الرئيسية » مقالات » عيدك للشعب . . افراح وآمال !

عيدك للشعب . . افراح وآمال !

عندما وصلت سيارة الأجرة التي استقليّناها الى بغداد، الى سيطرة ” الدورة ” عصر ذلك اليوم ، كان من الواضح ان الأستعدادات و المظاهر العسكرية في بغداد ، قد ازدادت كثافة بالمقارنة مع وقت مغادرتنا ايّاها، و كانت التفتيشات اكثر دقة ، عند السيطرات التي ازداد عددها عن السابق . .
و فيما كُنّا نغادر السيارة قرب ساحة المتحف مقابل ” المحطة العالمية ” قبيل الغروب ، شاهدنا رتلاً طويلاً من محتجزين وسجناء ، كانوا يسيرون اثنين اثنين بجامعات يد جمعت كل اثنين معاً . . كانوا حليقي الشعر و بملابس صيفية غلب عليها اللون الخاكي و الأبيض المترب، و كلّ يحمل مايشبه الكيس الذي ضم حوائجه . .
و كان عدد من المعتقلين المساقين ، يلوّحون باليدين المكبلتين معاً الى عدد من العوائل التي تجمعت لرؤية و وداع ابنائها، فيما بدى على قسم من العوائل الإجهاد والتعب من طول الإنتظار . . وفجأة لاحت لنا السيدة الموصلية ” زكية ـ ام نزار ” التي جاءت مع ابنتها و خطيبة ابنها البكر الملازم اول ” نزار ” ، لرؤية ابنها الذي فقدت كل اثر عنه منذ يوم الأنقلاب !!
و فيما كانت الوالدتان الجارتان لسنين طويلة مضت . . تتعانقان ، و كانت ست ” زكية ” التي بانت على وجهها غضون حادة عميقة بشكل مبكر تقول بلهجتها الموصلية بانكسار :
ـ عسى ان يسعفنا الحظ هذه المرّة و ارى ابني الحبيب ” نزار ” . .
صاحت ابنتها مقاطعة ايّاها :
ـ امّاه ها هو . . ها هو . . ها هو نزار !!
و نادت على صفّ المعتقلين بصوت اعلى : نــــــــــــــــــــــــــزار !! نــــــــــــــــــــزار !!
التفت الملازم نزار الى مصدر الصوت المنادي عليه و كأنه كان ينتظره ، و ردد و هو يُجبر على الإسراع بالسير فيضطر ان يدير رأسه الى الجانب ثم الى الخلف :
ـ امّاه . . بخير ! بخير !! سلّموا ع الوالد !! ـ و بنظرة خاطفة الى خطيبته التي كانت عيناها تلتمعان بشدة و كأنهما كانتا تصيحان . .
صاح مخاطباً ايّاها : سنلتقي . . سنلتقي !!!
وصاح رفيقه بالجامعة :
ـ خبّروا اهلي بـ ” الدوّاسه ” (1) . . كوركيس حنا بخير !!!!
. . . .
لم يكن واضحاً الى اين يُساقون ؟ هل كانوا يساقون الى نفس درب ” قطار الموت ” ام هل كانوا تكملة له ، لم يعرف احد سوى انهم كانوا يساقون الى قطار متّجه للجنوب و كان القطار ينتظر على سكّة خارجية لا تنتهي كما تنتهي السكك عادة عند ارصفة محطة الركاب ، حيث كان المعتقلون يساقون تحت حراسة عشرات المسلحين من الحرس القومي، ومن الجنود و المراتب الذين كانوا يبدو عليهم التعاطف مع العسكريين المعتقلين و المساقين ، و كان ذلك واضحاً من تسلّط افراد الحرس القومي و سلاطة لسانهم و شتائمهم البذيئة في تعاملهم مع الجنود المسلحين المكلّفين باعمال الحراسة و المرافقة معهم .
. . .
. . .
و رغم عدم نجاح انتفاضة معسكر الرشيد . . فإنها تسببت بتصاعد معنويات العسكريين المعتقلين و اكّدت لهم . . ان هناك من ينتظرهم و يعمل لهم ، و من جهة اخرى فإنها تسببت بتزايد آمال الناس بان زمن الخلاص من الإرهاب قريب !! و كانت تتناقل بلهفة اخبار الحزب سواءً بياناته التي اخذت تقّل بسبب احتراز منظماته . . او الأخبار التي كانت لاتنقطع عن نضال وحداته و رفاقه البيشمركةالأنصار في جبال كردستان ، وفي ارياف الفرات و الجنوب . . . من ناحية اخرى تصاعد القمع الوحشي و تواصلت الإعتقالات على وتيرتها و باساليبها الوحشية الأولى ، رغم اطلاق سراح بضعة آلاف من الذين اعتقلوا في الشهور الأولى .
