الرئيسية » مقالات » محطة قطار / قصة قصيرة للدكتور نجم السرّاجي وقراءة تحليلية لها

محطة قطار / قصة قصيرة للدكتور نجم السرّاجي وقراءة تحليلية لها

نص : عنق الزجاجة ينتظر … !

تقف مبهورا أمامك
تتمسك بثوب عريك
فارق بين الصعود إلى الأفق والصعود إلى الهاوية !
شاعر أنت !
رقة مشاعرك تقودك إلى عمق لاوعيك ، تلامسه ، تتحسسه ، تتفاعل معه ، تكشف خفاياه … فرويْد الإنسان الذي حلل النفس البشرية وتعامل معها بإفراط ودراية ترك لك هذه المهمة فقط لأنك شاعر مرهف الحس !
***
سلكت دربهم …
تُوجِس خِيفة على نفسك،
ذاتك التي عريتها من قيمك وفكرك لازالت تبحث عن طريق ، تتعقب الأنوار الخافتة ، أصوات الفجر المهزومة ، دقات أجراس الكلمات المتوعدة بالعقاب والثواب
لتقف مبهورا أنت على صدر مدينتك التي رفضت مضاجعة حكامها / كسرتها معهم /
تتسارع / تتباطأ / خطاك وأنت تسلك درب القصائد التي لا تخطئ هدفها والتي تعرف طريقها وهي في رحم الأفكار وبعد ولادتها ، هي في مأمن من الأخطار ،لا تخيف صاحبها ولا ترعب المكان ! يشذ بعضها / المعاند / عن طريقها المرسوم لها :
تطرق الأبواب
/ موصدة الأبواب /
تتابع خطاها
/ تطردها الطرقات/
تنزوي في أي ركن تصادفه
/ ترتبك الأركان/
الأبواب و الطرقات والأركان لها حق الخوف منها / تقيأت فكرها المتمرد المشبوه / هي تعلم عقوبة إيواء المخالفين والمعارضين/ الموت ارحم عقوبة /


***
بين الوفاء والخيانة وبين الخوف والثبات خيوط اليقين أو الوهم ،

أراك في شك يؤرقك التفكير ،

ولأنك / تهاب المواجه لتعود إليك / تمسك ذاتك تجلدها ، تغوص في تيهها ثم تترنح ، تتقلب، ترائي، تداهن فتنتفخ أوداج رقبتك/ المعرضة للقطع / وتتسع مسامات جلدك …
رائحة خوفك تسعدهم / أرعبوك / ربما نصائحها شلت يمينك !
امرأة… تسلل إليك ليلا من تحت فراش الزوجية عطرها ،

طرق بابك ،

فتحت ،

قبلتها بحرارة المحروم وعدد المرات التي كررت فيها كلمة ” الثورة “،

تكورت بين فخديها تلعق عرق الشهوة والخيانة

آويتها في روحك كما كنت تأوي تلك القصائد المتمردة وتكورها في قلبك !
كنت تسمع عن الثورات وتقرأ وتكتب عنها :
حين كتبت عن ثورة الحسين سجنوك بتهمة الرجعية وحين كتبت عن ثورة جيفارا سجنوك بتهمة الشيوعية وحين رسمتها عارية قالوا : فاجر عربيد … ازداد رصيدك فيها من حصة التصفيق…
وكما كنت لا تهاب السجون ! ربما لخلوها آنذاك من ذلك الضابط ومن قنينة الجعة الفارغة!
لكن عنق الزجاجة أخاف مؤخرتك الثقيلة / فَضح أمرك /
لولاه لأصبحت قائدا مناضلا يقسم برأسك الثوار !


