الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل-21

حرب وسجن ورحيل-21

بعد تناول الفطور حيث كان الصياح والجلبه التي أحدثها بعض السجناء على أشدهما وهؤلاء كانوا يحتجون على نوعية الطعام الرديئه التي كانت تقدم لهم وقد كان الكثير من البيض فاسدا ولكن لاأحد يستمع ألى تلك الأحتجاجات والشكاوى التي كانت تنبعث من وراء القضبان وتضيع داخل السجن . وسرعان ماكانت تخبو ويعود بعض الهدوء . كان يجلس ألى جنبي شخص قصير القامه في الخمسينات من العمر أبيض الوجه يميل ألى الحمره ينضح امتلاء وحيوية رغم سوء المكان . وكان يلبس ثوب أبيض يسمونه (زبده ) . أخرج ذلك الشخص علبة كولونيا من تحت رأسه وأخذ يضغط عليها ويرش في كل اتجاه وهو يقول ( يمعودين كل واحد لازم يجيب شيشة كولونيا تره أذا انظل على هاالحاله راح يصير بينه جرب وكل واحد منكم مايلوم ألا نفسه دبروا حالكم) وأخذ بعض الشباب من السجناء يتهامسون ويضحكون على مابدر منه . دفعني حب الأستطلاع ألى معرفة سبب تهامسهم وضحكهم على كلامه . سألت أحدهم هامسا في أذنه ماقصة هذا الرجل و لماذا ضحكتم على كلامه ؟ فقهقه ضاحكا وصاح بصوت عال سمعه كل السجناء (عمي هذا السيد شهيد الحب عرفت لو بعدك ماتعرف ؟) وسمع السيد الكلام ووجه كلامه نحوي قائلا دون أن تظهر على ملامحه أية علامة أنزعاج تذكر ( عمي بروح أبوك جاوبني بصراحه الحب عيب لو مو عيب ) فقلت له ( موعيب أذا كان سليم النيه والقصد منه الزواج ) فأجابني ( رحمه على أمك وأبوك على هاالحجي الحلو آني راح أتزوج الحبيبه الناس ليش ماعدهه حيا حضورومخليه نفسهه بالوسطيه أنته ماسامع المطرب جواد وادي يكول الحب مومذله الحب اسمه واغله ؟) فقلت له نعم وهنا هتف البعض (يحيا الحب )وساد جو من المرح رغم الحزن الذي كان ينتابني فقلت له ( أرجوك ياصديقي تحجيلي قصتك يجوز أساعدك ) فأجابني ( وأنته ليش ماتساعد نفسك أو ليش ماتجيلنه قصتك مثل ماوعدتنه البارحه؟ ) فقلت له أدلل سمعا وطاعة وعندما سمعوني أقول ذلك التصقت أجسادهم بجسدي أكثر وقد فتحوا أفواههم وكلهم آذان صاغيه وحكيت لهم قصة أختفاء أبني واتهامي بتهريبه ألى سوريا دون علم الدوله وعلى هذا الأساس جيئ بي ألى هنا ) وهنا بدأت تعليقاتهم المختلفه فمنهم من قال (هاي انته محجوز وماراح تطلع ألا يجي أبنك ويسلم نفسه ) وقال آخر كلام أخف من ذلك ( هيه كم يوم وراح يطلعوك ) وهمس أحدهم في أذني قائلا: (أبنك سبع وأخو أخيته ) . وهنا طلبت من ( السيد ) أن يحكي قصته التي كنت متلهفا لمعرفتها ويبدو أن الآخرين كانوا يعرفونها من ألفها ألى ياءها . وكانوا يسمعونه بين آونة وأخرى كلمات وأشعار أبو ذيه ودارمي عن العشق والغرام وكان يتقبلها منهم