. . .
. . .
في حوالي اواخر آب 1963 اعلنت اذاعة (صوت القوات المسلحة من بغداد) عن ( اعدام المجرمين جمال الحيدري و محمد صالح العبلي و عبد الجبار وهبي ، بتهمة الإخلال بأمن و سلامة المواطنين ، وفق المواد . . من قانون العقوبات البغدادي) . . و تسبب ذلك الأعلان بحالة حزن و الم جديدين، كانا واضحين في الأحياء الشعبية . . لقد كانت الناس تعرف ان الشهداء الثلاثة ، كانوا هم المركز القيادي في بغداد حتى ذلك الوقت!! المركز الذي واصل العمل بجسارة و سريّة كبيرتين و بوجود و حضور كانا يحملان الف معنى و معنى . . للشعب من جهة ، و للأنقلابيين المتنمرين من جهة اخرى !
. . .
. . .
لقد اتّسعت فضيحة حكم البعث عالمياً . . بنشاط منظمات الحزب و اصدقائه و مؤازريه الذين كانوا يوصلون اخبار و احوال الشعب العراقي و انينه و تحدياته ، و لعبت اذاعة ” بكيّ ايران ” العائدة لحزب ” توده ايران ” دوراً هاماً في حملة التضامن و في نشر الأخبار اليومية التي كانت اوساط واسعة تتناقل اخبارها، التي لعبت دور المشجّع و المساعد على لمّ الصفوف . . رغم سريّتها و بثّها الذي لم يكن يتجاوز العشرين دقيقة بعد ظهر كل يوم ، و رغم التشويش الذي كان يطغي عليها . . الاّ ان الناس كانت تسمعها و باقصى درجات التكتم !!
في وقت اخذ فيه الأستياء مما قام به بعث 14 رمضان من مذابح و جرائم شنيعة ، اخذ يعمّ الأنظمة العربية التحررية و غيرها . . لأن ما قام به في تصديّه للحزب الشيوعي و محاولته الغبية لإنهائه . . ادى به الى الدخول في معركة اخذت تتسع لتشمل اوسع فئات و طبقات المجتمع و قواه ، الأمر الذي اثار انواع المشاكل و الأزمات بين فئات الشعب وصولاً الى افراد العائلة الواحدة بسبب الأستنكار و الرفض لأعماله . .
. . .
. . .
لقد ادّت سياسته الإجرامية تلك اضافة الى فشل مشروع الوحدة الثلاثية الذي اريد له ان يكون
( ثورياً ) ، الى انه لم ينتج الاّ علماً واحداً ثلاثي النجمات ، و انهار مشروع البعث في ( الوحدة الفورية) الذي كان يزايد به . . تحت طائلة جرائمه ، و وصل الأمر الى ان دولتين عربيتين منه غيّرت اعلامه ـ اعلام المشروع ـ (2) ، عدا الحكومة العراقية حتى اللاحقة منها ، لأنها لم ترَ فيه الاّ علماً لمعاداة القوى الديمقراطية و الحركة التحررية الكردية ، لأنه مثّل سياستها . .
و استمر الصراع على كعكة الغنائم الدامية ، وعلى الزعامة . . فيما تزايدت لقاءات الأقطاب و وصلت الى ان تكون زيارات مكوكية و لقاءات . . في بغداد و دمشق و القاهرة . . عفلق ، زعيّن ، حازم جواد ، علي صالح السعدي ، ممثلين عبد الناصر . . عارف . . وسط حماسيات و تهاليل اذاعة بغداد
آنذاك بـ : ” وطن تشيّده الجماجم و الدم تتحطّم الدنيا و لا يتحطّم ” و اغاني . . ” امجاد . . يا عرب امجاد !! ” ، ” جيش العروبة يابطل الله معك !! . . ”
. . .
. . .