***
في السجون الانفرادية أعناق الزجاج تشتهي الذكور، لكل عنق إستٌ يفتضُّ بكارته ويحظى بدفء أحشائه ثم يُُرّقم ويـُحفـَظ / ضابط الأمن الجديد يحب الأرْشـَفـَة /
لكلمة الضابط وقع على مسمعك تتحسس منها / ترهبك /
راودتك فكرة بلهاء ، ساءلت نفسك :
ـ هل يملك ” ضابط الإيقاع ” أيضا قنينة جعة فارغة ينتظر عنقها إست عازف أو مستمع وربما مستطرق يدفئه ؟!
توالت الأسئلة والتبريرات
وانتهيت إلى أن أعناق القناني تنتظرك في كل مكان!
حسمت أمرك …
غشيك الليل واتخذته جَمَلا ! حاملا رحالك باتجاههم / لست أول من ينزلق /
انزلق قبلك الكثير من “المناضلين” و”الثوريين”


***
هل عددت فضائحك ، نزواتك ، وكم مرة تعريت وكم سرقت ؟
نزواتك هي تفسير لساديـَّتك / ولأنك تخاف / عليك أن تعادل خوفك بالإحساس بالقوة من خلال الرغبة بالسيادة .
كتبت يوما عن ” عيد الحب الفالانتاين ” قدمت لك وردة حمراء دليل الحب وطلبت أن تصفح عنها / هم أخذوها عنوة إلى بيت زوجها / رفضت تسليم نفسها له لأنها تحبك أنت وتعشق أفكارك ، صارحَته بحبها لك ، كان بإمكانه ان يفتضُّ بكارتها انتقاما ويعيدها مكسورة / حسب العرف / إلى أهلها ، لكنه لم يفعل ، احترم صراحتها وأعادها إليك زنبقة بكرا / رفضتها / قلت انك لا تشم وردة مرت على انف غيرك / مقولة سبقك إليها ” الحجاج ”
وحين أعلنت تمردك وكتبت قصائدك بأفكارها المجنونة قلت :
ـ الجنون هو قمة الفلسفة
ولكي تسلك دروب الجنون والفلسفة آثرت درب التصوف ، تغنيت بالكأس والعشق الإلهي … وأنت في طريقك إلى دروب “العرفان ” فضحك عريك وأنت تسرق حضنها ، جارتك الحبلى ، تعريتَ أمامها ، ضاجعتها على سريره / كان صديقك / هي ليست المرة الأولى التي تتعرى فيها !
تشدقت بعدها بولائك إلى منظـِّري ” الثورة الجنسية ” وطالبت بتغيير جذري في العلاقات بين الجنسين كما هو الحال في العالم الغربي المتحضر ، فضحتك فطـْرتك وحركة يدك اللاإرادية التي حاولت أن تغطي بها عورتك التي كشفها الطبيب في عيادته وهو يفحص جهازك التناسلي المصاب بمرض “السيلان ” من تلك الفاتنة التي فرضت عليك ربع مرتبك لليلة بين فخذيها .


***
ستسبت كما العظايا في وحشة أيامك / حصار ذاتك / وربما تقرر الاستغناء عن راسك أو حرقه كما حرقت كتب قادة الثوار! أو ركنه في قبو الدار مع ما ركنت من أشياء لتخرج بدونه لا تفكر بأمر ولا تشغل فكرك الأبله بقضية الثورات ! لكن كيف يمكنك الاستغناء عن الثورات وأنت بحاجة إلى ثورة داخلية وانقلاب على ذاتك تغسل به ما تبقى من أفكارك الثورية وتطرد سفسفات الإنسانية والمستضعفين من ذهنك ؟!
***
أيامك لا تشبه البحر ، هي لا تكتم الأسرار مثله ، وأسرارك كثيرة.بعدد وجوهك التي تراها كل يوم في مرآتك الجديدة / البيت الجديد يحتاج إلى مرآة جديدة ويحتاج إلى أكثر من فاتنة وأكثر من سيلان وأكثر من امرأة حبلى تتلذذ بعريك وفحولتك / وجوه تخرج بها يناسب كل منها نوع ولون ربطة العنق وحجم المسؤول.
لم تعد تخشى الأسرار
معصمك لم يعد يخشى القيود
مؤخرتك لم تعد تخشى عنق الزجاجة
نقطة حياء جبهتك أسقطتها الأيام ورائحة المكان
حين تذكرتها وزرتها في بيتها الذي ولدتك فيه رفضَتِ النظرَ في وجهك ، ذهبت إلى غرفتك القديمة نظرت في مرآتك القديمة رأيت وجهك القديم / أفزعك / عدت إليها طفلا خائفا كما كنت تفعل سابقا ترتمي في أحضانها … / لم تجدها /
أسرعت إلى مرآتك الجديدة تتأبط ثوب عريك وعاد يتأبط جرحه ونزفه
فارق كبير بينك وبينه

