الرئيسية » مقالات » السلطة هي القاسم المشترك بين عجم السنة وعجم الشيعة

السلطة هي القاسم المشترك بين عجم السنة وعجم الشيعة

قد يبدو العنوان مثيرا يخترق الطائفية السياسية في الصميم, ولكن لابأس أن نتكلم بصراحة لكي نتدبر نحن “عرب العراق” أنفسنا بوضوح, بدون مكابرة بواقعية الحقائق وليس الأوهام أو الأمنيات. لقد تحاورنا بالسيف والدم عبر السنوات الماضية ولم نكن على قدر من الشجاعة للحوار بموضوعية وجه لوجه!.

عجـم الشيعة في العراق

لاشك بتوطن نسبة من الإيرانيين (الشيعة) في العراق وبالذات في المدن المقدسة كربلاء، النجف، الكاظمية، ومدن حدودية أخرى. ولهذا السبب ولأسباب أخرى منها تمذهب إيران بالمذهب الشيعي، يحاول البعض جاهدا تضليل الرأي العام, العربي خاصة إلصاق تهمة التبعية الإيرانية (العُجمة) بالشيعة العراقيين الذين يشكلون مالايقل عن 80% من عرب العراق: أي إنتزاع صفة العروبة من العراق ليصبح بلدا غير عربي، إذن أي خدمة يقدمها هذا البعض الطائفي الذي يروج لهذه الصورة المضللة في تلفيق تهمة تبعية الشيعة العراقيين الى إيران؟

رغم إندماج الفرس الإيرانيين الذين إستوطنوا العراق في المجتمع العراقي (الشيعي خاصة), إلا إن الواقع العراقي الشيعي بقي يشخصهم ويشير لهم بالفرس، الإيرانيين، العجم. كما إن هؤلاء أنفسهم لم يستعربوا بشكل تام، بل كانوا ولازالوا يرددون النغمة الطائفية. وقد عملوا في التجارة آنذاك ولم تسمح لهم الظروف بتقلد الوظائف المهمة والدرجات الإدارية العليا كما هو الحال مع (عجم السنة)، فقد ساهم قانون الجنسية العراقية في تحجيم دورهم وضبط تعدادهم، لكنهم إستطاعوا التسلل الى المواقع المتقدمة في الحوزات الدينية والتصدي في أغلب الأحيان للمرجعية الشيعية. وقد كان وللأسف رد المرجعية الشيعية العربية في العراق ضعيفا وخجولا (إلا في حالات إستثنائية قليلة) على الإتهامات التي تـُكال الى الشيعة عموماً بالعجم والتبعية الإيرانية, حيث تغافلوا هذه الهجمة الشرسة التي تقدم خدمة مجانية لإيران على حساب شيعة العراق، وإستحسنتها المرجعية ذي الإصول الفارسية التي لاتعنيها عروبة الشيعة بشئ متمسكين بالحديث النبوي القائل (لافرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى), وهو حديث حق تم تجنيده لأهداف غير شرعية يهدف فيما يهدف إليه مسخ الهوية العربية بذرائع إسلامية (شيعية أو سنية) من قبل عجم العراق.

رغم هذه الهجمة الشرسة إلا إن الفرز لازال قائما من قبل الأغلبية المطلقة من العرب الشيعة للمسلمين الإيرانيين المتواجدون في الصفوف العربية. فالتشخيص وعمل النسابة الشيعة العرب قائماً بالفرز والتدقيق ولم يفلت منهم أحدا، فهذا من القبيلة الفلانية معروف الأصل والجذور والآخر الفارسي المكنى بإسم مدينته الأصلية أو المستحدثة أو مهنته وماشاكل.

عجم السنة في العراق

أما في الجانب السني فالأمر يختلف كثيرا فهناك حقائق عدة, أهمها إن نسبة العجم (غير العرب- المستعربين) على المذهب السني في العراق هم أضعاف الفرس الذين دخلوا مع الشيعة وذلك يعود الى طول فترة الإحتلال العثماني للعراق، 400 سنة متصلة مع المماليك (من إصول تركية ومغولية) الذين حكموا العراق لأكثر من 80 سنة. وقد دخل العراق خلال هذه القرون أعداد كبيرة من ( الترك، الإفغان، الباكستان، المماليك، الشركس، الكولمند) إستوطنوا مدن كثيرة من العراق مثل كركوك، الموصل، ديالى، صلاح الدين وبغداد في أحياء الأعظمية وباب الشيخ بشكل خاص. وليس المقصود هنا الكرد والتركمان فهؤلاء حافظوا على أصولهم القومية الكردية أوالتركمانية.