بدء احتكاكات اخذت تتصاعد و وصلت الى الإصطدام المسلّح ، بين القوات المسلحة الحكومية و في مقدمتها ” الجيش العراقي ” . . وبين قوات الحرس القومي التي صارت تتسلح بالسيارات المدرّعة و الدبابات و فرضت قراراً بان يكون عدد من طائرات القوة الجوية تحت امرتها . لقد عبّرت وحدات الجيش عن تذمرها من قيادة شباب طائش متهوّر يسوقوها بقوة القرار الحزبي لضرب الشعب و للأنتقام من ضباطه و مراتبه الوطنيين ، و بدأت حلقات الضباط تعبّر عن تزايد المخاوف من انفجار الوضع بسبب الظلم الذي لا ينتهي . .
الأمر الذي ادىّ الى تجاهل اعداد من الضباط للأوامر المعطاة لهم ، مستفيدين من اهتزاز السيطرة الحزبية ، الذي سببه التطاحن بين قيادتي سوريا و العراق للبعث و محاولة اطراف لتزعّم البلدين (الموحدين) و اصرار اخرى على ( النهج القطري) الذي زاد من انعزالهما عن قيادة ” عبد الناصر ” و عن الجامعة العربية . .

لقد مرّ الأسبوع الأول من تشرين الثاني 1963 قلقاً، و قد حمل مخاطر حقيقية اضافية على كل الناس لأن اجنحة بعث 14 رمضان كانت لاتبالي بارواح المدنيين ولا بالنساء و الأطفال و الشيوخ في صراعاتها المسلحة في الشوارع . . اجتماعات قيادة قطرية تحت فوهات الرشاشات التي حمت جناحاً اراد فرض رأيه بالسلاح على المجتمعين . . تطويق المجتمعين كلهم بقوات مسلحة اكبر بالرشاشات و الدروع . . مناورات بطائرات حربية بالذخيرة الحية بقيادة قائد قوات الحرس القومي لأثبات الوجود و للقيام بعرض عسكري جويّ اريد به الإعلان عن الأستعداد لعمل عسكري قد يصل الى قصف المجتمعين جميعاً ان لم ينصاعوا !!
. . .
. . .
لقد تكّسر التحالف غير المقدس الذي ساروا عليه بشعار ” يا اعداء الشيوعية اتحدوا ” الذي اعتبر كلّ عمل تقدمي و انساني و نقابي منظّم بكونه من ( صنع الشيوعيين) ، و كان عاقبة كبيرة لكل البلد من جهة، و لمن خرج عن الإجماع الوطني، الذي حطّم الحركة الشعبية المنظمة و النقابات و الإتحادات و الروابط الطلابية و النسائية . . و تسبب بتشريد وقتل المفكرين و العلماء و الأدباء و سياسيي البلد و وجوهه الإجتماعية . حيث ولأول مرة في تأريخ البلاد السياسي تمت تصفية النقابات والمؤسسات الشعبية
و الجماهيرية ، على يد حزب عراقي كان الحزب الحاكم الأول الذي حكم باسم سلطة حزب . . حين جعل البلد عارياً من دور الجماهير المنظمة ، فاتحاً بذلك الباب على مصراعيه لشركات النفط التي موّلت الإنقلاب ، كما ورد على لسان قادته ذاتهم !!
. . .
بعد عدة دورات و قصف لمقاتلات من الطرفين ، كان اوضحها قصف طائرات القوة الجويّة العراقية للمقر العام لقوات الحرس القومي الواقع قرب ساحة عنتر . . حين اعلن راديو بغداد في 18 تشرين 1963 . . . نجاح الأنقلاب العسكري الذي قام به ( . . جيشكم العراقي الباسل ضد فئة ضالة عاثت بالبلاد و الجيش فساداً . . ان تنصروا الله ينصركم و يسدد خطاكم . . التوقيع رئيس الجمهورية و القائد العام للقوات المسلحة المشير عبد السلام عارف )
لقد استسلمت قيادة بعث 14 رمضان . . بترتيب اوضاع و تسفيرات بالطائرات سرّاً ، باستلام و تسليم ، بلا مسائلة و لامحاسبة و لاتحقيق . . في تأكيد جديد على ان هدف ” شركات النفط ” كان الإجهاز على حكم الجمهورية الأولى الوطني، بالقضاء على زعيمها ، و انها توقفت عن الأجهاز الكامل على الحزب الشيوعي العراقي ـ كما خططت ـ لأستحالته ، ووافقت على تحجيمه بعد ان ضربت قيادته و انزلت خسائر جسيمة بمنظماته و وجوهه و عضواته و اعضائه ، و بوجوه البلاد الوطنية و الديمقراطية ، و اعتقلت و عذّبت عشرات الآلاف رجالاً و نساءاً ، سقط اثرها آلاف الشهداء . . و كان البعث بسلوكه ذلك لم يكن اكثر من اداة حققت لها اهدافها ، التي بتحقيقها انتفت الحاجة اليه . .