بأريحيه وبرحابة صدر ويقول لهم ( ولكم أنتوا تغارون يعواذل فلفلوا والماينوش العنب بأيده يكول حامض ماأريده ) وعرفت منه أنه يعمل رئيس عرفاء في شرطة النجده ومتزوج من ثلاث نساء وقد أغرى بنت الجيران البالغة من العمر18 ربيعا بقراءة برجها لأطلاعها على مستقبلها ثم اغتصبها في بيته وبعد أن شعر أهلها بالموضوع هربت عنده لينقذها من الموت فهرب بها وسلما نفسيهما للشرطه وهي قابعة في سجن النساء الموجود في نفس البنايه لحمايتهما من القتل وهما ينتظران أن تأخذهما الشرطه ألى المحكمة الشرعية لعقد قرانهما حسب رغبتهما ثم وضع أهلها أمام الأمر الواقع بعد أن يبعثا لهم مشايه من بعض الناس . وكان يتحدث عن معشوقته بكل صراحه ويقول أنا أحبها وأموت فيها ومن لايعرف الحب يلومني وكان يرد على كل سؤال يوجه أليه بكل صراحه .عن فارق العمر وعن كيفية أستدراجه لتلك الفتاة الصغيره بهذه الصوره فيقول كل ذلك لايهم (أنا لست يوسف الصديق وسأكفر عن خطيئتي وأتزوجها على سنة الله ورسوله ) فقلت له وهل هي تبادلك الحب فأجابني أكثر مني ! أما عن فارق العمر فكان يقول( أنا أقوى من شباب هاالوكت والأنبياء أتزوجوا بنات أصغر منهم ) ثم سألته وما هو شعور نساءك الثلاث تجاه القضيه أجابني ( آني مامقصر بحق أي وحده منهن كل وحده عدهه غرفتها وكنتورها وآني عادل وياهن وهن مايكولن شي !)وكان يدعي أنه يملك دارين وسيسكن محبوبته الجديدة في دار لوحدها وكا ن يوصي الشرطه بالذهاب أليها وأيصال احتياجاتها له ويعطي المال اللازم لهم لشراء أي شيئ تحتاجه حتى مادة الثلج كان يبعثها لها في تلك الأيام الشديدة الحراره تحت تعليقات السجناء المستمرة دون هواده . ومرت الساعات والأيام وكأنها دهور وأنا بين أناس من شتى الأعمار وقسم منهم كانوا يأتون ويذهبون لتتم محاكمتهم وبعد صدور الحكم عليهم ينقلون ألى سجن أبو غريب لقضاء محكومياتهم وكانت الجرائم كثيرة ومتعددة منها القتل والتزوير والأغتصاب والسرقه وكان عدد من الشباب متهمين بسب ( صدام حسين ) وهؤلاء كان يحكم عليهم بالأعدام حيث لاشفاعة لهم مطلقا وعندما يصبح عددهم حوالي العشرين شخصا تأتي لجنة خاصة من الأمن العام وتنقلهم في شاحنة مغلقه وتختفي آثارهم ولا يستطيع أحد من أقرباءهم السؤال عنهم خوفا ورعبا كي لايكون مصيرهم كمصير الذين سبقوهم . وكان يقبع في السجن عدد من المصريين بتهمة تزوير العملة والجوازات والسرقات وغيرها . وكان يقبع في السجن أيضا عدد من المجانين فبدلا من نقلهم ألى المستشفيات الخاصة بهم كانوا يجلبون ألى هنا لتعميق مأساتهم ولم أسمع وأقرأ أن الأنسان بهذه الدرجة من الرخص والأمتهان والتحقير مثل أنسان العراق تحت حكم دولة البعث وصدام حسين .
