الرئيسية » مقالات » امريكا، الشيطان والرحمن في جسد واحد

امريكا، الشيطان والرحمن في جسد واحد

امريكا اخطأت في دخول العراق، امريكا اخطأت في حل الجيش، امريكا اخطأت في…. الخ، هذا ما يستطيع ابسط محلل سياسي ان يعدد على شاشة فضائية مستجدة، ولكن المحلل السياسي ذاته يفوته دوما ان يذكر اخطاء نفسه هو.

واول اخطائه هو الاعتقاد بان امريكا تريد تنفيذ ما في باله هو وليس ما في بال امريكا، اي ان الجيوش التي انفقت المليارات على التغيير انما جاءت لتنفيذ اجندة المحلل السياسي ذاته، ولذلك فانه يرى كل اجراء لا يتلائم مع شكل الدولة العراقية التي يحلم بها هو، على انه خطأ ارتكبته امريكا.

والحقيقة ان الادارة الامريكية لها اجندتها وتصوراتها الخاصة في شكل الدولة العراقية التي جاءت لبنائها، تختلف بالتأكيد عن شكل هذه الدولة التي يبنيها المحلل السياسي لنفسه، في ذهنيته.

ولان دخول الامريكان الى العراق ترافق مع اسقاط اعتى نظام ديكتاتوري دموي عرف في اواخر القرن العشرين، فقد ارتبط هذا “التحرير” بالقيم الانسانية النبيلة، والدفاع عن حقوق المظلومين، خصوصا ونحن، كشرقيين، مانزال مأخوذين بالقيم الانسانية التي لم يلوثها عصر المكننة الحديث.

وكان اغلب هؤلاء المحللين ينتظرون من الامريكان بناء دولة ديمقراطية على غرار نظم اوربا الغربية والولايات المتحدة نفسها، وان يشهدوا قفزة اقتصادية هائلة تشبه ما حدث في اليابان والمانيا وكوريا الجنوبية، ولذلك فان نتائج هذه التغيير، التي جاءت مخيبة لامالهم، تدفعهم للاعتقاد بوجود خلل ما في السياسة الامريكية نفسها.

صحيح انه لم يكن من السهل معرفة خفايا المشروع الامريكي سلفا، الا انه بالتاكيد لن يختلف عن ما هو موجود في بلدان الشرق الاوسط الاخرى، التي تخضع مثلها مثل العراق لمبضع الجراح الامريكي، سواء بشكله الصريح كما هو الحال في افغانستان ودول الخليج، او بشكل مموه كما في مصر وتركيا. فهو مشروع ناضج وواقعي، يعرف ان الديمقراطيه في هذه البلدان تحمل سمات خاصة تختلف كثيرا عن الانظمة الديمقراطية في الغرب، وذلك لاسباب اقتصادية واجتماعية وتأريخية خاصة بهذه البلدان، لايمكن تجاوزها، ولا يختلف العراق عنها.

والمشروع الامريكي ليس فيلما خياليا، او ساحر السيرك ليحيل الحمامة ارنبا بضربة سبابة، بل هو اكثر رصانة من ذلك بكثير، هو مشروع ناضج خضع لدراسات مكثفة استمرت سنين، يأخذ الواقع الاقتصادي، الاجتماعي والتأريخي بنظر الاعتبار، ويخلص الى ان العراق لن يكون سوى بلدا شرق اوسطيا تتحكم به نفس الضروف الموضوعية التي رسمت ديمقراطية البلدان الشرق اوسطية الاخرى.

لذا فان شكل الديمقراطية التي ارادتها الادارة الامريكية في العراق تختلف كثيرا عن شكلها في السويد وبريطانيا، ببساطة لان ذلك غير ممكن على الاطلاق، والامريكان اكثر واقعية من مجرد مقامرين. على عكس احلام المحللين السياسيين.

لذلك فان الاجراءات الامريكية التي لم تفضي لرفاهية مستعجله، ولا لاطر برلمانية غربية اعتبرها المحللون السياسيون اخطاءا ارتكبتها الادرة الامريكية. بينما لا تعتبر هذه، وفق الاجندة الامريكية اخطاءا، بل اجراءات معدة سلفا وفق تسلسل تاريخي بالنسبة للامريكان، والا لخضع المخطئون للمحاكمة.

نعم الادارة الامريكية هي التي اجتذبت الارهاب الى العراق، بعد ان حلت الجيش اثر قرار بول بريمر في 23 مايو-ايار 2003، ولم يكن ذلك خطأ في السياسة الامريكية.

ولم تخطئ الادارة الامريكية في فرض اكثر من ثلاثين ممثل على البرلمان العراقي من التيار الصدري، والانتخابات الحرة لا توصل اكثر من ثلاثة.
ولم تخطئ في فتح الحدود البرية للعراق لدخول مقاتلي القاعدة، في حين كان بامكان الادراة الامريكية ضبط هذه الحدود بما لديها من اجهزة مراقبة واستشعار هي الاكثر تطورا في العالم، كما كان بامكانها ممارسة الضغوط الدبلوماسية والعسكرية على دول الجوار المصدرة للارهابيين من اجل انقاذ مشروعها في العراق.
ولم تخطئ الادارة الامريكية في اهمال الجانب الخدمي في حياة المواطن العراقي مثل توفير الكهرباء وفرص العمل، الخ.
ولم تخطئ الولايات المتحدة في تعقيد مشكلة كركوك، الجرثومة التي تضعف بها جسد العراق، ولم تخطئ في اعتمادها على القوى الدينية المتحالفة مع ايران…
كل هذه ليست اخطاء في السياسة الامريكية لانها جزء من المشروع الامريكي، الفوضى الخلاقة، الذي لم تخفيه.

اخطاء امريكا لا يعرفها سوى اصحاب القرار الامريكي، وهم وحدهم الذين يقيمون، وبصورة دقيقة، اخطائهم، لانهم هم الوحيدون الذي يعرفون خفايا الاجندة التي يعملون وفقها.

نعم، امريكا باسقاطها للديكتاتورية الصارمة، نقلت العراق من مرحلة الدولة المتسلطة، الى دولة التعددية السياسية، الاكثر تطورا، وملائمة لنمط الحياة في القرن الواحد والعشرين. وهو الحلم الذي كانت غالبية العراقيين تعتبره هبة من الله.
الا ان امريكا نفسها خيبت امال المحللين السياسيين، والسواد الاعظم من العراقيين، بالفوضى الخلاقة هذه.

لذلك فالحكم على اجراءات الادارة الامريكية في العراق خلال السنوات الستة الماضية، بالصح او الخطأ، لن يكون من خلال اعتبار امريكا هي الرحمن الذي انقذ العراقيين من نير ديكتاتورية قمعية وتعسفية، فقط، وليس من خلال اعتبارها الشيطان الذي زحف باساطيله المرعبة واذرعه العملاقة لامتصاص نفط العراق. وانما باعتبار امريكا هي الاثنين، الرحمن والشيطان في جسد واحد.