. . . .
و قد صدر امر رئاسي بحل قوات الحرس القومي و ( . . على افراده تسليم اسلحتهم الى اقرب مركز للشرطة، لمدة لا تتجاوز اليومين خلال ساعات منع التجوّل، والاّ فان المخالفين سيواجهون اقسى العقوبات !! ) . . ترامت رشاشات البورسعيد و البسة الحرس القومي في الشوارع خلال ساعات منع التجوّل، لخوف غالبيتهم من تسليمها حضورياً ، لخوفهم و خوف حتى ذويهم من تكليفهم بتسليمها الى مراكز الشرطة، و اخذت دوريات الشرطة والجيش تجمعها ، و وصفت تلك العملية بكونها جزءً من جوهر عملية ” استلام و تسليم السلطة ” ، بواجهة ” انقلاب عسكري ” .
و كانت نهاية حكمه بعد ان انتهت مهمته التي رسمت من جهات اعلى ، رتّبتها على اساس و مقاس (عقائدي) . . لتحقق اهدافاً عدة اضافة الى ماذكر ، فانها بدأت صفحة دموية في صراع القوى الوطنية . . على اساس ان يكون الحاكم ” حزب ” ، بما يتناسب مع ظروف المنطقة و القوى العظمى آنذاك، و يحافظ على العراق كـ ” مغرّد خارج السرب ” .
. . .
. . .
السلطة العسكرية الجديدة سرّبت اخباراً عن فضائع الحرس القومي، لكنها لم تقم بتحقيق و تدقيق اصولي لتقييم ماجرى بحق الشعب، لكنّها دقّقت و حققت و عاقبت من نهب او استولى على ( اموال العسكريين و الموظفين الكبار و كبار التجار في الإدارة الحاكمة الجديدة ) . . الاّ انها اطلقت سراح عدد ملموس من المعتقلين فيما احيل عدد آخر الى محاكم حكمتهم حكماً بالسجن، في دورة معقدة جديدة . .
و بعد ان كشف مصير اعداد من المناضلين تبيّن ان نخبة كبيرة من مناضلي الحزب الذين قضوّا جل حياتهم في السجون اعلن عنهم رسمياً (امواتاً او مففقودين ) و كان بينهم ابن عمي الشهيد الصحفي ” عدنان البراك ” الذي تواترت اخبار العوائل المناضلة عنه بأنه نقل مع مجموعة من المناضلين وهم بين الحياة والموت منهم الشهداء عبد الرحيم شريف، نافع يونس ، ابراهيم الحكاك و غيرهم ـ وفق جوهر ماتواتر حينه ـ و انهم دفنوا في منطقة الحصوة . . . اضافة الى ( الإشارات التأكيدية) لمركز شرطة الحارثية الذي صار هو مركز الشرطة المحالة اليه قضايا مسلخ قصر النهاية ( الرحاب سابقاً ) !! بعد اغلاقه بعدئذ ، بعد ان وردت الأخبار عن وفاة اخيه المناضل ” يعرب البراك ” في ظروف غامضة في الخارج، توصّل الى انها كانت من تدبير عصابات البعث ، وفق تأكيدات الأقربين (3).
. . بخسارة عدنان . . اهتزّت العائلة !!
لم يكن عدنان لنا ابن العم فقط . . . و كنا نتساءل هل كان عدنان عمّنا اخا والدنا الشقيق ، لتقاربهما بالسنّ ؟ لماذا احببناه و تعلّقنا به بذلك الشكل ؟ . . من هو ؟ ومن كان لنا ؟ لماذا كنّا نتسمّر في اماكننا عندما كان يمرّ ذكره ، و هو في سجون العهد الملكي ؟ !! ثم عندما كنّا نتحدث معاه و هو خارجه ، سواء في بيت ابيه او بيته او في حياة اختفائه اللاحق . .