انتهت
1.1.2009
محطة قطار


عدنان الظاهر 24.04.2009

محطة قطار

( قصة قصيرة للدكتور نجم السرّاجي )



قلبُ القصة وعمودها الفقري هو موضوع الثورات وإنتكاساتها وخيانات بعض رجالها سواءً أكانوا في القاعدة أو في مراكز القيادة … والذي لم يخنها كفرَ أو تنكّرَ لمبادئها التي آمنَ بها يوماً وناضلَ ثم ضحّى من أجلها وعانى ما عانى . ذكرَ القاصُّ ثورة الحسين بن علي ومقتله في طفِّ كربلاء وفشل ثورة جيفارا كلاً في زمانها ولأسبابها الخاصة التي لم يتطرقْ إليها القاص لأنَّ للقصة همومها وقضاياها الأخرى الخاصة لكنه المح إلى هاتين الثورتين كنموذجين للثورات الفاشلة بسبب خيانة بعض رجالها الذين تنصّلوا عن قادتها بل وأسلموهما لأعدائهما كما نعرف من تخلّي قبائل الكوفة عن الحسين بعد أنْ أغروه بالمجئ إلى العراق من الحجاز ليقودَ ثورتهم ضد يزيدَ بن معاوية بإعتباره الخليفة الشرعي للمسلمين . كذلك سرّبَ بعض فقراء فلاحي بوليفيا معلوماتٍ دقيقةً عن نشاطات وتحركات جيفارا في غابات وجبال هذا البلد …. سرّبوها لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي ترصّدته حتى أفلحت في قتله . ضرب دكتور نجم من قوّاد الثورات مثلين يمثلُ الأول منهما أقصى اليمين ( الدين الإسلامي / الحُسين بن علي ) في حين مثّلَ جيفارا أقصى اليسار ( الثورة الماركسية المسلّحة ) . كيف نسيَ ثورة عبيد روما بقيادة الشجاع الثائر سبارتاكوس التي فشلت ولم تحقق النصر المأمول ؟ لم يكن فيها خيانة كما أتذكر تفاصيلَ أحداثها كما رأيتها في فيلم سينمائي قبل عقود .

سأتناولُ بعضَ مفاصل القصة الهامة من وجهة نظري وأسلسلها بالأرقام :

1ـ (( سلكتَ دربهم … تُوجِسُ خِيفةً على نفسك ))

