياراتهم.
و يعد امام جكن مصدر رزق جيد لاهالي القرية – ولكنه مؤقت لا يعدوا عدة ايام من الشهر- حيث تنتشر البسطيات في كل مكان من الشارع الرئيسي للقرية .
الشيء الذي يدعوا للدهشة والروعة هو ان هذه القرية تبدوا قرية مهجورة الا من سكانها والحياة فيها مملة, والشارع المؤدي اليها يكاد يخلوا من السير ويمكن ملاحظة عدة سيارات في الشارع المؤدي الى الامام كل ساعة تقريباً, ولكن الرقم يرتفع بشكل جنوني في موسم امام جكن, بل حتى يمكن ملاحظة ازدياد عدد السيارات في الشارع الذي يربط بغداد بالامام لان كل المندلاويين الساكنين في بغداد يتوجهون الى الامام في هذا الموسم لتصبح القرية قبلة للزوار والسياح لدرجة يصعب على السائق اركان سيارته في جانب الشارع.
وبعد الانتهاء من زيارة باوه كرزين يحزم الزوار حقائبهم لزيارة الامام (حجي سف) حاج يوسف ويرجع نسبه الى عم الرسول(ص) ابو طالب, ويكنى ابو حية.و عادة ينذر الزوار لحجي سف ماعزاً وليس خروفاً, ولا احد يستطيع ان يعطيك جواباً مقنعاً على اقتصار النذر على الماعز هنا وعندما سألت احد الاشخاص عن السبب قال هو يطلب ماعز!!!
ويقع مرقد الامام على تلة فيها ينبوع وتجري مياهها الى بساتين النخيل والى الشرق من المرقد يقع صيدلية الامام, في الحقيقة انه ليس محل صيدلة يحتوي على رفوف ويزين واجهته الزجاج والاعلانات الضوئية بل انه عين ماء كبريتي مليء بالوحل الذي يحتوي على مادة الكبريت يقصدها المصابون بامراض جلدية وعند وضع الوحل على المكان المراد علاجه يشفي في عدة ايام, يقال بان هناك حية (افعى) تسبح في الصيدلية وتظهر للمريض ويلتف حوله اذا كان انسان صالح ويشفى بعد ذلك تماماً ولذلك يسمى حجي سف بـ ابو حية.
جدير بالذكر ان مجاميع ارهابية نسفت مرقد (حجي سف)الا انه اعيد بناءها من قبل الخيرين من اهل القرية.
وفي (حجي سف)تكثر الواحات الصغيرة وتزرع فيها النخيل ويستغلها الزوارليستظلوا بظلالها .
وبعد زيارة (حجي سف) يقصد الزوار الامام عباس بيجك(الصغير) لتمييزه عن الامام عباس ابن علي, ابو الفضل (ع) ويعود نسبه الى الامام علي الهادي(ع) وتوجد فيها عين ماء وغابة نخيل , ومن ثم يتوجه الزوار الى مندلي لزيارة شيخ مندلي وهو الامام عبد الرحمن بن باقر(ع) ثم التوجه الى الامام احمد بن موسى الكاظم (ع) ويسمى من قبل العامة باوه حافظ ويوجد بالقرب منه شلال يسمى بنفس اسم الامام وهناك تكون المحطة الاخيرة لامام جكن.
ولغرض معرفة سبب اختلاف امام جكن عن باقي الزيارات التقيت ببعض كبار السن ولكنني لم احصل على جواب مقنع ويبدوا انه سفرة سياحة اكثر من كونه ممارسة دينية .
الطريف في الامر هو ان اهالي مندلي اينما سكنوا حتى ولو في المريخ! سيجدون انفسهم في موسم امام جكن في( باوه كرزين) ويبدوا ان تجمعهم في مكان واحد وشعورهم بالسعادة لرؤية بعضهم البعض, هو الذي يبهجهم الى درجة كبيرة ولا يحتاجون الا الى الطبل والزرنا ليترجموا الفرحة الى دبكة كوردية فلكلورية.
امام جكن تعرض الى انتكاسة بسيطة بعد الحصار الاقتصادي الذي فرضته الامم المتحدة على العراق عام 1990,بسبب عدم تمكن بعض العوائل من تحمل تكاليف السفر من بغداد الى قرية الاحمدية, فقل عدد الزوار ولكنه عاد ليكون اكثر نشاطاً فيما بعد, الا ان هذا التقليد الجميل تاثر تاثيراً كبيراً عندما اقر احد المراجع الكبار بعدم جواز الرقص في القرية, بعد ان استشرع بعض وجهاءها حول جواز او عدم جواز الرقص الفكلوري,وجاء الجواب سلباً مما اثر على هذا التقليد تاثيراً بالغاً , ثم جاءت الاظطرابات الامنية في بغداد لتزيد الخناق على هذا التقليد.
كل التقاليد والشعائرفي العراق سارت نحو التطور بعد 9 نيسان 2003 الا ان امام جكن سارت نحو الاختفاء وهذا شيء يدعوا للاسف.
حسب اعتقادي الشخصي ان مَن استشرع لدى المراجع عن جواز او عدم جواز الرقص في القرية, انه لم ينقل روح العبارة بشكل دقيق فبدل ان يقول الدبكة الشعبية قال الرقص وهذا ما ادى الى تحريم هذا التقليد, اتمنى على اهالي مندلي اعادة احياء هذا التقليد الخاص باهالي مندلي الذي استمر لمئات السنين وان سبب تشجيعي لاحيائه هو ان الزوار لا يرقصون الرقص الذي يثير الشهوات لا بل يرقصون الدبكة التراثية النابعة من ثقافاتنا وتتماشى مع قيمنا.
يمكننا القول ان (امام جكن )هو تقليد يخص اهالي مندلي والفيليين القاطنين في بغداد وانها سياحة اكثر من كونها زيارة.
ملاحظة زيارة باوه كورزين مستمرة على مدار السنة ولكن بنسبة قليلة جداً قد لا يتجاوز الـ عشرة زائر باليوم ولكنها ترتفع في موسم (امام جكن) الى نحو مئة الف زائر.

شفق