الرئيسية » بيستون » لا موقف للفيليين من البعث !!

لا موقف للفيليين من البعث !!

وصل قطار المصالحة الوطنية قبل ايام , الى محطته الثانية , منذ انطلاقته المتعثرة والمتأخرة . واجتمع ركابه الذين يمثلون غالبية الطيف السياسي العراقي , من الذين هم داخل العملية السياسية او من الذين خارجها على حد سواء , بالاضافة الى ممثلي بعض المكونات العراقية , من اجل بلورة موقف (توافقي ) من الاطراف التي لها موقف من العملية السياسية , وتلك التي ترفضها بالمطلق اي حزب البعث , وعلى الرغم من اهمية هذه اللقاءات والاجتماعات , لحلحلة الاوضاع السياسية المتأزمة بين اطراف العملية السياسية ( والتي تقتقد الى الثقة فيما بينها ) , والتي ستؤدي في حالة نجاحها , الى استقرار الاوضاع الامنية وانهاء العنف , مما سيفتح المجال واسعا امام اعمار البلاد , ودوران العجلة الاقتصادية بشكل انسيابي , وتكريس الديموقراطية للتخلص من التركة الثقيلة للدكتاتورية , التي لازالت موجودة بشكل او باخر في الكثير من مفاصل الدولة والمجتمع ,وعلى الرغم من مواقف الاطراف المجتمعة , والتي تتقاطع هنا وهناك , الا ان الاجتماعات المستمرة فيما بينها سوف تذلل الكثير من هذه الصعوبات , اذا استطاعت هذه القوى ان تتجاوز حالة ( الانا ) , في سعيها لبناء عراق ديموقراطي يتسع للجميع , بعيدا عن الافكار الاقصائية وعقلية الانقلابات , التي هي جزء غير قابل للاستئصال عند البعثيين تحديدا . ولهذا نرى ان المواطن العادي , وبغض النظر عن انتمائه القومي او الديني , وهو المتضرر الاكبر من استمرار حالة العنف , ينظر بأمل مقرون بالتمنيات لنجاح الاجتماعات , ووصولها لصياغة قرارت ترضي الاطراف المجتمعة , وتساهم في انقاذ البلد من ايام سود قادمة , اذا فشل المجتمعون في ايجاد الاليات التي تساهم بنزع فتيل الازمة ( المستترة ) او تاخروا في ذلك .

ان ما تناقلته الصحافة حول مواقف الاطراف المجتمعة في الجولة الثانية من الاجتماعات . اكدت على امور مشتركة عديدة بينهم , وهذا ما يبعث على التفاؤل , وخصوصا الموقف الذي يؤكد على استحالة نجاح عملية المصالحة , اذا تمت على اساس تأهيل الجناة دون انصاف الضحايا , ومن هؤلاء الضحايا الفيليون , فأين موقف الفيليين من كل ما يجري ؟ وما هو حجم مشاركتهم في هذا الامر الوطني الهام جدا , ولماذا تغيبوا عنه ؟ وهل سيقتصر دورهم مستقبلا في حصولهم على حقوق فقدوها , دون ان يكون لهم دور في رسم سياسة البلد ؟ ومن المسؤول عن ذلك ؟

ولو عدنا لاولى جرائم البعث , بعيد وصولهم الثاني للسلطة في انقلاب تموز 1968 , فاننا نستطيع ان نشير الى جريمة تهجير الفيليين في العام 1970 , واتي تعتبر وفق قوانين الامم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان جريمة ضد الانسانية , لان الحجز التعسفي والتهجير واسقاط الجنسية , والتمييز العنصري والطائفي والعشائري , تدخل في باب الجرائم ضد الانسانية , واستمر تهميش الفيليين ومعاملتهم كغرباء عن الوطن , حتى قام النظام البعثي بعمليات التهجير في العام 1980 , والذي استمر لسنوات طويلة هذه المرة , وهنا لم يكتفي النظام المقبور بعملية التهجير بل تجاوزه وباصرار شوفيني فاشي , الى تغييب الالاف من ابناء الفيليين بين اعمار 14 و 45 عاما , و تدخل هذه الجرائم بدورها ووفق قرارات المنظمات الدولية ومنها منظمة حقوق الانسان العالمية ومنظمة الامم المتحدة , في باب جرائم الابادة الجماعية ,لان تعريف الابادة الجماعية هي ابادة كل او جزء من مجموعة من الناس , بسبب الانتماء القومي او الديني او الطائفي .

