الرئيسية » مقالات » التفسير المتكامل في الفكر والسلوك الإنساني (الجزء السابع)

التفسير المتكامل في الفكر والسلوك الإنساني (الجزء السابع)

(الضبط والتوازن في الفكر والسلوك)
لقد أبلغنا عن الغاية الأساسية من هذا البحث الجاد في التصور والسلوك , أو الفكر والممارسة , كظاهرة إنسانية على مستوى الفرد والجماعة , وما يمكن لهذا البحث على المستوى المنهجي أن يحققه من التفسير الموضوعي المتكامل , للحياة الإنسانية بحاضرها وماضيها و تاريخها” , والرؤية المستقبلية, على ضوء السنن والقواعد والأسس الجامعة التي يمكن أن تتعاضد لتوفير مستلزمات تفسير متكامل , تتعاور من أجله مجموعة من العلل والأسباب والمقررات والقواعد الموفرة لشرط التكامل, لمختلف صيغ البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والفكري والقومي والإنساني, وما للقيم والمثل الروحية والأخلاقية والرقابة الذاتية من دور,- و”قد حددنا بضا من جوانبها في أبحاث سابقة , سوف يعاد التأكيد عليها ” -, في تحرير الفكر وإطلاق إساره من العبودية والإذلال والتبعية الرخيصة للمناهج والمقررات الجاهزة التي تمتهن كرامة الإنسان , وتستهدف وجوده , وتشنع عليه انعتاقه من هوى التسلط والبغي والبطر والهمجية والتفكير البدائي, والمفهوم القومي المتشدد الساذج والمتخلف عن الفهم الحضاري والذي لاتزال آثاره المذلة والمدمرة تفعل فعلها في بشاعة وتقزز, إلى جانب مواكبة التراث الإنساني والعلمي, القائم على الضبط والتوازن والتكامل في الفكر الإنسانية والعلاقات الدولية, وتشابكها و فهم معضلاتها, وفي الكون وأسراره , والحياة وتكوينها ومكوناتها ودقائقها , والمادة وخصائص عناصرها , مما يجعل منهجية البحث تخضع للإطار المنضبط و المدروس والمعلل, ليخدم قيم التطور والارتقاء ومواكبة منجزات العلم دون مغالاة أو تعسف, أو إملاء مسبق أو رؤية جاهزة, لا تكاد تحمل من بصمات الضبط والتوازن والتكامل ما يتيح لها سبيل التحريك الفعلي للطاقات والقيم الحضارية الكامنة, وحسن رصدها ودرسها وتتبع نشأتها وأسس وسنن قواعدها المودعة فيها, وما تحمل من سمات ومعايير وخصائص, تعين عل فهم المعادلة الفكرية والسلوكية” لأن من الثابت أن الرؤية الفلسفية الصحيحة تتجلى دائما في جملة أفكار متسقة تتناول الإنسان والطبيعة والكون, واقعة تمس الأنفس والآفاق .. المذاهب الفلسفية / د. عادل العوا /1989/ , ص/ 4/ .. ” , وهو ما يعيننا على التفسير والتعليل , ثم رصد الظاهرة , وابتغاء الفهم التاريخي للحضارة الإنسانية وتراثها ومقاييسها الحقيقية, هذا الفهم الذي يقودنا بالضرورة إلى الاعتبار بالتاريخ وأحداثه التي تترجم الفكر والسلوك الإنساني ” كمحرر حقيقي فهو الذي يمكن أن يستأصل شأفة التحيزات , وأن يعلق ما كان متسرعا من الأحكام, ومن حق الماضي التاريخي أن يستمر في الحاضر ” ويرسم بصماته الحضارية عليه ” … انظر / تاريخ الفلسفة / إميل يرهييه ,ط ./1987/, ص/5-6/ ..” , وهو يفتح الباب أمامنا للوصول إلى ما هو أرقى وأقوم وجدوى في معالجة أدواء البشرية ومعضلاتها وصراعاتها, بدرس دقيق لعبر الماضي, وحسن رصد التاريخ وسير الماضين وعلائقهم, وفهم التحولات والانقلابات والتجاوزات وفهم المعادلات والموازين الأساسية والمحركة واستبعاد الهامشي وغير المؤثر , ومعالجة شفيفة وواضحة المعالم للمفهوم المادي والروحي و القيمي الشامل للحضارة الإنسانية ومدى فعلها في واقع المجتمعات , وما حققته من دفع وتفعيل أو انحراف عن الأصل وتباعد من النبع المستقى , والأخطار والعقبات الكبرى المحدقة بالتراث الجامع, الذي تلتقي حوله مجمل الطاقات والجهود الإنسانية ,عبر تاريخها الطويل والحافل منذ أن بلغت البشرية رشدها وأدركت طريقها , وراحت تبحث عن أسرار الحياة والكون والإنسان.