إن هؤلاء العجم قد تمذهبوا بالمذهب السني الحنفي وهو مذهب الدولة العثمانية وإستعربوا ليستلموا الإدارة والحكم خلفا للدولة العثمانية تحت مسمى السنة العرب وهم صحيح سنة ولكن ليس ليس بعرب..! في حين يدعي البعض النسب العلوي المنحدر من الإمام علي الهادي وعلى سبيل المثال سامراء حيث جلب الخليفة المعتصم آنذاك (40) ألفا من الأتراك لتشييد مدينة سامراء وجعلها حامية له وقد إستوطن هؤلاء في هذا الجزء من العراق وتناسلوا وإستعربوا فيما بعد ولاأحد يعلم الأعداد الحقيقية لهم ويحمل جميعهم لقب السامرائي اليوم.

الغريب في الأمر إن المستعربين من أبناء المذهب الحنفي قد تسيدوا على العرب في العراق، فلم يكتفوا بإستعارة الجذور العربية وتسمية العرب السنة والسنة العرب بل حكموهم وحكموا العراق حيث لم يكن من الرؤساء العرب الذين حكموا العراق سوى ثلاثة رؤساء هم عبدالكريم قاسم وعبدالسلام وعبدالرحمن عارف، أما من جاء بعدهم فلا توجد له صلة نسب عربية حقيقية وقد كان آخرهم صدام حسين الذي لم يثبت له أي إنتماء عربي فلجأ الى نسب آل البيت تعويضا لأصله المجهول..! وقد يثار السؤال القائل أين كان العرب السنة من السلطة والزعامة السياسية؟.. والجواب إنهم عاشوا في البادية والأرياف، لم يحصلوا على فرص التعليم التي إستأثر بها سكان المدن من هؤلاء لذلك إحتفظوا بالزعامات القبلية وتركوا المدن تحت إدارة أبناء العجم السنة.

إن نظرة بسيطة على ماجرى في البرلمان العراقي والشهور التي سبقت إنتخاب السيد أياد السامرائي لرئاسة البرلمان يمكن رصد تلاحم اللوبي السني (عجم السنة) في مقابل العرب السنة. فالسيد أياد السامرائي (مرشح الحزب الإسلامي) يدعمه السيد “طارق الهاشمي” و “عبدالكريم السامرائي” و ظافر(العاني) و نصير (العاني) وقد حصل على الأصوات التي تؤهله لرئاسة البرلمان (153) صوت لأن الداعم له لوبي سني (عجمي) يدعمه لوبي جلال الطالباني المسنود إيرانيا والذي لعب على وتر الطائفية بشكل بارع. في المقابل لم يحصل مرشح الكتلة العربية السيد عبد مطلك الجبوري المنحدر من قبيلة عربية أصيلة الجذور سوى (13) صوت، رغم وجود (22) عضو برلمان من الجبور العرب، (17) من عرب السنة و (5) من عرب الشيعة. فقد فشل في الوصول لأنه لم يكن مدعوما من اللوبي الطائفي السني المستعرب(عجم السنة)، كما لم يدعمه العرب الشيعة فهؤلاء أيضا يقودهم اللوبي الطائفي الشيعي المستعرب (عجم الشيعة)، فالصراع بين عجم الشيعة وعجم السنة في العراق على خلفية الصراع الفارسي – العثماني هو الآخر يتوقف ويدعم الأعجمي أي كان على حساب العربي العراقي أي كان..!

جماعات (الكرش مرش)

ليس من الواقع بشئ التصور بأن فوز السامرائي برئاسة مجلس النواب العراقي كان ديمقراطيا حرا، بل أكاد أجزم بحصول تأثير إيراني وبوساطة طرف كردي لتأجيج نيران الطائفية بين العراقيين العرب وإبقاءها مستعرة على الدوام .. وذلك هو المطلوب..! ولا أدري أين عرب العراق (شيعة وسنة) مما يجري حيث لازالوا يفسحون (بإغفالهم وتغافلهم) الفرصة تلو الأخرى للأعاجم في الوصول الى دفة الحكم. فالحزب الإسلامي يحكمه طارق الهاشمي (سلجوقي تركي) ينتسب وكما يدعي هو الى طه الهاشمي وياسين الهاشمي اللذين شخصّهم التاريخ على إنهم (سلاجقة). فهكذا يعيد التاريخ نفسه اليوم بعودة الحكم والمواقع السيادية بيد عجم السنة من ( تكريتي، سامرائي، دوري، هاشمي) وعرب العراق السنة وكما كانوا من قبل شرطة وجنود حراسة للحاكم (الأعجمي). وهذا تماما مايريده (عجم الشيعة) من عرب العراق الشيعة أيضا إن خدمتهم الظروف بذلك. ففي الإئتلاف العراقي الموحد (المشتت) ترى عجم الشيعة على رأس القائمة والعرب في نهاية الذيل.

