الرئيسية » التاريخ » ثورات بارزان – ثورة بارزان الثالثة 1946 – القسم الثاني

ثورات بارزان – ثورة بارزان الثالثة 1946 – القسم الثاني

كما اصدرت الحكومة التركية اوامر صارمة منها تنفيذ حكم الاعدام رميا بالرصاص على كل كوردي يتسلل داخل الاراضي التركية دون محاكمة اما بريطانيا التي كان لها وجود كبير في ايران والعراق فقد تلقت خبر قيام جمهورية مهاباد الكوردية بشكل سيئ وتساءلت بريطانيا عن عدم وفاء روسيا بوعدها بسحب قواتها من المنطقة.
كما ان الدول الغربية اغلبها كانت تخشى قيام جمهورية مهاباد الكوردية خشية من تعاطفها مع القوات الروسية لذلك سارع الرئيس الامريكي (ترومان) فارسل في الثامن من اذار 1946 مذكرة الى (مولوتوف) بطلب فيه التقيد بالاتفاقية الخاصة باستقلال وسيادة ايران فانسحبت القوات الروسية بصورة رسمية من الاراضي الايرانية وبشرط ضمان ما يلي:
-1منح امتياز النفط في الشمال الايراني الى روسيا.
-2منح امتياز مد خط حديدي الى بحر عمان.
-3اشتراك بعض اعضاء حزب توده في الحكم.
-4منح استقلال داخلي الى اذربيجان .
-5اعادة جزر اشور الثلاث الواقعة في الزواية الجنوبية الشرقية لبحر الخزر وقصبة فيروزة الواقعة في حدود خراسان الشمالية.
وفي منتصف تشرين الثاني 1946 دخلت القوات الايرانية مدينة تبريز.
وقد أذهل سقوط اذربيجان المفاجئ كورد مهاباد ووقع عليهم وقع الصاعقة في الوقت الذي كانت جمهورية مهاباد تمتلك الامكانيات التي تؤهلها للمقاومة والانتصار.. حيث كانت القوات الايرانية التي توجهت نحو اذربيجان وكوردستان زهاء عشرين الفاً بصحبة ثلاثين من دبابة ومدفعين بعيدي المدى وتسع طائرات وبالمقابل كان عدد قوات البيشمركة خمسة عشر الف مقاتل على اهبة الاستعداد للقتال . وعندما دخلت القوات الايرانية مهاباد كان عدد الاحتياط 600 شخص بصحبة 3 مدرعات ومدفعين وحالة جنودهم سيئة يعانون من نقص المواد الغذائية والوقود والمواصلات وطائراتهم لا تعمل بصورة حسنة.
وكان البارزانيون هم الوحيدون الذين ظلوا في الساحة يقاومون الغزاة حتى و صولهم الاراضي السوفيتية كلاجئين عبر حدود وعرة طويلة والقي القبض على قاضي محمد وصدري قاضي مع ثمانية وعشرين من المسؤولين في الجمهورية وفي صباح 31 اذار اعدم ثلاثة من المسؤولين البارزين في الجمهورية بعد محاكمة مغلقة وبعدها أعدم عشرات اخرون واهم العوامل التي أدت لسقوط جمهورية مهاباد هي:
عوامل داخلية منها تخلف البناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعامل الثاني هو سيادة العلاقات الاقطاعية والعشائرية وتفشي الامية التي بلغت 90% من مجموع السكان فضلا عن عدم امتلاك تجربة سابقة في عملية انشاء دولة كما ان الحزب كان نقصه الكوادر المثقفة المتمرسة ومن الاسباب الجوهرية لسقوط الجمهورية اتخاذ قوات البيشمركة وضع الدفاع بدلا من الهجوم وبقاء حدود الجمهورية في مجال ضيق لا يتعدى ثلث مساحة كوردستان ايران.. وكذلك الاتصالات اللا مبرر لها بالرجعية الايرانية لدى مسؤولي الجمهورية وعدم اتخاذ سياسة جدية تجاه السلطة الفارسية المعروفة بعنصريتها وكذلك قلة التسليح وقصر حياة الجمهورية الذي لم يتعد “330” يوما.
اما العوامل الخارجية يأتي في مقدمتها انسحاب القوات السوفيتية من الاراضي الايرانية والسقوط المفاجئ لجمهورية اذربيجان.
