الرئيسية » مقالات » هوية العراق

هوية العراق

بلاد ما بين النهرين أو ما يعرف حديثاً بدولة العراق هي من الجغرافيات التي شهدت الكثير من الحروب والاقتتال والدماء إن كان في العصور والأزمنة الغابرة أو في تاريخها الحديث؛ فمن الصراعات التي كانت تنشب بين الإمبراطوريات والممالك القديمة مثل البابلية (1728 – 539ق.م) والآشورية الأولى (1813 – 1760ق.م) والثانية (1240 – 1000ق.م) والميدية (728 – 550ق.م) وغيرها ومروراً بالحملات البربرية المغولية لكلٍ من هولاكو (1217 – 1265) وتيمورلنك (1336 – 1405) والحروب أو الحملات الصليبية (1096 – 1291) وصولاً إلى الإسلام والإنقسام المذهبي والطائفي وما شهدت من صراعات دموية بين التسنن والتشييع وحتى قبل ذلك ما كانت من صراعٍ على السلطة والخلافة؛ حيث تذكرنا أمهات الكتب التاريخية بكلٍ من موقعة الجمل وهي المعركة التي “وقعت في البصرة عام 36 هـ بين قوات أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب والجيش الذي يقوده الصحابيان طلحة بن عبيد الله و الزبير بن العوام بالإضافة إلى أم المؤمنين السيدة عائشة التي قيل أنها ذهبت مع جيش المدينة في هودج من حديد على ظهر جمل، و سميت المعركة بالجمل نسبة إلى هذا الجمل” وكذلك فإن “معركة كربلاء وتسمى أيضاً واقعة الطف هي معركة حدثت في 10 محرم سنة 61 للهجرة والذي يوافق 12 أكتوبر 680 م بين قوات تابعة للحسين بن علي بن أبي طالب أول أئمة..” وبين جيش يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (خليفة المسلمين) وقتل فيها من أهل البيت وسبي نسائهم ما يتجنبه المسلمين من ذكره ويكفي أن نقول بأن رأس الحسين قطع وذهب به إلى دمشق ليوضع أمام خليفة المسلمين (راجع ويكيبيديا – الموسوعة الحرة).

أما في العصر الحديث فإن المنطقة والعالم شهدت حربين عالميتين؛ الأولى (1914 – 1918) والثانية (1939 – 1945) والتي شاركت فيها أكثر من (100) مليون جندي من سبعون دولة وبلد وراح ضحيتها من المدنيين والعسكريين ما يقارب (70) مليون نفس بشري وكذلك كانت الصراعات بين الدول تلك والتي شاركت في الحربين العالميتين للهيمنة على المنطقة وجعلها مناطق نفوذ لها وكانت بالمقابل المقاومون الأحرار وحركاتهم التحررية ومعاركهم الاستقلالية من الاستعمار الغربي بدايةً ومن ثم الصراعات التي نشبت بين الدول المستقلة حديثاً وما “حرب الخليج الاولى (English:Iran-Iraq War) وتسمى أيضاً الحرب العراقية الإيرانية (سميت من قبل الحكومة العراقية باسم قادسية صدام المجيدة او القادسية الثانية)” إلا هي نموذجاً عن تلك الصراعات والتي نشبت “بين القوات المسلحة لدولتي العراق وإيران. واستمرت من أيلول/سبتمبر 1980 إلى آب/اغسطس 1988. (و)اعتبرت هذه الحرب من أطول الحروب التقليدية في القرن العشرين وأدت إلى مقتل زهاء مليون انسان من الضحايا وخسائر مالية تقدر بحوالي 1.19 تريليون دولار أمريكي، وقد غيرت الحرب المعادلات السياسية لمنطقة الشرق الأوسط وكان لنتائجها أعظم الأثر في العوامل التي أدت إلى حرب الخليج الثانية أو كما سميت بعملية عاصفة الصحراء في 1991”. حيث أنها (أي حرب الخليج الثانية، تسمى كذلك عملية عاصفة الصحراء أو حرب تحرير الكويت (2 أغسطس 1990 إلى 28 فبراير 1991)، هي حرب وقعت بين العراق وقوات التحالف الدولي).

