الرئيسية » مقالات » الهجمات الارهابية.. معاينة مقرّبة في ما حدث

الهجمات الارهابية.. معاينة مقرّبة في ما حدث

اكثر من بصمة يمكن رصدها على سطح الاحداث الامنية التي اندلعت منذ السادس من نيسان الجاري، وذلك قبل ان نسأل (وهو سؤال يشغل الملايين) ما اذا ستستمر (او تتصاعد) وتيرة التفجيرات، ام تتراجع في غضون الايام المقبلة.
إذن صار لدينا مشغوليتان ملحتين، الاولى بصدد الجهات التي تقف وراء التفجيرات الاجرامية المتتالية (والمفاجئة) التي حصدت ما يزيد على مثتين من المدنيين وتركت المئات من المصابين والجرحى، والثانية، ما له صلة بالشوط الذي تقطعه هذه التفجيرات.
قال لي جنرال عسكري: البصمات التي تركت على الاحداث فضحت الكثيرين وبينهم من انتفع من الاثار الناجمة عن التفجيرات. قلت: ان تحميل المنتفعين مسؤولية الجريمة هي اضعف مدارس التحقيق الجنائي في العالم، وفي العراق تفتح هذه النظرية باب جهنم على مصراعيها فان الصراع السياسي بين فرقاء العملية السياسية، والسباق على السلطة والنفوذ، والتدافعات الجديدة التي افرزتها انتخابات مجالس المحافظات انتجت، جميعا، حالة من الاستقطاب تسمح بتسجيل أي هزة امنية كبيرة، مثل التفجيرات الاخيرة، كمؤامرة سياسية، او كتحد لقيادة الحكومة وهيبتها ونفوذها، من جهة، وكفرصة للقوى الاخرى التي تنظر بانزعاج وشكوى حيال استقواء تلك القيادة على شركائها في المشهد السياسي لتحريك شكاوي وتحفظات وشروط نائمة من جهة اخرى.
كان ذلك في لقاء اذاعي، ربما سمعه الكثيرون.
هذا لا يمنع الاستدراك بالقول ان حماسة ردع الارهاب وملاحقته وتجفيف مصادره تتفاوت في التعبير عن نفسها بين مركز الحكومة واطراف اخرى(كما لو انها اعفت نفسها من هذا الواجب) وكانت هذه الثغرة، من بين الثغرات الرئيسية التي تسللت منها الهجمات الاخيرة، يضاف لها ضعف تحسب الحكومة حيال نتائج المعارك الهامشية التي كانت تخوضها في مجلس النواب ومع اقليم كردستان وفي مجال اعداد القوانين والاستحواذ على الحكومات المحلية، الامر الذي خلق جوا مشحونا بالتجاذبات وانعدام الثقة، وترك القيادة الحكومية وحيدة في مواجهة التحديات الامنية، فيما الحكمة تفترض تعبئة الجميع لتكريس الانفراج الامني وحمايته من الاختراق.
في صالة الاستقبال في فندق الرشيد جلس نائبان، احدهما من كتلة القائمة العراقية والآخر من الكتلة الصدرية، قال الاول: معلوماتنا، ان الذين قاموا بالتفجيرات رجال الاستخبارات الايرانية، قال الثاني: لا اعتقد، انهم الامريكان، ثم اشتد الجدل بينهما فيما كان الناطق الرسمي باسم خطة فرض القانون يدير، من قاعة اخرى، مؤتمرا صحفيا يحمل فيه المسؤولية حزب البعث المنحل مسؤولية التفجيرات.
وإذ تلبدت الاجواء السياسية بالاحتقان جراء تسريبات اوحت بتورط منظمة بدر، العمود الفقري العسكري للمجلس الاسلامي، وشريك الحكومة الاقوى في اعمال التفجير، فقد عاشت بغداد العاصمة يومين من التوتر لا احد يعرف كيف جرى تصريفه وإرجاء عض الاصابع الى فترة اخرى، لكن الكواليس والمجالس بقيت تطحن في تلك الاتهامات بالرغم من نفيين اصدتهما تباعا كابينة رئيس الوزراء، وسرعان ما طغى حادث اعتقال المشتبه بانه ابو عمر البغدادي زعيم ما يسمى بدولة العراق الاسلامية وجرّ المشغولية بعيدا عن خطوط التماس، بل والى قلب السؤال الملح: ترى من استطاع ان يخرق سلسلة طويلة من المفارز والاستحكامات والتفتيشات والممنوعات لارتكاب هذه الجرائم، وبقيت الاشارات الرسمية، من جانبها، تدور كما تدور في دوامة.