كان على بعد عدة أمتار يرقد سجن النساء وكنا نسمع صراخهن وعويلهن بين فترة وأخرى نتيجة شجار يحصل بين البعض منهن وكانت زوجتي وهي معلمه تقبع مع تلكم النسوة المتهمات بمختلف التهم الجنائيه . وكان هناك قاووش آخر يسجن فيه الأحداث المتهمون بعدة جرائم وغالبا ماكانت تحدث بينهم مشاكل أخلاقيه يحسمها معهم الشرطي الملقب ب ( حسن راس الغول )لأنه كان ذو جسم ضخم وبشرة داكنه ويستعمل الصونده السوداء بتخويل من مدير السجن ( المقدم جواد الحركاني ) وكنا نسمع صراخهم واستغاثاتهم وهم يتعرضون للضرب المبرح بالصونده السوداء من يد حسن راس الغول التي لاتعرف الرحمه وكان يقول لهم دائما (والله راح أطلع حليب أمكم من أخشومكم وألعن أبو اللي يداععي بيكم سرسريه ولد الحرام ) وكان صوته من الشده بحيث يسمعه جميع المتواجدين في السجن . هكذا كان يتم أصلاح الفتيان والمراهقين في دولة البعث الصداميه ولطالما كان النظام ووسائل دعايته تتغنى ب ( جيل الثوره ) الذي كان بحق جيل البؤس والضياع والحرمان والهلاك على أيدي جلاوزة البعث المجرمين . لقد مر شهر وأصبحت العلاقات بيننا نحن المحجوزين الثابتين أكثر حميمية رغم أختلاف التهم الموجهة ألينا والظاهرة التي كانت تخفف من معاناتنا هي خروج بعض الموقوفين ألى السجون الثابته أو أطلاق سراحهم بين آونة وأخرى حيث كانت تحدث فسحه قليله من المكان نستطيع فيها أن نمد أرجلنا أثناء النوم ولو مؤقتا . لكن الروائح الكريهه والعفونه وكثرة القمل في المكان ظلت كما هي بل كانت تتفاقم أكثر فأكثر وكان يتم تحريك المروحة القديمه بأجور تدفع ألى الشرطه حيث كان مفتاح المروحه خارج غرفة السجن.
ولابد من الأشارة ألى شخصية مدير السجن أو بالأحرى ( مدير التسفيرات ) المقدم جواد الحركاني . لقد كان هذا الشخص سليط اللسان لايتورع عن توجيه الكلمات السوقية البذيئة ألى الشرطة والمفوضين والسجناء ويستغل وجود بعض السجناء الأغنياء في السجن لآبتزازهم وأخذ الأتاوات والرشاوى منهم باعترافهم لي أثناء الألتقاء بهم والحديث معهم داخل السجن حيث كنت أعرف بعضهم فعندما يسجن صاحب متجر بتهمة ( التلاعب بالأسعار ) يبعث عليه ويتحدث معه في غرفته الخاصه ويطلب منه أن يرسل ألى بيته بعض الحاجيات المتوفرة لديه في متجره ويوعده بمتابعة قضيته وتسهيل الأفراج عنه. وهكذا كان يتبع نفس الأسلوب مع جميع الشرائح الأخرى وخاصة الأثرياء وعندما عرف بأنني معلم ولا أملك من حطام الدنيا شيئا لم تكن لديه الرغبه حتى النظر ألى وجهي والسؤال عني . وقد استغل السجناء لبناء غرفة أضافية للسجن لتزايد السجناء يوما بعد يوم واستغلهم كعمال سخره وكان السجناء فرحين لتلك الحاله نظرا لخروجهم من القاعة النتنة ولو لساعات يتنفسون فيها القليل من الهواء النظيف وكانوا يقدمون على العمل بلهفة شديده ويعتبرون أنفسهم من المحظوظين وكانت جدران السجن عالية ومحاطة بالأسلاك الشائكة ومن المستحيل هروب أي سجين خارج السجن ومع ذلك كان الشرطة يراقبون السجناء أثناء العمل شاهرين أسلحتهم بأمر من جواد الحركاني . وكان غالبا مايأتي جواد الحركاني في الليل ليلقي نظره على السجن الذي كان مديره وهو ثمل ويتفوه على جميع السجناء بكلمات بذيئة ماأنزل الله بها من سلطان دون أي خجل أو حرج أو حياء ثم يذهب .
جعفر المهاجر – السويد.