وما نلحظه من ضبط وإحكام وتوازن يحيط بالحياة والأحياء والأشياء وتاريخها وتطورها, في الطبيعة الصامتة والناطقة, وما نشهده من قوانين ناظمة لطبيعة الكون وأجرامه ومجراته وأفلاكه, ومقاساتها وأبعادها غير المتناهية, في حدود المحاط بها والمكتشف منها, وما كان منها في السابق غيبا مكنونا , وسرا مستغلقا, وما نجده الآن – مع الانجازات العلمية الكبرى- من عوالم في النفس والآفاق والأجرام ,و من كواكب ونجوم وأشعة وطاقة ومادة تتحول وتنمو وتفنى, ونظام موحد في النواة ومركباتها ووحدة العناصر و ذاتية وفيزيائية الخلية وتفاعلاتها الكيميائية, والسلوك البيولوجي الذاتي , وقيم ومعايير الخلايا العضوية النبيلة, ومدى التدخل غير الإرادي في النظام الحيوي الشامل في مجمل التركيبة العضوية الراقية والمنظمة, وما لها من تبادلات تفضي بطريقة خارقة ومدهشة إلى التوازن, بين الغدد والخمائر و المفرزات وعناصرها , وحسن وإحكام توزيعها بنسبها المقررة بعناية فائقة لانتظام الحياة وديمومتها, في الكائن الحي كأكبر معمل ذاتي الحركة والضبط والتفاعل , كل ذلك في دقة متناهية وإحكام وضبط مقدرين وفق نظم ونظريات اكتشف جزء يسير منها ,و ما نلحظ ونجد من ذلك كله ومن القوانين الاجتماعية والعلاقات الإنسانية والدساتير الشاملة في ضوابط السلوك الإنساني , يغرينا بمزيد من التأمل والدرس والوقوف على ظواهر هذا الإحكام المقدر, وتلك الدقة الواضحة , بما يدفعنا إلى انتهاج هذا التفسير والولوج إلى ملامح الإحكام والبحث عن أسرار الترابط المحكم , في علاقات الأشياء والموجودات كما تذهب إليه التجريبية والجدلية والقوانين العلمية والفرضيات الباحثة عن الحقيقة, ومناهج البحث العلمي, بمختلف فروعها ومناحيها , و في مختلف القطاعات ومجالاتها وتخصصاتها, وميادين الأبحاث والدراسات وأصول البحث العلمي ” التي تتكون في داخل المعامل, الذي هو معبد العلم الحقيقي, إبان الاتصال المباشر بالتجارب والوقائع العملية كما يقول “كلود برنار” .. مناهج البحث العلمي , د. عبدالرحمن بدوي, ص/ 7/ .. “, وذلك في العلوم والدراسات التطبيقية, أما في سائر الأبحاث والدراسات وفروع البحث فلا تقل مناهج البحث أهمية للدارس في التحليل وبناء الأسس والقواعد المستنبطة استقرا واستنتاجا ووصفا ورصدا وتعليلا , ليشكل ذلك نقطة الانطلاق الموثوقة لصياغة عمل تكاملي يهدف إلى لملمة الأسباب ودراسة العوامل المؤدية, إلى تلك الصياغة الجديدة والمستندة إلى تلك الدراسات التي تشفع لنا بارتيادها , وتلمس القدر المطلوب لتلك الصياغة المحكمة والمنضبطة.
ومن هنا تكون للعلم وضبطه وإحكامه, والمنهج وقواعده وأسس بحثه وخبراتهما المتراكمة والتراث العلمي والمعرفي وغناهما , والتجارب التاريخية الخصبة, تكون لها جميعا تلك القدرة على بناء وتعزيز الرؤية التكاملية المرجوة في تعليل التاريخ السلوكي والفكري وحاضرهما ومستقبلهما , بما يهيئ للتفسير الأوسع نطاقا والأقدر على الإلمام بتعليل الظاهرة العلمية والإنسانية وردها إلى العلل والعوامل المتكاملة بدل اللجوء إلى تفسيرات قاصرة وأحادية الجانب كما حاولت معظم الفلسفات والدراسات الماضية في سيرها نحو تفسير التاريخ والاجتماع والاقتصاد والفكر القومي والإنساني والتجارب التي خاضتها البشرية , عبر نوزاع وصراعات قادت إلى كثير من الفتك والخراب والتدمير وتعطيل قيم الحياة الإنسانية وعمارة وازدهار الحضارة والفكر والفن والجمال.
والذي نريد بيانه وتوضيحه في الجزء من الدراسة التعليلية, أن هذا الكون بمعالمه وآفاقه وحجمه الهائل ومجراته وأفلاكه وأجرامه كما تقدم , والحياة من انطلاقة الخلية الأولى ومركباتها وأحماضها وخمائرها , وتعقيدات الكائن الحي في الامتداد والنمو والتكاثر , وما يتعلق بها من مفرزات وهرمونات وغدد وشيفرات وكروموزومات محددة ومبرمجة, وعلاقات الكون والإنسان والحياة وسويتها وصعدها وتشابكها ,كل ذلك يقع في حيز الضبط والدقة والإحكام بما يتيح للباحث المتأمل أن يحسن الرصد والتحليل وهو يمتلك الأساس العلمي لبناء معالم فكر متكامل يصوغ من جملة النظريات والقواعد المحكمة في مجمل التراث الإنساني, ما يؤسس لفكر يرود مجاهل تفسير مضن ينبغي ألا يقتصر على الجهود الفردية, إذ أنه يحمل طابع عمل إنساني متكامل يفترض تعاونا على قدر كبير من الأهمية وهو ما نريد خوض تفاصيله في أجزاء لاحقة قادمة.