هكذا دشّنَ القاصُّ طريقه الصعب المعقد الجديد وكان صادقاً مع نفسه وعززً موقفه هذا ببعض معطيات التحليل الطبي النفساني التي إبتدعها الدكتور نجم السرّاجي أو إستعارها مما توصل إليه الطبيب وعالم النفس الشهير سيكموند فرويد ونصها (( رقّةُ مشاعركَ تقودُ إلى عمق لا وعيك )) . يتهيأُ لي أنَّ بطل القصّ هذا قد قال مقولته الأولى وفي رأسه مسلسل قصص وصورة موسى منذ أنْ قتل رجلاً مصرياً ثم زواجه من إحدى بنات شُعيب حتى وصوله صحراءَ سيناءَ وصعوده جبل حوريبَ في سيناء تاركاً قومه هناك أربعين يوماً حسب ميقات ربّه [[ وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً وأتممناها بعَشرٍ فتمَّ ميقاتُ ربّه أربعينَ ليلةً …. / سورة الأعراف / الأية 142 ]] . المهم في أمر ذِكر موسى هو ” الخيانة ” ، خيانة بني إسرائيل لنبيّهم الذي ثارَ بهم ولهم مرتين : علّمهم عبادة ربٍّ واحد لا يرونه بدل العكوف على عبادة الأصنام . ثم إنقاذهم من ظلم وعبودية فرعون مصر . ما أنْ تركهم لفترة قصيرة من الزمن حتى تنكّروا لربّه وربّهم وعادوا يعبدون الأصنامَ إذْ إتخذوا من عجلِ ذهبٍ إلهاً لهم عكفوا على عبادته [[ واتخذَّ قومُ موسى من بعده من حُليّهمْ عجلاً جسداً له خُوارٌ … / سورة الأعراف / الآية 148 ]] . البشرُ يخونون مبادءَهم وأديانهم وأنبياءَهم ويخونون حتى ربّهم !! فليس كثيرٌ عليهم الإنسحاب من أحزابهم وخيانة تنظيماتها السريّة والكفر بما آمنوا من مبادئ وعقائد . ما الذي دعاني إلى هذا الإستطراد الذي قد يبدو نشازاً أو ثرثرةً لا لزومَ لها ؟ جملة ” تُوجسُ خيفةً ” ، أجلْ ، توجِسُ خيفةً التي قرآناها وقرأها جيداً الدكتور السرّاجي والتي قيلت في صاحبنا موسى إياه الثائر الذي خانه قومه وأتباعه [[ فأوجسَ في نفسهِ خيفةً موسى / سورة طه / الآية 67 ]] . قيل هذا الكلام في موقف خطير إذْ تلاقى طرفا قضية مصيرية يتنازعان أمرهما فيها: موسى ودينه وتحرير قومه وعصاه المتقلبّة مقابل فرعون وجنده وجبروته . حزب القاص ومبدأه الذي إختاره وسيلةً للثورة الإجتماعية والتحرر والديمقراطية مقابل سلطات غاشمة فاشية لا تؤمن بالدمقراطية ولا بحقوق الإنسان ولا بالإشتراكية . جبهتان هما في كل أمر على طرفي نقيض . لذا فحين قرر بطل القصِّ الدخول في معامع السياسة كان خائفاً وَجِلاً [[ٌ سَلكتَ دربهم .. تُوجِسُ خيفةً على نفسك ]] .

2ـ [[ تقفُ مبهوراً أنتَ على صدر مدينتكَ التي رفضتْ مُضاجعةَ حكّامها ]] .