الألقاب العائمة والحكم بالنيابة..!

إستنادا الى مايذكره المؤرخ العراقي حنا بطاطو حول هرمية الحكم في العراق.. يأتي السنة العجم على رأس الهرم في السلطة والعراقيين العرب السنة في مواقع متدنية أخرى. وهذا ما يفعله أعاجم العراق (عجم السنة وعجم الشيعة) بعرب العراق اليوم، حيث يراد لهم أن يكونوا وقودا لمحرقة السلطة التي ستستقر في النهاية بأحضانهم ليتربعوا على رأسها من جديد بدعم خارجي (فارسي- عثماني) وإسناد داخلي (غير العرب من العراقيين) وبالنتيجة سوف يكون الدعم الدولي للأقوى.

لقد حكمت تكريتُ العراقَ لأكثر من ثلاثة عقود بإسم عرب العراق السنة وبألقاب مناطقية طائفية (التكريتي، الدوري) كماركة مسجلة لإخفاء إصولهم المجهولة. تلك التجربة العقيمة تتطلب النظر بإمعان والتوقف أمام الألقاب العائمة اليوم منها الشيخلي، الجعفري، الموسوي, الهاشمي, السامرائي, الحلي, الفلوجي, الحسني, الحسيني, الكربلائي, النجفي, النجار, الخياط، العاني، الراوي، الدوري وخاصة من يتصدى للمواقع السيادية منهم. رغم إن هذه الألقاب قد أصبحت حقائق إجتماعية لم تتدخل الحكومات المتعاقبة بها ولانطرحها بغية الإنتقاص من حَمَلـتها بقدر تسليط الضوء على الألقاب العائمة التي يراد لها أن تحكم عرب العراق بالنيابة عن أهله.

لقد كان لرموز الطائفية السنة والشيعة أدورا سلبية في تاريخ العراق بدأ ً من عبدالرحمن النقيب، الكربلائي، السويدي، الهاشمي، الحصري، الجعفري وجميعهم ليس من عرب العراق بل من إصول تركية (سلاجقة،مماليك) أو من إصول إفغانية وإيرانية وباكستانية. ومن الطرائف التي حصلت مؤخرا، فقد ضجر مدير مكتب السيد طارق الهاشمي (د.فؤاد الراوي) من لقبه فوجد ضالته في لقب الحسيني فأصبح (د. فؤاد الحسيني) كما يلقب اليوم في حين هناك أكثر من ستة ملايين شخص في إيران يدعون النسب الحسيني الى آل البيت. وكما يقول الشاعر فقد عرّف د. الراوي الماء بعد الجهد بالماء.! وإشارة أخرى الى الدكتور طارق الهاشمي الذي شغل معلم في كلية الأركان في آخر منصب له، تم عزله من قبل الرئيس البكر عام 1975 بتهمة خيانة الأمانة على أثر تسريبه لأسئلة (إختبار تقدير الموقف) لضابطين من زملائه وقد ثبت ذلك بعد التحقيق.

إن هذه المحاور الطائفية الشيعي اللوبي الإيراني و المحور الطائفي السني الترك -المماليك والسلاجقة يجب أن لاتكون في الواجهة أو في مواقع صناعة القرار اليوم، فلا يملك هؤلاء سوى خيار الطائفية التي تمزق الوطن الى أشلاء وتنتهي به الى التقسيم في نهاية المطاف وليس كما فعل أبناء الصحوة في الأنبار الذين وضعوا العراق في أعينهم وأغمضوها عندما شعروا بخطر هجمة مجهولي النسب وسقط المتاع على بلدهم العراق. ختاما علينا جميعا نحن عرب العراق شيعة وسنة أن نتدبر أمرنا، فإن لم نستطع أن نحكم فيجب أن لا ندع أعاجم العراق أن يحكموا العراق بإسم العرب.