وكذلك الدعم الانجليزي الامريكي لايران الشاه وقلة التأييد بين الكورد والقوى التقدمية خارج ايران للجمهورية مما جعلها في حالة انعزال تقريبا والعامل الاقوى لسقوط الجمهورية انها لم تكن تمثل صراع القوى الكادحة الكوردية وكفاحها لنيل حقوقها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.. بل كان صراع منتفعين يرغبون في السلطة والمال والشهرة مع فقدانهم لروح المغامرة وطغيان العاطفة ضد قوى دكتاتورية عنصرية.
وبعد دخول القوات الايرانية مهاباد.. لم يبق في ساحة المعركة سوى البارزانيين وطلبت الحكومة الايرانية منهم اجراء مفاوضات معهم فقرر البارزانيون ارسال الملا مصطفى الى طهران لاجراء مفاوضات مع رئيس الوزراء الايراني احمد قوام سلطنة وجرت المفاوضات مع الملا مصطفى والوفد المرافق معه وهم العقيد ميرحاج والعقيد عزت عبد العزيز ونوري احمد طه في 21/ 12/ 1946 واستمرت المفاوضات مع الحكومة الايرانية مدة طويلة دون التوصل الى اتفاق نهائي حيث عرض عليه الايرانيون الاستقرار حول جبال الوند قرب همدان على ان يسلم البارزانيون الاماكن المتفق عليها مع توفير سبل العيش ولمدة ستة اشهر,
وقد عرض القائد البارزاني على السلطات الايرانية ان يترك البارزانيون ايران على الفور بشرط ان يضمن البريطانيون والايرانيون سلامة البارزانيين الا ان بريطانيا رفضت هذا العرض عن طريق سفارتها في طهران فتوجه يقصد غفاري لمواجهة البارزاني للتحقق من موقفه بهذا الصدد ولكنه عاد بانطباع ان البارزانيين يفضلون القتال على ترك المنطقة فعاد الجنرال الايراني همابوني بصحبة العقيد غفاري في 19/ 2/ 1947 للمداولة مع الشيخ احمد البارزاني في الأمر.
وأوضح لهم الشيخ احمد ان البارزانيين سوف يعودون الى مواطنهم حتى ان لم يحصلوا على حماية انجليزية في موسم الربيع وذوبان الثلوج في المسارات الجبلية الا ان الجنرال الايراني همايوني لم يوافق على تأجيل آخر واقترح بدلا من ذلك ثلاثة حلول وهي: السماح للبارزانيين بالعودة الى العراق.
2-تسليم اسلحتهم والعمل على ان تحذوا القبائل حذوهم.
3-واذا لم يوافق البارزانيون على المقترحين أعلاه فلا سبيل امام الطرفين الا القتال.
وعلى أثر ذلك جهزت الحكومة الايرانية قوة عسكرية ضخمة يعززها سلاح الطيران.. حيث دفعت بالملا مصطفى بعيدا عن منطقة “نفادة” فدخلت القوات الايرانية المنطقة في 22 /2/ 947ا واختار البارزاني الخالد بلدة اشنوية ليعيش فيها البارزانيون حتى يتوصلوا الى اتفاق مناسب مع الحكومة الايرانية وهم في طريقهم اليها اصطدموا بقبيلة لا مامش” الكوردية فاضعف موقف البارزانيين القوي.. وفي 23 /2/ 1947 اذاع الجيش الايراني بيانا على جميع القبائل دعاهم لتسليم اسلحتهم.
وفي الرابع من اذار 1947 وصلت القوات البارزانية الى (ماوانه) في وادي (ته ركه وه ر) حيث انضم اليها رشيد بك حدكي ونوري بك زادة وفي نفس اليوم بدأ الهجوم الايراني على منطقة نغدة واشنويه وقد أمر الجنرال همايوني في الرابع من اذار 1947 بقصف الطائرات والمدفعية كل المراكز التي تقيم فيها العائلات البارزانية.
وفي 20 اذار 947ا جرت مقابلة بين اللواء العراقي علي حجازي مدير الشرطة العام العراقي والجنرال هما ويني في مخفر الحدود بحاج عمران جنوب كله شين فعرض اللواء حجازي على الجنرال الايراني استقدام قوات عراقية مساندة للقوات الايرانية للقضاء على البارزانيين فأكد له اللواء همايوني أن لا حاجة لذلك. فاستمر القتال بين البارزانيين والقوات الايرانية كبد فيه البارزانيون الخسائر الفادحة بالأرواح فقتلوا عددا غفيراً من قواتهم وتفوقوا عليهم بعدة معارك أهمها صوفيان في 6/ 4/ 947 والتي قتل فيها رضا قره ياغي قائد المشاة الايراني ومعركة سيلوته في 9 /4/ 947.