وكذلك يجب أن لا يغيب عن الذاكرة ما شهدتها العراق الحديث من حروب داخلية (الحرب الأهلية) ومن إنقلابات وصراعات دموية على السلطة وأيضاً الثورات الكوردية في وجه مظالم الحكومات المتعاقبة؛ منها “ثورة السليمانية في سنة (1918-1919) م وتأسيس مملكة كردستان في مدينة السليمانية بقيادة الشيخ محمود الحفيد الرزنجي وقمعت من قبل الحكومة البريطانية” وأيضاً تقول الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) بهذا الخصوص “قادت القبائل الكردية ثورة في ما بين سنتي 45 و1946 قيل إنها تلقت دعمها من روسيا، وأرسلت بريطانيا قوات إلى العراق لضمان أمن البترول.. (و)اشتراك الجيش العراقي في الحرب مع الجيش الأردني ضد إسرائيل (بعد إعلان قيام إسرائيل).. وشهد العراق في الفترة ما بين 49 و1958 الكثير من الأحداث الداخلية والخارجية المهمة مثل انتفاضة عمال شركة نفط العراق سنة 1948، وانتفاضة يناير/ كانون الثاني التي قضت على معاهدة بورتسوث البريطانية العراقية، وانتفاضة أكتوبر/ تشرين الأول 1952 التي طالب فيها المنتفضون بإجراء انتخابات مباشرة والحد من صلاحيات الملك.. (و) قاد الجيش العراقي بقيادة عبد الكريم قاسم انقلابا ضد الملك في 14 يوليو/ تموز 1958، وقتل الملك فيصل الثاني وخاله عبد الأله ورئيس الوزراء نوري السعيد، وأعلنت الجمهورية برئاسة محمد نجيب الربيعي، واحتفظ عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء بصلاحيات واسعة في إدارة البلاد.. و(كذلك) قاد حزب البعث انقلابا على عبد الكريم قاسم في 8 فبراير/ شباط 1963، وأصبح عبد السلام عارف الذي لم يكن بعثياً رئيساً للعراق، وتولى عبد الرحمن عارف -أخو الرئيس.. – الرئاسة بعد موت عبد السلام سنة 1966″م.

ويعود البعث ليقود و – “بالتنسيق مع بعض العناصر غير البعثية” – إنقلاباً جديداً في 17 يوليو/ تموز 1968، وتولى الرئاسة أحمد حسن البكر “واستطاع البكر أن يوقع إتفاقية الحكم الذاتي للأكراد فأصبح للأكراد ممثلون في البرلمان ومجموعة من الوزراء.. و(لكن) في مارس/ آذار 1974 عادت الاضطرابات مع الأكراد في الشمال والذين قيل إنهم كانوا يتلقون دعماً عسكرياً من إيران. (و) إثر تقديم العراق بعض التنازلات المتعلقة بالخلاف الحدودي مع إيران والتوقيع على اتفاقية الجزائر سنة 1975، توقفت إيران عن دعم ثورة الأكراد، وتمكن العراق من إخماد الثورة.. وفي سنة 1979 تولى صدام حسين رئاسة العراق بعد تنازل أحمد حسن البكر عن السلطة (بالأحرى إجباره على التنازل – التعليق من عندنا).. وكانت الديكتاتورية بأبشع صورها ومجازرها ومقابرها الجماعية، إن كان في الجنوب الشيعي و يمكن أن نذكر القارئ الكريم بالإنتفاضة الشعبانية لعام (1991) على سبيل الذكر وليس الحصر.

أو تلك الجرائم والمجازر البشعة التي قامت بها القوات العراقية وبأمر مباشر من القيادة السياسية والأمنية في بغداد وبتكليف من الطاغية صدام حسين لأبن عمه علي حسن المجيد (علي الكيماوي) لقيادة العمليات العسكرية في الشمال (إقليم كوردستان) حيث كانت من نتائجها الكارثية: حرق وتدمير أكثر من (4000) أربعة آلاف قرية كوردية وقصبة وإبادة ما يزيد على (180000) مئة وثمانون ألف كوردي بين مدني وقوات بيشمركة؛ منهم (8000) ثمانية آلاف من البارزانيين وعشرات، بل مئات وآلاف المقابر الجماعية والتي تضم حتى الأطفال الرضع وقد دفنى أكثرهم أحياء. ناهيك عن الضحايا التي راحوا تحت التعذيب وفي أقبية سجون الطاغية وكذلك الذين أبيدوا بإستخدام النظام العراقي للسلاح الكيماوي في حروبها القذرة ضد الكورد؛ حيث أن العالم يتذكر كارثة حلبجة وقصفها بالسلاح الكيماوي من قبل السلاح الجوي العراقي في (16 – 17/3/1988) وقد راح ضحيتها أكثر من (5000) خمسة آلاف شخص مما دفع بشعبنا الكوردي وقيادته السياسية لأن ينتفض ويقوم بالعديد من الثورات ضد سياسات النظام، منها: “(ثورة أيلول) سنة (1961-1975م) نظراً لاندلاعها في 11 أيلول 1961 بقيادة الملا مصطفى البارزاني وهي أكبر ثورة في تاريخ الشعب الكردي المعاصر من حيث السعة والقدرة النضالية والسياسية والتنظيم الاجتماعي السياسي، انتكست الثورة بعد تفاهم العراق مع شاه إيران في الجزائر يوم 6 آذار عام 1975. بتنازل صدام بموجب الاتفاقية للشاه عن السيادة العراقية لشط العرب مقابل التعاون للقضاء على الثورة الكردية في كردستان العراق وحصلت النكسة”. وعاد النظام للتنكيل بالشعب الكوردي إلى أن كانت “الانتفاضة البطلة لشعبنا في كردستان العراق في أوائل آذار من عام 1991 م وتحرير المناطق الكردية في كردستان العراق و إعلان الفيدرالية للمناطق الكردية”.