هل لأنه كان ملجأنا الموثوق الوحيد عند اختلافنا مع ابينا، وعند غضبه لحرصه علينا ؟ هل لأنه عندما كان مطلق السراح، كان السبّاق لمساعدتنا في كل محنة مرّت بها عائلتنا حينها . . من محاولة قتل ابينا، الى تشريدنا . . بعد ان بدأوا بحرق دارنا بغياب والدنا ، حين وقفت المحلة كلّها معنا نساءً و رجالاً و هم يحملون جرادل المياه لأطفاء النيران الهائجة، التي هيّأوا لإشعالها منذ ان بدأوا بسكب النفط الأسود على الباب الخشبي للبيت و على طول القار الممتد على عرض البيت الشرقي البناء، و لأكثر من مرة . . في الأيام التي سبقت ذلك الحريق !! لماذا صار و كأنه ملاك رحمة في النوائب ، لنا . . ؟!
كان ” عدنان ” كلّ ذلك و اكثر . . كان المثال الذي جعل لحياتنا معنى . . المثال الحي لقضية عادلة خالدة قضية الخير و حبّ الناس ، قضية الوقوف مع الحق و من اجل انتصاره . . كان و بمثاله النبيل و كأنه العلامة الدالة في العائلة على الحياة الإنسانية . . من اجل الخير و الحب و الأستعداد للعيش من اجل الجميع و معهم . . من اجل حياة يسودها العدل و المحبة و تقدّر فيها حرية الشعب و مُثُله، من اجل تلبية مطالب الأحاسيس الإنسانية البعيدة عن اللمس و الرؤية و الأرتقاء بها ، المطالب التي حساب ربحها و خسارتها لا يمكن ان يقارن بالصفقات . . و لا بالمنافع الفردية كغاية .
لقد انتقموا منه لأنه لم يكن سياسياً و صحفيا لامعاً فقط و انما لأنه كان مناضلاً باسلاً ممن نالوا لقب ” السجين الثوري ” بجدارة . . ففي سبيل مبادئه اضطر الى ترك دراسته في كلية الطب ليقضي حكماً بالسجن الثقيل عام 1948 والذي لم يتحرر منه الاّ في ثورة 14 تموز 1958 . . ليضطرّ الى حياة الإختفاء و الى قطع دراسته القانون عام 1961 . .
انتقموا منه ، لأنه كان في طليعة من نظّموا مقاومة انقلاب 8 شباط التي دعت لها جماهير المنطقة و بدفع منها اثر ردود الفعل الشعبية على الأنقلاب . . بمحاولة الهجوم على الإذاعة و تحريرها من يد الإنقلابيين ، حين تصادموا مع الأنقلابيين الذين اضطرّتهم دباباتهم و مدرعاتهم الى الإنسحاب و التحصّن و تواصل الأشتباكات معهم في طرقات و ازقة كرادة مريم و حي ” الشاكرية ” الشعبي الذي هُجّر و سويّت بيوته بالأرض ، بعد المقاومة التي ابدتها جماهير الحيّ . .
انتقموا منه . . لأنه استطاع ان يحافظ و يخفي اجهزة و مواد طباعية ثمينة . . كنتُ ممن ساهموا بنقلها و تسليمها للربع . . من مرآب سيارات مهمل في احد الشوارع الفرعية في ” كرادة مريم”، بعد شهرين من الأنقلاب !!
. . . .
. . . .
لتعود بي ذاكرتي الى ليلة 20 شباط 1963 حين كنت في بيت عمّي ” ابو عدنان ” لمساعدته، بعد ان خلا الدار من كلّ ابنائه و بقى وحيداً مع بناته العديدات و زوجته ” ام عدنان ” . .
ففي الساعة الثالثة بعد منتصف تلك الليلة ، طرقت الباب طرقات متواصلة بقوة !!
استيقظ الجميع، و خاطبني عميّ بصوت جاد و حنون :
ـ ابني . . تعال معي . . تعال لأريك كيف تكون الرجال !!
ذهبت معه وكان و هو بجلبابه البيتي يصيح و نحن في طريقنا لفتح الباب :
ـ يكفي طرق !! . . يكفي !!!
و بعد ان فتح الباب . . شاهدنا مجموعة من الحرس القومي ، كان عددهم اكثر من عشرة افراد مسلحين . قال مسؤول المجموعة مخاطباً عمي :
ـ تنحىّ من الباب . . عندنا امر بالتفتيش !
ـ لا احد يمر . . لقد فتّشوا البيت الأسبوع الماضي !
ـ عندنا اوامر !!
ـ لآ احد يمر . . لايوجد في البيت سوى النساء !!
ـ اقول عندنا اوامر ! اسمع !!
. . . .
