الرئيسية » الآداب » أبدا تشدوا النوارس

أبدا تشدوا النوارس

في يوم مضى بوغتنا جميعا بفرقة نسوية أدهشت أمسيتنا التي كانت ضمن فعاليات أيام الثقافة العراقية التي يقيمها نادي 14 تموز الديمقراطي العراقي في ستوكهولم.

نهاية الحفل كنت أراقب ردود فعل الجمهور. كانت هناك مفاجأة بدت مثل برق سماوي سطع ليضيء القاعة، نشوة غريبة فاتنة، عطر نباتات قد نمت في بساتين العراق، شعرنا بهديل الأرض يخفق فوق سماء القاعة، صوت شلال وديع يتهدل رويدا رويدا في نسغ الروح…ضجت القاعة بتعابير فخر وإكبار.

بعد تلك الأمسية وضعنا أيادينا فوق القلوب وجلا وخوفا.. وتسائلنا.أتستمر التجربة.. أتعيش هذه الفرقة الباسلة لتقدم لنا أغان اللون السماوي والماء العميق الهاديء فتبهرنا برشاقة النغم وأصالته.تؤوب ثانية ساحرة مبهرة أم تراها…؟!.

فنحن أمام تجربة فريدة وبالذات في أرض ستوكهولم .. في جو لا يخلوا من شكوك وأشواك.

وكان الجواب على خوفنا وشكوكنا. قدرة فريدة لم تكن معنية بكل هذا وذاك ..إصرار وعزم ينتزع من ظنوننا أي شكوى وشكوك.

كان للأخت بسعاد عيدان أم كفاح والنوارس الباقيات حكاية أخرى سطرن بها أمثولة لنسوة قدت قلوبهن من حب متماسك كلوح قرميد. صبر وطاقات تبهر العقل والروح.

وهاهن مساء يوم 3 / 5 / 2009 وبإصرار، كان لهن حديث مختلف..شدوا من نوع أخر … يفاجئننا من جديد.. فقد ضمت الفرقة لعضويتها نوارس أخرى .. نوارس ألق وضوع ورود فواح. يحملن ذات الحمية والحميمية .. يواضبن على اكتساب الجودة ونسج العقد البلوري بتؤدة وصبر.. وضعن خطاهن بثبات وبسالة ومهنية واعتزاز بالذات، بقيادة المايسترو علاء مجيد الذي أدهشتنا حرفيته ومهنيته وبدت طريقته التعليمية وبهذه الفترة القصيرة وكأنما السحر.. وها هي الفرقة تنمو بنوارسها بثقة وقدرة نادرتين.

يقال في البدء كانت الكلمة ..وأنا أقول في البدء كان الصوت وكانت النغمة وليس سواهما.

خرير الماء..رشاش المطر.. حفيف الأشجار … هسيس السعف .. هديل الحمام..أصوات الطيور وغنجها ..كل ذلك يشدوا ليفعم الكون بالأناشيد .. هذا ما حدث. فقد أنشدن وغردن شدوا وهديلا وخريرا وحفيفا وعشقا ولوعة. غنين العراق خضرة وماء والتياع ومحبة. هديلهن كان مثل حمامات النخيل المطوقة. ووجوههن فرحة تشع أملا وتنتظر يوما موعود، يفرش فيه الناس قلوبهم فوق الأكف ببراءة وطيبة، ليتبادلوها طمأنينة وسلام ودعة. للمحبة فاضت حناجرهن وجدا، حلقن فوق الحضور الكثيف الذي ملأ القاعة وفاض. بهرننا برشاقة النغم واصالته. عزفت صناجتهن ألحانا اختلفت عن سابقاتها لحنا وأداء ..دربة ودراية. مداد عاطفة أخاذة ساحرة ومبهرة بعثت فينا ثمالة عشق وبهجة دون نهايات.

ارتعشت أجنحتهن ورفرفت بحنو في سماء القاعة، تغني في الأغباش فوق دجلة الخير ..تشدو عذب ألحانها لتسفحه عند موجات نهرنا الخالد في ذاك الفجر السماوي الدافق. ترطم ضفافه المعشوشبة بحياء ووجل كي لا توجعه. جادت أصواتهن وصدحت لمرور الحبيب تحت ضوء القمر الفضي وهي تطرفه بغنج وتقول أي عمل لي غير انتظار قدومك لأرى الفرح وأخطفه من ثغرك الباسم.

كانت أغان مطلية ببريق فاقع يبث عطر ورود مبهج، رونقها يطش رياحينه مثل ألوان فراشات يدسها بين طيات أرواحنا، فوقفنا أجلالا نفرك قلوبنا قبل أيادينا تصفيقا وحبا وإكبارا وتبجلا.

كان هناك الفرح المبثوث بين حكايات ملونة بالحب عند ضفاف وبيوت ووجوه وأزقة وأسواق عشقناها بجنون ووله وحزن يخالطه فرح مكلوم أبدا.

فلنوارس دجلة باقات ورودنا نضعها تحت أقدامهن أجلالا واحتراما