وهكذا فإن العراق لم يشهد الاستقرار وخاصةً في العصر الحديث، فها هي الذكرى السادسة تمر على تحريرها من الطغمة الصدامية وما زال البلد يعاني من الانقسام الطائفي والعرقي والحزبي وحتى العشائري، بل إنقسام على مستوى البلدة وربما الحارة أيضاً.. وبالتالي تمسك كل مكون من المكونات العراقية بهوية جزئية متمايزة و(متصارعة) مع الهويات الجزئية الأخرى، حيث هناك مستويات عدة من الصراع؛ طائفي (سني – شيعي)، عرقي (كوردي – عربي)، ديني (مسيحي – مسلم.. الخ) وكذلك حزبي – أيديولوجي (إجتثاث البعث) وذلك على الرغم من إدعاء الجميع بالهوية العراقية (الجمعية) كشعار سياسي – ويبدو أنه للتسويق المحلي – وكذلك على الرغم من التوافقات السياسية السابقة إن كانت على أيام ما كانت هذه الكتل السياسية تشكل جسد المعارضة (مؤتمر لندن أو صلاح الدين) أو توافقاتها في بداية العملية السياسية والتي تحركت بعد تشكيل مجلس الحكم من قيادات وزعامات المعارضة آنذاك. وبالتالي، وفي ظل هذه الأجواء المشحونة بالتوتر والعنف وعلى السويات الاجتماعية السابقة، فإن البلد ليس بحاجة إلى تصعيد أكثر لشحن العواطف والضرب في الخاصرة السياسية العراقية والتي تعاني من الضعف والوهن والتمزق أصلاً وبالتالي لنزيد من حالة الفرقة والتوجس من الآخر.

إلا أن للسيد نوري المالكي؛ رئيس الحكومة العراقية رأيٌ آخر وكان آخرها في مؤتمر القمة العربية الأخير في الدوحة وذلك عندما ألقى كلمة العراق و”أكد فيها أن هوية العراق العربية والإسلامية خط أحمر لايمكن المساومة عليه” مما أستوجب الرد من القيادات الكوردستانية ومنهم الأستاذ سعدي البرزنجي؛ نائب رئيس كتلة التحالف الكردستاني في مجلس النواب العراقي حيث أعتبر في تصريح له لوكالة أنباء آكانيوز بأن “وصف نوري المالكي رئيس الوزراء هوية العراق بأنها عربية مخالفة للدستور العراقي، مؤكداً أن هوية العراق ليست عربية، مشيراً إلى أن وصف المالكي في كلمته في مؤتمر القمة العربية في الدوحة بهذا الخصوص مخالف للدستور وربما أراد من خلاله التقرب من القادة العرب.. وقال البرزنجي: هذا تصرف آخر من تصرفات المالكي المخالفة للدستور ودلالة على انفراده باتخاذ القرارات..” (موقع الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا – البارتي). وهكذا فإن السيد نوري المالكي يقوم بإنقلاب جديد على الشرعية الدستورية ويخترق ما أتفق عليه بين المكونات العراقية السياسية، مما فتح الأبواب على أشده للصراعات العرقية – الأتنية وخاصةً بين الكورد والعرب.