وما كانت مدينة هذا الثائر الحائر في أمر زمانه وما قد إلتزم من مبدأ وحزب ؟ البصرة ، نعمْ ، إنها بصرة الثورات والنخيل والثقافة . في ضواحيها دارت معركة الجمل التي خاضها مُضطراً الإمامُ عليٌّ ضد الذين إنشقوا عليه وخانوا ما كانوا قد بايعوا تقودهم عائشة ، قرينة إبن عمه وصهره النبي محمد. ثم كانت هناك ثورة الزُط وثورة الزنج بقيادة علي بن محمد التي إندلعت زمنَ الخليفة العباسي المُعتَمِد على الله وأخيه الموَّفق وإستمرّت طوال الأعوام ( 255 ـ 270 هجرية ) *. ثمَّ ، نعمْ ، ثمَّ …. في البصرة إندلعت شرارة ثورة شعبان عام 1991 ضد صدام حسين ونظام حكمه البعثيّ التي ساهمت فيها 14 محافظة عراقية من أصل 18 . هذه هي بصرةُ القاص التي يفخرُ بها بحقٍّ رمزاً وأمّاً للثورات ولأنها مدينة ثورية فقد أنجبت كبار المفكرين والعلماء والأدباء والشعراء والنحويين والمثقفين ولا من غرابة ، فالثقافة لا تنشأ ولا تنمو ولا تترعرع في أجواء الذل والخنوع أبداً . رفضت البصرةُ مُضاجعةَ حكامها ، أحسنتَ يا دكتور نجم ، لم تقلٍ هنا إلا الحقيقة ولكنْ ، لِمَ يتنازل بعضُ ثوّارها من العقائديين والحزبيين عن إلتزاماتهم ومبادئهم ويخونون رفاقهم ويُفشون أسرار حزبهم ؟ التعذيب ! نعم ، إنه التعذيب الجسدي والنفسي . التعذيب الوحشي غير المسبوق ، ربما . فلقد درجَتْ عناصرُ مخابرات وأمن البعث الحاكم في العراق على إستخدام وسائل تعذيبٍ غايةً في السادية والدموية واللا أخلاقية منها ـ كما يذكرُ القاص ـ إدخال رؤوس قناني البيرة في مؤخّرات السجناء السياسيين . هنا محنة السجين الكبرى إذْ يضعه جلاّدوهُ بين خيارين لا ثالثَ لهما : المهانة وإذلال الكرامة والجسد وهتك قدسية حرمته أو التعاون مع هؤلاء الوحوش والإعتراف على الرفاق في التنظيم السرّي للحزب الثوري . هنا العقدة الكبرى والمحنة الأعظم التي يعاني منها بطل القصة فهل يضحّي بشرفه الشخصي ثم العائلي أو يُضحّي ويخون مبدأه وحزبه ؟؟ إنه الخيارُ الأصعبُ في حياة الرجال ( والنساء المناضلات طبعاً ) . إنها محنة وجود هذه النُخبة من الناس الطييبين الذين ما خانوا وطنهم ولا آذوا أحداً ولا رفعواً يداً ضدَ أحدٍ … ما سرقوا ولا زنوا ولا شهدوا في المحاكم زوراً فهل أجرموا أنهم إختاروا لهم ما ينسجمُ مع طبائعهم وثقافتهم من عقيدة سياسية وحزب يمثلها ؟ ذكر القاص وهو بهذا الصدد والمنعطف الأكثر خطورة … ذكر شنائع الحجّاج بن يوسف الثقفي الذي حكم العراق زمن خلافة الأمويين بكل قسوة حتى أنه قتل الناس { على الظُنّة } وعلى ما يضمرون في صدورهم لا على ما يفعلون . ووضعَ السجيناتِ من نساء الخوارج عارياتٍ في سجونٍ مكشوفة تحت الشمس والمطر . فهل تعلّم صدامُ حسين وجلاوزة سجونه وشرطة أمنه ومخابراته … هل أخذوا أساليب جلاّد العراقيين الحجّاج الثقفي في تعذيب ومعاملة خصوم دولته وزادوا عليها ما قد تطوّرَ من أساليب ووسائل وتقنيات عصرية حديثة في فنون التعذيب ؟ السادية وباءٌ مُعدٍ فحذارِ منه يا بشرٌ أسوياء !

3ـ [[ ولكي تسلكَ دربَ الجنون والفلسفة آثرتَ دربَ التصوّف ]].