وقبل ذلك، فان الاسابيع الثلاثة الماضية، منذ تفجيرات الاحد الدامي، ضجت بالرسائل غير البريئة، وكثر المتبرعون في اطلاقها بالنيابة، لكن ثمة رسالة واحدة من بينها جميعا تقول: افتحوا الطريق، ذاهبون الى الطائفية.
على انه من داخل المشهد الامني يمكن رصد الكثيرون من وقت مبكر ثلاث يصمات (متضامنة)على حادث التفجيرات، اولها، بصمة تنظيم القاعدة الذي اختص باعداد اشخاص محشوّين بالتبن والجهاد والرطانة، ليقتلوا انفسهم(وانفسهن) وسط مزدحمات المدنيين الامنين في طوابير العاطلين على مراكز التطوع وفي الكاظمية وديالى والموصل، فيما ضاقت حركة وامكانيات التنظيم، وسقطت الكثير من مفرداته الرئيسية وبؤره الثابتة بيد قوات الامن، ولم يكن له ان ينفذ تفجيرات منظمة وفي حلقات الاستقرار والرقابة (وبخاصة في العاصمة) من دون الاستعانة بجماعات اخرى تملك هوامش افضل في الاندساس والحماية وتهريب معدات التفجير و(استضافة) الانتحاريين.
البصمة الثانية، يمكن رصدها في فلول حزب النظام السابق المسلحة و”الجهادية” التي تختص بانشطة الدعاية والتهييج وبعض الاعمال المسلحة (اغتيالات. تفجيرات عن بعد. سيارات مفخخة) وقد تعرضت مجاميعها الى اختراقات من جانب اجهزة الحكومة، وتشرذمت، وبلغت من الهزال ما احوجها الى عمليات استعراضية (اختراقية) تعيد لها اعتبارها فوجدت ضمان ذلك في التنسيق(المرحلي) مع فلول القاعدة على الرغم مما بين الجانبين من صراع و(دم).
البصمة الثالثة التي تُركت على حطام التفجيرات تعود الى عصابات الجريمة المنظمة وبقايا المليشيات المتمردة التي ضايقها الى حد كبير هامش الاستقرار وعودة الحياة المدنية (نسبيا) في الشارع، واستقواء قوات الامن وتنامي بعض مفاصلها الاختصاصية، إذ تحتفظ هذه العصابات بامكانيات ومواقع حساسة في اجهزة السلطة، ويتمتع بعضها بحمايات ونفوذ و”مستعمرات” وتقدم خدماتها اللوجستية والتنفيذية (مدفوعة الثمن) الى اية جهة تحتاجها، وبخاصة الجهات التي يهمها نشر الفوضى وتدمير مفاصل الامن وإضعاف شبكات الرصد الحكومية، وتشير اصابع المواطنين، وبعض المسؤولين الامنيين الى حقائق مذهلة عن انشطة لافتة للجريمة المنظمة وشركائها سبقت الاحداث الامنية باسابيع، كما تشير تلك الاصابع الى اختفاء (وهروب) بعض اصحاب هذه البصمة غداة تفجيرات السادس من نيسان.
الامر المهم، ان ثمة ما يشبه “تحالف المطلوبين” او ما يسمى “صفقات اسياد الحرب” قد تحقق على سطح الاحداث الامنية الاخيرة، وقد نفذوا، من خلال تنسيق معقد وطويل الامد، كما يبدو، جريمتهم في توقيتات ومناطق محسوبة في الاثر الذي تتركه، سياسيا وامنيا، في حين كانت الجهات الحكومية الامنية قد استرخت، ولم ترصد (في الاقل) مؤشرات هذا التنسيق المبكر.
والمهم ايضا، ان هذه التحديات الامنية الجديدة كان ينبغي ان تحرك الجهود نحو اعادة تركيب ما حدث وتجعل منه درسا قابلا للبحث في افضل السبل لمنع استمرار التفجيرات.. هذا اذا كان اصحاب الشأن يعنيهم يهمهم ان يستخلصوا الدروس.
ـــــــــــــــ
كلام مفيد:
“قد لا يحول الضمير دون ارتكاب الخطيئة ، ولكنه يمنع من التمتع بها “.
ثيودور درايزر

mm14mm@yahoo.com