بل أن التصريح السابق للسيد نوري المالكي يكشف عن نوازع للديكتاتورية والفردانية لدى الرجل وكذلك مواقفه الأخرى بخصوص (مجالس الإسناد) وأيضاً الموقف من كركوك والخلافات العرقية وسبل المعالجة وكذلك قضية البيشمركة وتمركزهم في المناطق الكوردستانية الغير ملحقة – بعد – بإقليم كوردستان وغيرها من المواضيع العالقة بين المركز (بغداد) والإقليم في العاصمة هولير كقضية النفط والعقود المبرمة من قبل حكومة الإقليم، فإنها جميعها (أي تلك القضايا العالقة) تخلق نوع من التوجس لدى الشعب الكوردي وليس عند القادة السياسيين فقط وتعيد إلى الأذهان سياسات وقرارات الحكومات العراقية السابقة وخاصةً بعد أن تكون قد تخطت (أي تلك الحكومات) سنوات ومراحل ضعفها لينقلبوا على إتفاقياتهم مع الشعب الكوردي ويظهروا له (ظهر المجن) وتكون بداية مرحلة جديدة من الصراع الدموي بين الحكومة وحركة التحرر الكوردستانية والتي نأمل أن نكون قد تجاوزناها من خلال الديمقراطية الناشئة والتي تعيشها العراق.

ولكن وبعد ست سنوات من التجربة العراقية الفتية وما يعاني منه الساسة العراقيون من تمترسٍ خلف أيديولجيات كلاسيكية (قومية ودينية طائفية) ودفع البلد إلى المزيد من الأزمات والإختناقات السياسية وكذلك فإن هذا الضخ الهائل من الخطابات العنصرية القومية (عروبة العراق) وتناسي الهويات الأخرى أو محاولة القفز من فوقها، فإنها سوف تؤدي – برأينا – إلى المزيد من العنف والتوتر وليس الإندماج والتقبل من المحيط العربي كما يتخيله السيد نوري المالكي؛ حيث بدايةً ومن خلال التصريح السابق لرئيس الحكومة هو إنقلاب على الدستور العراقي وتفرد بإتخاذ القرارات مما يعيد إلى الذهنية العراقية مآسي ديكتاتورية النظام السابق وتعطي دفعاً معنوياً للتيارات والأحزاب القومية العنصرية البعثية أن تفكر من جديد بإحياء أجندتها السياسية في المنطقة وها هو أحدهم يكتب: “ان من يريد حقوقا اكثر من العراقيين الاخرين عليه ان يبحث له عن وطن وحقوق في تركيا او ايران او سورية او روسيا!” (مقال يحمل نفس العنوان للدكتور أيمن الهاشمي – كاتب واكاديمي عراقي ومنقولاً عن السياسة الكويتية). وليس من المفارقات أن يلتقي هؤلاء جميعاً في دعوتهم للكورد لأن يرحلوا عن (أوطانهم) كما طلب ذلك السيد رجب طيب أردوغان في إحدى خطبه العصماء من الشعب الكوردي في الإقليم الشمالي لكوردستان؛ حيث في الفهم السياسي لهؤلاء بأن الجغرافية السياسية لهذه البلدان هي حسب التعريف والفكر القومي العنصري الذي يحملونه ويحلمون به في مخيلاتهم المريضة بالتعصب وعلى أن تلك الدول والبلدان ذات لون وطبيعة جيوسياسية واحدة وبالتالي تأتي فكرة رفض وعدم قبول مفاهيم الفيدرالية وحق تقرير المصير للشعوب من هذا الفهم المنقوص لطبيعة بلدانهم والأقاليم والشعوب التي تكونه وتجسده على أرض الواقع.

حيث أن العراق، وكما هو حال معظم دول العالم إن لم نقل جميعها، بلد متعدد الأديان والمذاهب والطوائف والعشائر وكذلك الأعراق والأقاليم وبالتالي فهو متعدد الهويات ولن يرضى مكون من المكونات أن يخسر هويته في حالة إبتلاع من قبل الأغلبية وهويتها الطاغية. وهكذا فإن الكورد لن يقبلوا بالهوية العراقية العربية إلا للإقليم العربي وعندها سوف يبرز الهوية الكوردستانية لدى الكورد وعلى حساب الهوية العراقية ونكون بذلك عدنا إلى المربع الأول من الخلافات والصراعات السياسية ولذلك وكما طرحتها القيادة السياسية الكوردستانية فإن أفضل الحلول لهذه القضايا العالقة هي بالعودة إلى الدستور؛ كونه مركب النجاة والذي يضم كل العراقيين وآمالهم وطموحاتهم وكذلك حقوقهم وواجباتهم بين جنباته.. ولكن يبدو أن الدستور قد أصبح في خبر كان لدى بعض القادة في بغداد وأولهم السيد نوري المالكي؛ رئيس الحكومة والذي يتوجب عليه أن يكون هو أكثر الحريصين عليه، كونه يمثل الواجهة السياسية والدبلوماسية العراقية بكل مكوناته وليس مكون دون آخر وهو بذاك – وبرأينا – يدق أول مسمار في نعش الديمقراطية العراقية الناشئة.

هولير – 4/5/2009
Pir1963@gmail.com