لماذا عرّجُ القاص ُّـ الثوريُّ السابق ـ المندحرُ لاحقاً … ما أسباب عروجه على مثلث الجنون ـ الفلسفة ـ الصوفية وهل هي ثلاثية متكافئة تماماً بحيث يستحيل الفصلُ بين زوايا وأضلاع هذا المثلث وهل هو متساوي الزوايا والأضلاع بلغة الهندسة المستوية ؟ الجنونُ فنونُ كما يُقالُ عادةً والشعراءُ مجانين والأنبياءُ أُتهموا بالجنون والسحر والكهانة فهل الفلسفة كذلك جنون وماذا عن التصوّف ؟ ليس كل الشعراء مجانين ولا كلُّ الأنبياءِ ولا كافّةُ المتصوِّفة . فيهم المجنون وفيهم العاقل وفيهم نصف العاقل ـ نصف المجنون وهذه حالة وسطٌ وخيرُ الأمور أواسطها . هل أراد صاحبُ النصِّ أنْ يقولَ لنا إنَّ دخولَ الحزب الشيوعي أو أيِّ حزبٍ سواهُ ثوريٍّ أو غير ثوريٍّ … هو الجنون بعينه ؟ قد يكونُ ، تحت ظروفٍ معينة ، في دخولِ حزبٍ ثوريٍّ مخاطرة أو شبه مخاطرة ولكنَّ ذلك ليس قدراً لازماً ولا شرطاً مفروضاً متوقعاً بالمُطلَق من الإحتمالات. التصوّف هو الإنكفاء على الذات والإرتداد إلى داخل سراديب النفس البشرية المجهولة الهوية . لا تصوّف بدون دين بينما الثوريُّ رجلٌ علميٌّ علمانيٌّ لا دينَ له فكيف يجتمع هذان المتناقضان الدينُ والإلحادُ ؟ التصوّفُ كما يرى القاصُّ هو سبيل بلوغ درجة الجنون ومع الجنون تأتي الفلسفة . جملة فيها الكثير من الغموض وفيها شَبهٌ من بعض أقوال الفيلسوف الألماني فردريك نيتشة . إلا إذا أرادنا أنْ نفهمها على أنَّ الحزبيَّ الذي ضعف وأندحرَ فخانَ لا من سبيلٍ أمامه إلا بإنتهاج طريق التصوف والإنكماش والعزلة والزهد بالحياة يأساً وتكفيراً وتطهيراً للضمير مما كان قد إقترف بحق حزبه ورفاقه . ومما يؤيدُ إجتهادي أو كهانتي هذه قوله [[ ستسبتُ كما العظايا في وحشة أيامك / حصارُ ذاتكَ / وربما تُقررُ الإستغناءَ عن رأسكَ أو حرقهِ كما حرقتَ كتبَ قادةِ الثورةِ ]] . لم تكفهِ عزلة المتصوّف وزهده بالحياة إنما وضع أمامه إحتمالَ قتلِ نفسه بقطع رأسهِ أو حرقهِ . ما الفرقُ بين حرق الرأس الثوري السابق وحرق كتب الثورة ؟ كلنا أحرقنا وأتلفنا كتباً ماركسيةً أو ثوريةً أو يساريةً منعتها دوائر الشرطة والأمن من التداول والبيع في مكتبات العراق في عهود مختلفة لكننا لم نفكّر بقطع أو حرق رؤوسنا التي حملت أفكار وعقائد ما وجدنا في تلك الكتب . ألهذه الدرجة بلغ يأسُ بطل قصتنا وحقده على ماضيه فلم يجد حلاً توافقياً يتوازن خلاله بين حياته بعد الإندحار وحياته أيام ما كان محسوباً على الثورةِ والثائرين ؟ لا مهربَ أمامه من أشباح وكوابيس خيانته كما يتهيأُ لي إلا بالإنسحاب من الحياة طوعاً وبمحض إرادته خلاصاً من شدة وطأة معاناته .

فات البطلُ الحائرُ أنَّ بين الثوري العلماني المُلحد والمتصوف فروقاً كبيرة على رأسها أنَّ هذا لا يتنازل عن صوفيته ولا يخون ولا يكفرُ بما آمنَ به من مبدأ الحلول بالذات الألهية وقد لخّصه الحُسين بن منصور الحلاّج ببيت شعري شهير قال فيه :

أنا مَنْ يهوى ومَنْ يهوى أنا

نحنُ روحان حللنا بَدَنا

وقال أشياءَ أخرى مشابهة لهذا القول ودفع رأسه ثمناً لما قال ** . أما الثوّارُ فقد خانَ بعضهم في ظروف قاهرة أو انحرفَ أو جَبُنَ وأفشى أسراراً خطيرةً . ليس لدى المتصوّف أسرارٌ خطيرة يُخفيها عن السلاطين والحكام ولا هو عضو في حزب ثوري سرّي وفي هذا قوةٌ له ليست عليه . لذا أرى أنَّ التصوّفَ لا ينفع مندحراً منكفئاً إلى داخله على نفسه ولا يصلحُ له علاجاً لأزمته النفسية ومحنته في وجوده بعدَ أنَّ جرّده الحكّامُ من إعتداده بنفسه وما يحمل من عقيدة وأسقطوه جيفةً تتعفنُّ تحت جُنح الظلام يوماً وتحت الشمس أياما .

