الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الثانية والتسعون

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الثانية والتسعون

ويصف سون لباس النسوة بأنه بسيط ففي الشمال هناك القميص الملون الطويل والسراويل المكتملة تدعمها في الفصل البارد قمصان اكثر ولعل ما يدعمها لباد ايضاً وهذا هو ما يؤلف اللباس جميعاً كما تلبس عمامة كبيرة ايضاً.
ومهما يكن من امر اللباس في كردستان الوسطى والجنوبية يصبح اكثر تعقيداً ذلك ان نسوة مكري وسنه* يستمتعن بشهرة لبس اكبر العمامات من بين عمامات أية قبائل اخرى. إنهن يصطنعن أكداسا مكدسة من مناديل الحرير الملونة منحنية على الرأس. وتنتظم في الأقراط والأساور والاسماط نقود من ذهب، كما تتحلق حول رؤوسهن وهذه كلها ملامح شائعة في لباسهن وترتدي نسوة المكري السردارى وان لم يكن هذا فالـ (جاروخيه) وهي من قماش ثقيل يلقى على احد المنكبين.
والنقاب (البوشي) غير معروف في كردستان إطلاقا ولا تخفي النسوة وجوههن ابداً. ثم يذكر بالرغم من ان اللباس الذي ترتديه نسوة السليمانية كردي بطبعه لكن النمط العربي قد اثر فيه.
اما الملابس التحتانية فهي تتألف من قميص وسراويل واسعة والأقسام العليا منها مصنوعة من قماش ابيض اما الاقسام السفلية فمن مادة قماش مخطط.
وكذلك ترتدي النسوة الـ (كوا) وهو معطف طويل يصل الى القدمين وليس فيه أزرار ولا يلتقي من الامام وأكمامه غير متماسكة.
ويتألف لباس الرأس من غطاء للرأس (عرقجين) صغير مزركش ترمى عليه الـ (جمانا) وهي منديل ملون يتدلى من الخلف ويلف حول العنق غالباً (195 – 6).
اما باسيل نيكتين فيصف الازياء الكردية بأنها في منأى عن أي تأثر بالأزياء الغريبة ففي الشمال – حسب وصفه – يكون ثوب المرأة بسيطاً ويتألف من قميص طويل ملون وسروال احمر وهي تضع على رأسها عمامة كبيرة ويذكر نيكتين وصف ديكسون لزي المرأة الكردية اذ يذكر ان ثوب المرأة الكردية يشتمل عادة على سروال بشكل كيس وفوقه قميص طويل ملون فضلاً عن الصدرية الواسعة ويلف نساء الأكراد شعورهن على شكل جدائل يغطينها بقبعة مستديرة محلاة بحلي زجاجية وتحيط بها محرمة اما في المناسبات فيضاف الى هذا الزي عقد من الفضة فوق الصدر واساور في المعصم وبعضهن يحطن رؤوسهن بسلاسل من الذهب او الفضة اما في جنوب كردستان ووسطها فتصبح ملابس المرأة اكثر تعقيداً ونساء الكرد لا يعرفن وضع الحجاب ابدا على وجوههن (86 – 87). ونجد من المناسب تماماً ان نعرج أخيرا على انطباعات هانسن كونها امرأة وهي تكتب عن الازياء النسوية الكردية في مرحلة متأخرة قياساً بالمستشرقين والرحالة الذين زاروا كردستان فقد كانت زيارة هانسن كما أوضحنا في أواسط الخمسينيات أي في مرحلة متقدمة حضارياً على المراحل السابقة، وكانت المرأة الكردية قد بدأت تصافح حياة التمدن اكثر من ذي قبل.
لقد لاحظت هانسن اختلاط الازياء النسوية في السليمانية بين الاوربي الحديث والكردي (56). والزي الكردي بدوره كما شاهدته كان على نوعين السليماني والقروي، وهي عموماً ترى في الملابس الكردية النسوية شبيهاً بملابس النساء الأوربيات في القرون الوسطى في الوانها وبعض طرزها (62) وتصف قبعات او طاقيات النسوة المتزوجات التي تتدلى منها بعض أشكال الزينة، وقد جلب انتباهها كثرة ما يتدلى من طاقية زوجة (الشيخ) من مخشلات غالية الثمن (32) وهي تتساءل من أين لهن كل هذا الذهب الذي يدخل في زينتهن وتجميل ملابسهن (58) ويبدو ان هانسن كانت اكثر ميلاً الى ملابس القرويات الكرديات منها الى ملابس مدينة السليمانية وقد بدا ذلك في مناقشتها مع المترجمة الكردية التي رافقتها الى السوق عندما أرادت هانسن ان تشتري لنفسها ملابس كردية فكانت تسعى الى الأقمشة التي تصلح للملابس الكردية القروية (53).
