الرئيسية » مقالات » ميلاد صدام.. ومشواره

ميلاد صدام.. ومشواره

مشوار صدام حسين، موضوع دخل في علوم السياسة بوصفه تفريعا من تاريخ كتبه “قادة” وقل ممثلون، خرجوا الى منصة المسرح من اقنية سفلية غامضة ثم نجحوا في لعبة الحظوظ وعبر اساليب جهنمية في تغيير اقدار بلدانهم، واندفعوا الى خارج حدودها، قبل ان ينكفئوا الى مخلوقات منبوذة، بما يشبه قصة بوليسية ينتصر فيها ضابط الشرطة في نهاية الامر على شوكة ومواهب وعبقريات”البطل” المطلوب الى العدالة.
وليس من دون مغزى ان لا ينسى اولئك الطغاة اعياد ميلادهم، حتى في اكثر الظروف حراجة، ففي 20 نيسان 1945 خرج هتلر من مخبأه الكونكريتي المستهدف من قصف المدافع السوفيتية الى مبنى الرايخشتاغ في برلين لكي يحتفل في الحديقة بعيد ميلاده السادس والخمسين، وقبل ذلك كان موسوليني قد جعل من قرية “دوفو دينو” التي ولد فيها العام 1883 مزارا اسطوريا في شمال ايطاليا لكي يكون لائقا لاحتفالات عيد ميلاده في كل يوم 29 من تموز، فيما كان نابليون بونابرت يحرص على اقامة احتفالات باذخة في يوم ميلاده 15 ايار من كل عام، وكانت قرية أجاكسيو بجزيرة كورسيكا الفرنسية تلبس
حللا زاهية في ذلك اليوم يوم ميلاده العام 1769، وقد احتفل في هذه المناسبة وحيدا العام 1920 حين كان اسيرا ومنفيا في جزيرة سانت هيلانة.
هل تتذكرون قرية العوجة؟
كان امير اسكندر، كاتب سيرة الطاغية قد ابتدأ عملية تركيب، وقل تزوير، مشوار صدام حسين انطلاقا من فكرة الصحراء: “انها سيرة رجل متوحد في البراري” وليس ذلك إلا تجويفا مبكرا لشخصية جرى تلفيق “نبوة” مبكرة لها، بل ان صاحبها لم يتورع فيما بعد عن اعلان انتسابه الى شجرة النبوة المحمدية في مسرحية اعادت انتاج خطى الاسكندر الكبير الذي اجبر الكهنة على ان يعلنونه ابنا لزيوس كي يحظى بمباركة وهو يقتحم المستحيلات.
اما هوس الاندساس في ثنايا الحجر والانصاب ووضع الاسماء كتمائم على الحيطان والآقار فقد كان السفاح بول بوت قد امر البنائين ان يضعوا اسمه الرخامي في اعلى كل بناية يشيدونها في كمبوديا، وكان صدام حسين قد استفز خبراء الاثار العالميين حين امر بوضع اسمه بين حجر وآخر من آثار بابل، وعدوه عملا غير مسبوق في عدوانيته على ذاكرة التاريخ.
جامع (ام المعارك !) سجل هوس صدام حسين في ابتداع البقاء والاندماج بالمقدس الذي لا يفنى، فحول عيد ميلاده الى رموز ابديه، فالمنارات الاربع في القوس الداخلية هي شهر ميلاده، نيسان (الرابع) ويدل ارتفاعها البالغ 37 مترا الى السنة التي ولد فيها فيما الفسقيات الثماني والعشرين تمثل يوم ميلاده، ويفسر احد الكتاب الذين تأملوا دلالات ذلك بان صدام حسين يريد ان يقول بان مشواره لا نهاية له، وان الوصول اليه، من قبل الموت، مستحيل.
لم يصله الموت، لكنه ذهب اليه برجليه.
ــــــــــــــــــ
كلام مفيد:
ـــــــــــــــــــ
“من يأبى اليوم قبول النصيحة المجانية قد يضطر الى شراء الاسف غالي الثمن”.
افلاطون