تصاعد صوت عميّ جهورياً قاطعاً . . فيما كان اهل المحلّة يلاحظون و يسمعون من خلف ستائر شبابيكهم ، حين كانت اطيافهم تتبيّن في ذلك الظلام الدامس من شباط ، حين كانت الكهرباء مقطوعة عن مصابيح الزقاق . .
ـ اسمع انت !! لا احد يدخل بيتي الاّ على جثتي . . !!
. . . .
ـ ” ابو عدنان !! شوف اقول لك للمرّة الأخيرة !! ” احنا مأمورين !!
و بعد صمت للحظات اجاب عميّ بصوت متهدّج عالي النبرات :
ـ شوف ابن حافظ . . قول لوالدك ، اذا يريد يصلّح شرفه براسي، فتصليح الشرف لايتم بهذه الصورة !!
لا يوجد من اهل البيت الاّ النساء معي و هذا الصبي ابن اخي !!
وفيما كنت قلقاً على عميّ ” ابو عدنان ” لئلاّ ينالوه بسوء برشاشاتهم المصوّبه تجاهنا !! مرّت لحظات صمت قاسية . .
. . . .
. . انسحبوا !!!
لقد انسحبوا ، اثر اشارة بمصباح يدوي من طرف الزقاق المظلم . . و عدنا الى داخل البيت . . و كان الجميع صامتين بمشاعر غلب عليها الترقّب مما سيحصل في ذلك الظرف الخطير!!
. . .
قال عميّ و هو يرتّب لي غطائي و يقبّلني فيما انسابت دمعة على خدّه المتغضّن :
ـ ابني هالشكل تعلّم !! و الاّ يدوسوك بالرجلين . . ابني !!
. . .
لقد استشهد عدنان . .
. . .
. . .
و اضافة الى والدته . . بحثت عنه زوجته الشابة بشجاعة قلّ نظيرها في تلك الظروف، وكانت تحاول بكل الممكنات . . . ان تصل الى خيط يمكن ان يوصل اليه لأنقاذه ؟!! حين كانت لاتصدّق انها لن ترَهْ ابداً . . و كان لها جولات و جولات من الأصرار و التحدي في تلك الظروف الخطيرة . . مملؤة بالأمل بانها حتماً ستلاقيه ، رغم انواع التهديدات بسجنها و محو آثارها . .
فبعد ان حاول احد قادة الحرس القومي السخرية منها قائلاً :
ـ اين يلقي الشيوعيون نساءً كالذئاب بهذا الشكل . .
اجابته و باسلوبه الساخر عينه و بتحديّ اربك من كان معها محاولاً التوسط لمعرفة مصير زوجها :
ـ هؤلاء هن النساء العراقيات اللاتي . . مثلك وامثالك لايعرفون ماهيّتهن !
فجنّ جنونه و حاول اعتقالها الاّ ان ازمة صحية لازمته و انشغل الموجودون به ، ممن كانوا يعرفون مصير زوجها الذي شاركوا به ، اضافة الى نوع الوساطة التي ذهبت بها و قراباتهم ، و الظرف الملموس حينها . . ساعدت باعجوبة على افلاتها من الوقوع بقبضتهم من جديد !
و فيما تثير ابيات شاعر العرب الأكبر الجواهري المشاعر التي جسّدها الشهيد عدنان في حياته و نضاله و تضحياته النبيلة ، حين قال :
يوم الشهيد طريق كل مناضل وعرٌ ، ولا نصبٌ ولا أعلامُ
في كل منعطف تلـــــوح بليّة وبكل مفترق ٍ يدبّ حـِــــمامُ

فقد ابّنه الشاعر العراقي المعروف ” سعدي يوسف ” اواسط الستينات في رائعته ” تحت جدارية فائق حسن ” التي جسّد فيها اهم خصال الشهيد ” عدنان البراك ” كمناضل بارز من المناضلين الذين لم يعرفوا الكلل و لم يهابوا التضحيات . . و جسّد فيها خصاله كانسان . واضافة الى العشرات الذين كتبوا عنه من رفاقه المناضلين في احياء ذكراه في فترات لاحقة ، فإن ما كتبه السياسي المعروف المحامي “عبد الرزاق الصافي “، يكتسب اهمية خاصة لما عرض من تفاصيل لم تنشر و لم نعرفها سابقاً عن حياة الشهيدين ” عدنان و اخيه يعرب البراك ” . .