4ـ لقد أرفّقَ بنفسه قليلاً بعد أنْ أمهلها فوجد حلاًّ لا يرفضه بادئ الأمر، لكنه حلٌّ فيه من الضرر المعاكس بقدر ما فيه من فوائد . لنستمع إلى ما قال وهو في الذروة من حالات الصراع مع الذات حتى وصلت حرارة تفكيره درجة الغليان فاختلطت عليه الأمورُ [[ لا تَفكِّرْ بأمرٍ ولا تشغلْ فكرك الأبله بقضايا الثورات ! لكنْ كيف يُمكنكَ الإستغناء عن الثوراتِ وأنتَ بحاجةٍ إلى ثورةٍ داخليةٍ وإنقلابٍ على ذاتك تغسلُ به ما تبقّى من أفكاركَ الثورية وتطردُ سفسفاتِ الإنسانية والمستضعفين من ذهنك ]]. ماذا نجد هنا من عناصر متصارعة إلى الحد الأقصى وجميعها في حالة غليان شديدة ؟ [[ كيف يمكنك الإستغناء عن الثورات وأنتَ بحاجةٍ إلى ثورةٍ داخليةٍ وإنقلابٍ على ذاتكَ تغسلُ به ما تبقّى من أفكاركَ الثورية … ]] . الثورةُ مستمرةٌ إذاً حسب فلسفة البطل الحائر الذي كان يوماً ثائراً. وللثورة وجهان أو طوران متداخلان : ثورة خارجية على العدو الطبقي أو المحتل أو المستعمِر ، وثورة داخلية هي الثورة ضد الثورة … وهذه حسب فلسفة صاحبنا ثورة تطهير النفس مما حملت من أفكار وعقائد ثورية مُصمَّمة في الأساس لتحرير الفقراء والمستضعفين في الأرض .. كفرَ البطلُ السلبيُّ بالجميع وتنصّلَ عن الجميع ولم يعدْ إلا شخصاً كارهاً لنفسه حاقداً على ماضيه بَرِماً بحاضره الشديد الوطأة بما يحملُ من أوزارٍ ثقيلة لا يستطيعُ أنْ يتحملَ عبئها . فثمّةُ ثورة ضارّة كما يرى بطلنا وأخرى نافعة وهما وجهان لعملة أو ظاهرة واحدة لا ينفصلان . الثورةُ الضارّةُ تُحوِجُ الإنسانَ لثورة مضادة نافعة فلا من سبيلٍ إذاً للخلاص من الأولى وهذه إحدى تناقضات الفكر الإنساني التي لم تزلْ دون دراسة أو حلٍ معروف مقبول . كيف يتخلّصُ الإنسانُ من حاجةٍ لا بُدَّ منها ولا تتامُّ وتكتملُ حياته إلا بها ؟ أإذا تخلّى عن الثورة والثورات وإيديولوجيات الدفاع عن الفقراء وتحريرهم من وطأة النير الطبقي ( أسماها كاتب القصة سفسفات الإنسانية والمستضعفين والأفضلُ سفاسف بدلَ سفسفات ) عجز عن مواجهة نفسه ومستلزمات التخلص من الأفكار الثورية أو الثوروية أي إنه مشلول الإرادة يعجزُ عن الحركة نحو الأهداف وقد جرّد نفسه من الوسائل وإمكانيات إنجاز ذلك .. ربَّ ضارةٍ نافعة كما قال حكماء العرب أو كما قال المتنبي

ومن العداوةِ ما ينالُكَ نفعُهُ

ومن الصداقةِ ما يضرُّ ويؤلمُ

5ـ [[ حينَ تذكّرتَها وزُرتَها في بيتها الذي ولدتكَ فيه رفضتَ النظرَ في وجهك ، ذهبتَ إلى غرفتكَ القديمة نظرتَ في مرآتكَ القديمة رأيتَ وجهكَ القديمَ / أفزعكَ / عُدتَ إليها طفلاً خائفاً كما كنتَ تفعلُ سابقاً ترتمي في أحضانها … / لم تجدها / … أسرعتَ إلى مرآتكَ الجديدةِ تتأبّطُ ثوبَ عُريكَ وعادَ متأبطاً جُرحَهُ ونزفَهُ . فارقٌ كبيرٌ بينكَ وبينه ]] .

