الرئيسية » مقالات » الرئيس المتوافق عليه… ليس منتخبا

الرئيس المتوافق عليه… ليس منتخبا

كل يوم ننظر نحن العراقيون إلى المستقبل بعيون ملؤها الأمل في محاولة لتجاوز الواقع المرّ و الأليم، فالتوافق كثقافة بديلة للديمقراطية و المحاصصة الطائفية و المذهبية و القومية العنصرية التقسيمية، كلها دفعت باتجاه تفتيت الشارع العراقي و إفراغ فكرة الانتخابات و التصويت من أي معنى حقيقي عبر تقاسم السلطة على أساس المحاصصة و القومية و الطائفة و حتى العشيرة، و بالفعل هناك أطراف عنصرية تسعى إلى ترسيخ هذه الثقافة لإفشال الأغلبية و منعها من حكم البلد على أسس قانونية و اجتماعية، فما دامت هناك محاصصة فلا معنى للانتخابات الديمقراطية و ترشيح مرشحين و اختيار قوائم، لأن المحاصصة ستعطي لكل طرف و قائمة (حصة) من الغنائم و لكن يكون هناك خاسر، عدا المواطن المسكين، و هذه الأحزاب النفاقية تنتهج حكم الأغلبية فقط عندما يصب في مصلحتها و تعود إلى التوافق بمجرد انتفاء هذه المصلحة الحزبية الضيقة.
ليس مستغربا من معادلة قبيحة كهذه أن تنتهي بشلّ الحكومة العراقية و عجزها عن محاسبة أصغر الفاسدين حتى أكبرهم، و لم نرى أي فاسد يُعاقب اللهم إلا موظفون صغار ربما، و أذكر جيدا كيف أن مسألة انتخاب ريس الجمهورية عطلت كل الشأن الحكومي و بقي الشعب ينتظر تشكيل الحكومة أشهرا كلفته الكثير الكثير من الأرواح و الأموال و تراكم المشاكل الاجتماعية، إن ما أخشاه و يخشاه كل عراقي أن تتحول رئاسة الجمهورية و مجلس الرئاسة إلى لعبة و منفذ لهروب الفاسدين و اللصوص و حماية قتلة الأمس و اليوم، من البعثيين و الإسلامويين و غيرهم، و الانتخابات البرلمانية القادمة إذا لم تتحول نحو حكم الأغلبية المنتخبة و إذا لم يتم تجاوز المحاصصة التي تمت تحت شعار (حقوق الأقليات)، فسنعود إلى المربع الأول بمعنى أن الانتخابات ستصبح و كأنها لم تكن و سيستمر مسلسل القتل و الفساد و الدكتاتورية.
نحن نرى مثلا كيف أن الحزب الإسلامي يصرخ ليل نهار (لا للمحاصصة الطائفية و القومية)، و لكن على أرض الواقع فإن هذا الحزب ـ و هو امتداد لتيار الإخوان المسلمين المعروف برفضه الديمقراطية ـ يعمل بكل طاقته و ما يمتلك من إعلام ـ تلفزيون بغداد خير نموذج لهذا النفاق ـ و خطاب سياسي على تفتيت الديمقراطية العراقية و إفشالها عبر ترسيخ مبدأ “التوافق = المحاصصة = النفاق”، و لهذا السبب أطلقوا كلمة “توافق” على قائمتهم الانتخابية، فقد أدركت هذه الجماعة أنها و بالمعايير الانتخابية “فاشلة” و خاسرة و لن تأخذ ربّما حتى حصة صغيرة في الحكومة، و من المؤسف حقا أنهم و بالإضافة إلى حصولهم على منصب نائب رئيس الجمهورية و نائب رئيس الوزراء فرضوا مرشحهم لرئاسة البرلمان بعد مداولات و تجاذبات من نوع المحاصصة، و هم منذ دخولهم العملية السياسية يحاولون زيادة صلاحيات الرئيس ـ الذي يبدو أنه لن يتقاعد أبدا و لو بلغ المائة عام ـ و تهميش السلطة التنفيذية المتمثلة برئاسة الوزراء.
و حتى مسألة تعديل الدستور يحاول الحزب الإسلامي و حلفاءه من الفاسدين أن يحولوها إلى مسألة حصص، عدّل لي هذه المادة أحذف لك هاي المادّة، و هذا ما سيستبدل دستورنا المسخ بدلا من تجميله إلى مسخ أكثر قبحا و دمامة، و كعلاج و خطوة لتجاوز هذه الحالة المرضية المزمنة فإن العلاج الفعلي يكمن في جعل انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع و التصويت السري العام الذي يشارك فيه كل البالغين من أبناء الشعب، بل إن هناك جهات في الحكومة العراقية لا تريد الاكتفاء بانتخاب الرئيس عبر البرلمان و عبر التوافقات و المحاصصات، بل أن تجعل هذا الانتخاب على طريقة “المجلس الوطني البعثي” و الذي كان يشارك في التصويت (المهزلة) برفع اليد تأييدا لـ(الرئيس القائد المناضل) و هو ما سيسهل على ذوي “المؤخرات الضخمة” من احتلال الكراسي و إصابتها بالعفن ـ لطول مدة بقائهم في المنصب ـ و إخراج الإرهابيين و المجرمين من السجن و تهريب المطلوبين، كما حصل مع “محمد الدايني” و قبله الإرهابي “مشعان الجبوري” الذين نهبوا و قتلوا و ذبّحوا في أبناء العراق، إن الاقتراع السري سيكون الحل السحري و الناجح و الفعال لإخراج منصب رئيس الجمهورية من مأزق المحاصصة و التقاسم و التعاون على الإثم و العدوان الذي يكاد يدمّر الديمقراطية العراقية.
إن الفساد و الفاسدين يرون في أبعاد الشعب العراقي عن المشاركة المباشرة في التغيير مصلحة فعلية لهم في الاستمرار و توسيع هذا الفساد بحيث لا يبقى أحد خارج هذا الفساد، و بالطبع فإن منصب الرئيس إذا ما أصبح متاحا بيد الشعب العراقي ليقرر هو ـ لا الأحزاب العنصرية و الطائفية ـ من هو الأجدر بشغل هذا المنصب المهم رغم كونه تشريفيا، فالرئيس المنتخب سيملك صلاحية تكليف شخص ما منتخب أيضا من تشكيل الوزارة و تقديمها للبرلمان و من ثم يقوم رئيس الجمهورية بالتصديق عليه من دون الرجوع إلى الرؤوس الفاسدة التي عملت و لا تزال على تمزيق وحدة الشعب ـ و هم يلتقون في هذه النقطة مع البعث و القاعدة ـ و نهب ثرواته، إن من واجب الوطنيين و الشرفاء الذين يواجهون أعداء الشعب العراقي من المفسدين و الإرهابيين أن يساعدوا الشعب على إنجاز هذا الأمر و التعديل الدستوري و الوطني الخاص بمنصب الرئيس بأسرع وقت ممكن