ولقد أصاب الكورد الفزع بسبب قصف الطيران الايراني القرى التي كانت تمد البارزانيين بالغذاء والمؤن فأجبر سكان المنطقة على تركها والفرار الى مناطق اخرى مما ساعد الايرانيين على فرض حصار اقتصادي على البارزانيين واستخدم الايرانيون اثنتي عشرة طائرة لقصف القرى الكوردية والبارزانيين مما جعل مصطفى البارزاني يفكر في العودة الى العراق للتخلص من القصف العشوائي للطائرات وقلة التموين فبدأ البارزانيون التراجع تجاه الحدود العراقية يقودهم الشيخ احمد البارزاني وقد قام بتسليم الاسرى الايرانيين الى الجيش الايراني. فتأكدت السلطات الايرانية ان البارزانيين كلهم قد عبروا الى العراق اما الملا مصطفى وبعض اتباعه فقد دخل على رأس قوة صغيرة الى منطقة جبلية شمال بارزان ولم يستسلم.
وبمجرد دخول البارزانيين بقيادة الشيخ احمد البارزاني الى العراق قبضت عليهم السلطات العراقية ووضعتهم تحت الرقابة الشديدة واعلنت الحكومة العراقية الاحكام العرفية في كل من رواندوز والزيبار وسائر مناطق الحدود في ايران وذلك عندما رفض مصطفى البارزاني تسليم نفسه واتباعه الى السلطات العراقية.
فاعتصم البارزانيون في جبل بوتين في منطقة شيروان مازنة فارسلت اليهم السلطات العراقية بعض وحدات الجيش العراقي هاجمتهم من قمة الجبل في 20 مايس 1947. فترك البارزانيون الجبل وتوجهوا عبر سفوح الجبال الى تركيا ومنها الى ايران مرة اخرى مرورا بمسالك جبلية وعرة عبر جبل كوندة.
اما الشيخ احمد البارزاني وعدد من اتباعه البارزانيين فقد ادخلوا السجن وقضوا فيه اثنتي عشرة سنة كما شنق اربعة ضباط من ضباط الجيش العراقي الذين اشتركوا في الثورة والشيخ احمد واتباعه وضعوا في سجون الموصل والبصرة ولم يفرج عنهم الا بعد قيام ثورة 14 تموز عام 1958 في العراق.
والزعيم مصطفى البارزاني الخالد توجه نحو قرية على الحدود التركية ولكن القوات التركية منعته من التوغل داخل الاراضي التركية فتوجه الى الحدود الايرانية وفي 30 /5/1947 اتضح للايرانيين ان البارزانيين يتوجهون صوب الاتحاد السوفيتي فاصدرت هيئة الاركان العامة الايرانية أوامرها للقوات الايرانية بقطع الطريق عليهم في وادي فتور ، ولكن في هذا الوقت كان البارزانيون قد تحولوا نحو الغرب ثم عبروا نحو تركيا وعادوا مرة اخرى الى ايران وحدث اشتباك بين البارزانين والقوات الايرانية في شمال فتور وذلك في 3/6/1947 وكان القتال في صالح البارزانين.
وكان البارزانيون قد قطعوا اكثر من “200” ميل حتى وصلوا في العاشر من حزيران 1947 الى جنوب شرق جبل ارارات بالقرب من الحدود السوفيتية فاستطاع البارزانيون عبور نهر اراس سباحة وكان الزعيم مصطفى البارزاني اخر من عبر النهر ليطمئن على اتباعه بالعبور فدخلوا الاراضي السوفيتية في 17 /6/ 1947 وكان برفقة الزعيم البارزاني “800” مقاتل من اتباعه وقد منحوا من قبل الدولة السوفيتية وعدا مسبقا بقبولهم في الاراضي السوفيتية .. فظل الزعيم البارزاني هناك مع رفاقه حتى قيام ثورة 14 تموز 1958 في العراق.. وهذه نبذة مختصرة عن ثورة بارزان الثالثة التي ضرب فيها البارزاني الخالد ورفاقه اروع الأمثلة في الثبات والصمود والتصدي للقوى الرجعية العميلة التي تكالبت عليه للقضاء على قضية الكورد العادلة من اجل نيل حقوقه المشروعة وسيادته على اراضيه اقليم كوردستان.

Taakhi