ومما يدل على ما ذهبنا إليه انها تأسفت عندما رأت امرأتين وقد غيرتا من لباسهما القروي المعتاد الى الزي النسوي السليماني وربما كان سبب ذلك شفافية القماش الذي يكشف عن السروال اذ تذكر، لسوء الحظ انها لم تجد المرأتين يوم العرس تلبسان ما دأبت عيناها مشاهدته، لقد لبستا فستاناً شفافاً يمكن من خلاله رؤية سرواليهما، لقد لبست هاتان المرأتان القرويتان ما تلبس النسوة في السليمانية وتعدنه آخر تقليعة في الملابس (30 – 1). ومن انطباعاتها ايضاً عن الزي النسوي انه حار لم تطقه على الرغم من انها أحبته واشترته لنفسها (64).
وتصف تجربتها الأولى في ارتداء الملابس الكردية، فعندما طلبت من البنت القروية ان تعلمها كيف ترتدي ملابسها الكردية فأن الفتاة الصغيرة نزعت ملابسها وبدأت تلبس ملابس هانسن قطعة قطعة. وتقول هانسن ان ما جلب انتباهها ان هذه الفتاة استطاعت ان تنزع ملابسها وترتدي دون ان ترى هانسن جزءاً من جسمها أي بكل حيطة وحذر (64).
وقد أثارت دهشة هانسن كثرة الحلي والمخشلات التي تستخدمها النسوة كما استرعت انتباهها الخزامة المثبتة على أنوف بعض النسوة كجزء من اشكال الزينة النسوية فضلاً عن ما يتدلى من طاقيات بعض النسوة من العوائل الثرية من مخشلات باهظة الثمن وتذكر ان هذه الطاقية التي تضعها النسوة المتزوجات على رؤوسهن تجعل الرأس يبدو اكبر من حجمه وتعلق انه لا بد ان يكون من الداخل ساخناً (33).
يعبر شميدت عن إعجابه بزي المرأة الكردية اذ يذكر انه لم يسعه وهو يمر بالقرى الصغيرة أثناء الأيام التالية الإعجاب بالنساء الكرديات بمشيتهن المنبسطة وأقدامهن الثابتة الفخورة وبأزيائهن الجميلة جداً المتعددة الألوان ومعظمها طويلة الاكمام جداً حتى يمكن ان يعمل من نهايته عقدة تدفع الى الخلف وراء الظهر وهكذا ينجزن أعمالهن، والوان ثيابهن تعرف من امام العين منسجمة بشكل ما ازرق واصفر واحمر، واخضر وارجواني في كل عالمهن القاسي.
ويتحيز شميدت الى تظاهرة الألوان الزاهية ويقارن بين ازياء القرويات وبين النسوة ممن تبرقعن بالسواد في المدن (233 – 4).
الحقيقة ان التبرقع ليس من طبيعة المجتمع الكردي لكن الكرد اكتسبوه من أقوام أخرى وفي المدن فقط ويذكر شييل ان النساء في كردستان لا يتحجبن مثل النسوة من جيرانهم الفارسيات والتركيات، فالكرديات القرويات لا يستخدمن حجاب الوجه الا بعض زوجات كبار القوم واما نساء القبائل الرحل فلا يعرفن الحجاب أبدا (70).
وعلى أي حال فقد شهدت هانسن في السليمانية تعصباً لدى بعض العوائل في موضوع (العباءة والبوشية)* اذ تذكر ان من العيب ان تخرج النساء دون عباءة وبوشية ووجدت اباً كردياً في السليمانية لا يوافق على خروج ابنته في الثالثة عشرة من عمرها دون حجاب كامل ويعد العكس معيباً وتعلق هانسن بأسلوب طريف على التبرقع فهي تعجب كيف تعرف المرأة المحجبة بالعباءة و(البيجة) زميلتها الأخرى المحجبة مثلها عندما تلتقيها صدفة في السليمانية كما إنها قد لاحظت ان المرأة بالعباءة والبيجة تكون اكثر قدرة على السيطرة في الحديث مع الرجال وإننا نعتقد ان السبب في هذا هو اختفاء هوية المرأة المتبرقعة لأنها تبدو غير معروفة من قبل الرجل الذي يسمع حديثها في السوق مثلاً فتتحدث دون تردد او حرج اما اذا كانت معروفة فلا نعتقد ان التحجب سيجعلها اكثر سيطرة ولم تقاوم هانسن ضحكتها وهي ترى المترجمة الكردية التي كانت ترافقها الى احدى داوئر السليمانية وهي تشرب البيبسي كولا من تحت البرقة (البيجة) (54).
وفيما يخص التحجب يذكر ريج بعد مشاهدته لدبكة كردية نسوية، ان النساء الكرديات في بيوتهن اقل تحجباً من النساء التركيات بل والعربيات. ويسمح للرجال من الخدم بالدخول الى بيوتهن وهن لسن متحفظات كثيراً في التحجب حتى امام الغرباء. وعندما يخرجن الى المدينة يرتدين إزارا ازرق محققاً كالذي تلبسه نساء بغداد ونقاباٌ اسود من شعر الخيل ومن النادر ان يرخينه فوق وجوههن الا اذا كن من سيدات الطبقة العليا وصادفن أناسا لا يرغبن في ان يعرفوهن (202).

taakhi