* * *

لقد تواصل عمل الحزب بدأب على بناء الحركة الشعبية، و على البحث عن سبل لتقويتها بنكران ذات كبير ورغم خسائره الجسيمة ، تقويتها سواء كانت احزاباً او تجمعات تقدمية ، و نقابات و اتحادات و جمعيات مهنية و جماهيرية ، و بدفع و تشجيع و احتضان فئات الشعب له و لمناضليه بأعتبارهم املاً واعداً لها . . من المطالبة باطلاق سراح معتقليه الى دعم اضرابات السجناء و احتضانها لهم و حمايتهم في عمليات هروبهم من السجون . .
واضافة الى نضال منظماته الصعب في المدن على مدى السنين ، تواصل نضاله في الريف و في مساهماته الجسورة في عمليات البيشمركةالأنصار منذ الستينات، ووصل تأثيرها الى اهوار العراق ، و تجسّدت في تصعيده من هناك ايضاً . لقد ساهمت نضالاته و نضالات رفيقاته و رفاقه ممن وضعوا و يضعون انفسهم و آمالهم فيه و في قضيته العادلة وليس من اجل مصالح آنية ضيقة ، كالمناضلين المار ذكرهم و الآلاف غيرهم . . بالتفاف اوسع الأوساط الشعبية حوله و حول فكره ، في نشاطه النقابي و الجماهيري و النسائي . . و التي لعبت من جهة اخرى ادواراً فعّالة في حملات التعريف و التضامن الدولية و الإقليمية مع الشعب العراقي و مع حقّه المشروع في الحياة و الحرية .
و يرى كثير من المعنيين ان حزباً شعبياً كهذا ، في منطقة العواصف و التقلبات الحادة، ” الشرق الأوسط ” ! والذي استطاع المواصلة و لمّ صفوفه اثر الخسائر التي تسببت بها التطورات الحادة الجارية و التي تجري، التي تسببت اضافة الى الخسائر بالأرواح و الأموال ، فإنها تسببت باجتهادات متنوعة فيه، و تجمعات و افراد لم يلبثوا ان توحدوا بغالبيتهم تحت الراية ذاتها ، التي رُسمت و تخضبّت بالتضحيات و الأمال ، بعد ان ادرك الكثيرون ان الأنقسام لا يؤديّ الاّ الى اضعاف الجميع . . فكراً و عملاً و آمالاً لا يقوم بدونها نشاط هادف.
فلم يكن مستغرباً ان يصل بدوره و تأثيره ، الى التأثير على و في اختيار نوع الحكم ، رغم جهود القوى العظمى و قوى المنطقة الأقليمية المحافظة التي انعكست في داخل البلاد ضدّه ، كي لايفلت العراق من قبضتها . . في بلد ومنطقة رُسم وخطط لها لتكون تابعة، وبُذلت جهود هائلة لتكريس تلك التبعية و بما يتناسب مع توازن القوى الدولي و الأقليمي و تقلّباته . .
و يرى معنيون و متتبعون ، ان تواصل نضال الحزب بنجاح ، نابع من سعيه و تمسّكه الدائب بالعمل من اجل التقدّم و التحضّر، و بالتعبير عن حاجات و طموحات وآمال الشعب و اوسع اوساطه الكادحة من شغيلة اليد و الفكر، من الصراع في مراحل الـ لا و الـ نعم القاطعة ! الى مراحل الصراع اللاحقة الأكثر تعقيداً في السياسة و في تطور المجتمع و البلد في دوره و ماخطط و يخطط له من القوى الدولية المهيمنة . .
مراحل لاحقة تشعبت فيها المواقع و ظروف العالم والمنطقة ، حملت الرفض لجوانب من جهة والموافقة على جوانب ايجابية تتخذها السلطات تحت ضغوط حاجات الشعب و تناقضها مع خطط التطوير المرسوم الذي لعب و يلعب ادوارا حاسمة فيه ، صراع مصالح القوى العظمى عليه ، سواءً من خارجه او بدخولها على اطرافه الداخلية و العمل على تشديد صراعاتها، للسيطرة عليها و عليه.
ان تفاعله مع مختلف الطبقات و الفئات والملل الأجتماعية و القومية و الدينية الساعية الى حياة افضل ، وخاصة الكادحة و الشابة منها ، وقدرته على استيعابها و تحويلها الى مطالب سياسية تبنّاها و نضاله المفعم بالتضحية ـ منظمات و مؤيدين ـ في سبيل تحقيقها . . جعلته مع الجماهير و في مقدمتها من جهة ، و مع عواطفها و آمالها التي وجدت فيه املا دائماً و ثابتاً . . بنجاحاته ، و رغم نواقصه و اخطائه التي لم يخفيها بل سعى و يسعى الى كشفها و معالجتها . . املاً دائماً مادامه يسعى لتلبية تلك المطالب و الآمال .