هنا بلغ كاتبُنا ذروةَ تجلّيه في إبداع الكتابة والفكر الإنساني . هنا وضع المندحرُ نفسه في مواجهة نفسه عارياً صريحاً واضحاً أمام مرآتين مختلفتين تماماً واحدةٌ قديمةٌ يرى فيها وجهه الثوريَّ السابق الناصع ومرآة ثانية جديدة يرى فيها وجهه الجديد بعد إندحاره وسقوطه المدوّي . يرمزُ الكاتبُ في هذا المقطع إلى مقر الحزب الشيوعي ، كما إخالُ ، إذْ قال [[ حين تذكّرتها وزرتها في بيتها الذي ولدتكَ فيه ]] أي إنه رجع بذاكرته القهقرى إلى أيام فتوّته وفورة ثوريته وصباه حيث إنتمى ونشأ في أحضان حزبه الثوري . هنا يرى وجهه السابق النقي الناصع المفعم بالحماس وما في المُثل من سحرٍ وقوة المثال . أفزعه مرآى ماضيه الناصع السابق على السقوط فحاول الإلتجاء أو الإحتماء بالحزب الذي خانه لكنه لم يجده ! الحزب الثوري لا يٌسعفَ مَن يخونه ! وحين لم يمددْ له حزبه يدَ العون ولم يسعفه أو يغفر خطيئته له وجدَ نفسه في مواجهة نفسه الحالية الراهنة في مرحلة بعد الإنهيار والسقوط . لا بدَّ له من ملجأ يحتمي به وجدارٍ يتكئ عليه لإراحة نفسه من العبء الثقيل الذي يحمله فوق ظهره . إذا كانت هذه القراءة ، كقراءة ، صحيحة فإنها غير حقيقية النتائج فالواقع الراهن في العراق ـ كما نسمع ونقرأ ـ يدحضُ مضمون هذه القراءة … أعني أنَّ الحزبَ الشيوعي قد فتح أبوابه وأحضانه لكافة الشيوعيين السابقين ممن تخلوا عنه بالتبرؤ منه أو خانوه بإفشاء أسراره وكشف تنظيماته أو إصطفوا مع الأعداء عناصرَ أمنٍ ومخابراتٍ وكتبةَ تقارير . هذه هي سياسة الحزب الحالية وهي موضع جدل ساخن داخل وخارج العراق .

هل هذه هي بالضبط قصة تجربة الدكتور نجم السرّاجي نفسه مع الحزب الشيوعي العراقي ؟ بقيت فترة حصولها غير واضحة فهل وقعت بعد إنقلاب شباط 1963 الدموي الفاشي أم بعد عام 1978 عام إنهيار الجبهة الوطنية مع حزب البعث ، أم الكلام فيها عن الإنشقاق الكبير الذي تزعمه السيد عزيز الحاج وفشلَ كما هو معروف ؟! حصلت الإنهيارات في هذه الأحداث الجسام جميعاً التي مرَّ بها الحزب الشيوعي

هوامش

*ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد / المؤلف : أحمد علبي / الناشر دار الفارابي ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الجديدة 1991 .

** في محاورة طريفة وقعت بين الحلاّج والمتصوف البغدادي والزاهد الكبير الجُنيد قال الجُنيد وقد سمع طرقاً على باب بيته :

ـ مَنْ الطارقُ ؟

أجاب الحلاّجُ : أنا الحقُّ

قال له الجنيد : بل أنتَ بالحق

أجاب الحلاّجُ : كلاّ ، أنا الحقُّ . سأحررُ أُمتي وأحققُ خلودي باللهِ من خلودي فيها. فقال له الجُنيد [[ ستَخلُدُ في نارِ لعنتها . أنتَ مُتجبِّرٌ طمّاعٌ ، مُغامر طيّاش، ستُحدِثُ في الإسلامِ ثُغرةً لا يسدُّها إلا رأسُك ! .

من كتاب { الحلاّجُ أو وضوء الدم } ، الصفحة 104. المؤلف : ميشال فريد غريب / الناشر : منشورات دار مكتبة الحياة ، بيروت ، الطبعة الأولى بدون تأريخ !