لقد خلق الحزب بعمره هذا في تاريخ العراق السياسي الحديث و القريب …. خلق اجيالاً و تفاعل عميقا في المجتمع و في نبض مكوناته التقدمية التي صارت كثيرة التنوع ، حتى صار جزءاً لايتجزأ من الحياة العراقية و ومن التراث و التاريخ العراقيين، و جزءاً هاماً في حركة التقدّم و التغيير و الحداثة في البلاد . . التي حضر و ساهم بنشاط في صنع احداثها على مر خمس و سبعين عاماً ، و استطاع بنشاطه ان يساعد على تحقيق و عي و حقوق مغيّبة ، للعمال و عملهم النقابي و على توعية الفلاحين ، وفي تثبيت حقوق قانونية انصفت المراة ، اضافة الى دوره البارز اذا ما قورن بقوى البلد ، في مجالات الطلبة و الشباب والمثقفين والفنانين والأدباء والصحفيين ، اضافة الى مواقفه التاريخية من قضية مكونات البلد القومية و الدينية و و حدتها معاً على اساس تلبية حقوقها في سياق تطورات البلاد . . رغم تنكر الحكومات لها و سعيها الى تحطيمه و الى اقصائه بقمعها الوحشي الدموي . . و خاصة في العقود الأخيرة للقرن المنصرم .
ليسجّل بكل كيانه و وجوده وبكل اطرافه ومؤازريه ، و ممن فيه وقربه و من سائراً على هدي فكره . . . تاريخا حافلا دائماً سائراً بمسيرة الشعب به ومعه ، منتزعاً وجودا قانونياً شرعيا له سواء بمشاركته بالوزيرة الفقيدة نزيهة الدليمي اثر ثورة 14 تموز عام 1958 ، ثم بوزيرين ، و كبقية القوى العراقية القومية العربية والكوردية والإسلامية بعد انقلاب 1968 . . في مسيرة شائكة في بلد عربي اسلامي من اغنى البلدان النفطية في العالم . .
ولو حسبت نواقصه و اخطائه التي اقرها و عمل و يعمل على تصحيحها . . قياسا بمسيرته الطويلة الشاقة، و بوضع وتاريخ عموم الحركة الوطنية العراقية ، وتاريخ و نواقص و اخطاء القوى الأخرى ، لكان في مقدمتها بذلا و عطاءا وتضحية و دون مقابل . . لم تكن تلك التضحيات بسبب قصر نظر او تطرّف او فكر منغلق ، و انما عبّرت عن امكانات و طموحات زخرت و تزخر بها البلاد و دفعت بها و ارادتها اوسع الجماهير . . في ظروف و موازنات عالمية و اقليمية كثيرة و حادة التّقلّب، نابعة من تكالب القوى العظمى للسيطرة عليه و لإحتكاره لها .
و في عيده الماسي ، يرى مراقبون و حريصون بارتياح الى . . سعي الحزب الى زيادة نضاله من اجل انهاء الأحتلال و التهديد بالأحتلال ، و الى تصعيد تبنيه المطالب اليومية للجماهير الكادحة خاصة، و الى تصعيد دفاعه عن الحقوق النقابية للعمال و عن الحقوق المهنية و ضد الفساد ، وسط انواع الألغام و التحديات و الإغراءات ! في الظروف الصعبة القائمة ، التي تكشف ان التوافقات السياسية على اهميتها، فانها لاتكفي ، دون الأستناد الى تلبية المطالب الشعبية ، و دون حركة شعبية منظّمة .
المجد لحزب الكادحين في ذكراه الماسية الخامسة و السبعين !
والخلود لشهيداته وشهدائه الأماجد !
(انتهى)

2 / 5 / 2009 ، مهند البراك
ahmedlada@gmx.net
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. ” الدوّاسة ” ، محلة من محلات مدينة الموصل .
2. احداها غيّرته بعد شهر واحد من الأتفاق و التوقيع عليه .
3. استشهد الأخ الثالث المناضل النقابي المعروف ” عصام البراك ” في نقابة عمال النفط ، بعملية دهس بسيارة في منطقة ” الداودي ” في بغداد ، على يد مخابرات صدام عام 1979 .