وعلى الرغم من عدم حل المشاكل الفيلية ( المستعصية على ما يبدوا ) من قبل حكومات ما بعد التاسع من نيسان , واستمرار اثار جرائم البعث بحق الفيليين , فان الصوت الفيلي لا زال خافتا و خجولا بشكل يثير التساؤل , ولكي يتجاوز الفيليون هذه الحالة من اللاابالية والخدر , عليهم ممارسة النقد والنقد الذاتي دون مجاملة لهذا الحزب او ذاك , او لهذه الشخصية او تلك , وتسمية الاسماء بمسمياتها, من اجل النهوض بالواقع الفيلي ليأخذ مكانه الطبيعي في المجتمع , والسؤال الكبير الان هو , من المسؤول عن تهميش الفيليين ولماذا ؟ ولماذا يتغيب الفيليون عن مثل هذا المؤتمر البالغ الاهمية ؟.

وقبل ان يرحل الفيليين مشاكلهم ويعلقوها على شماعات الاخرين ( مهما كان هذا الاخر ) , عليهم ان يعترفوا بأتكاليتهم وضعفهم , في ان يكونوا اصحاب المبادرة في الدفاع عن مصالحهم , لانهم يعتمدون في تعاطيهم مع الامور التي تهمهم , على رد الفعل وليس الفعل , اي انهم ينتظرون حدثا يلم بهم ليكون لهم بعدها موقفا منه , وهذا النمط من العمل يضعف الجهة التي تتبناه ويسلبها حق المبادرة , والذي هم في امس الحاجة اليه اليوم .
ان التنظيمات الفيلية من احزاب ومنظمات ومؤسسات مجتمع مدني , وشخصيات اجتماعية على كثرتها , لم تستطع منذ التاسع من نيسان 2003 وليومنا هذا , ان تقدم حلولا حقيقية لانتشال الفيليين من المأساة التي يعانون منها منذ عقود لاسباب عدة منها , انعدام الثقة فيما بينهم وتغليب المصالح الذاتية عند البعض على المصلحة العامة , كما ويمتاز البعض من المتصدين للشأن الفيلي بالضعف الفكري والثقافي وافتقادهم للخبرة السياسية .

ونتيجة لهذه الاسباب مجتمعة , وغيرها من الاسباب الذاتية , نراهم يرشحون اشخاصا غير كفوئين وتنقصهم الدراية , ضمن وفود مهمة تستطيع ان تلعب دورا كبيرا في عكس صورة حقيقية عن الانسان الفيلي , وهذا ما يفسح المجال امام منظمي المؤتمرات والذين خلفهم , الى تشويه صورة الفيلي امام المؤتمرين , وجعله اضحوكة يتندرون عليها اثناء جلساتهم الخاصة , مثلما حصل في مؤتمر الاكاديميين الذي انعقد في بغداد مؤخرا, حيث تجاوز منظمي المؤتمر وعن قصد على ما يبدوا , العشرات بل المئات من الاكاديميين الفيليين , من الذين يعيشون في داخل العراق , او من الذين ينتشرون في اصقاع الارض المختلفة , ووجهوا الدعوة الى بعض حملة شهادات الدكتوراه من الفيليين و الذين لم ينهوا الدراسة الاعدادية !! وقبل هذا الحدث , واثناء توجه وفد المثقفين العراقيين العرب لنصرة القضية الفيلية , تم ترشيح بعض الفيليين من اشباه الاميين , او من البعيدين عن الوسط الثقافي الى الوفد , تاركين العشرات من الشعراء والادباء والصحفيين المتمرسين وملحنين مبدعين , ما اوحى لمنظمي هذه الفعالية بضعف المثقف الفيلي ! وفي فترة سابقة جاهد البعض , لتحويل القضية الفيلية بكل تداعياتها الى مشروع ثقافي , وافراغه من البعد المطلبي , متناسيا من ان الفيليين ولليوم لا يستطيعون القراءة و الكتابة بلهجتهم , وهذا بحد ذاته ينسف كل توجهاتهم لتمييع القضية الفيلية , ولم يكتفي هؤلاء بكل هذه السلبيات , بل تجاوزوها قبل ايام ,الى اهمال حدث ذو خصوصية عند الالاف من الفيليين ( حسب ما جاء في تقرير مؤسسة شفق في بغداد ) اي ذكرى تفجيرات الصدرية , والتي حصدت ارواح المئات من الشهداء جلهم من الفيليين , وبدل من ان يواسي هؤلاء (المسؤولين) ذوو الشهداء في مكان الحدث , نراهم احتفلوا على طريقتهم الخاصة , في احدى فنادق الخمسة نجوم في المنطقة الخضراء .

ولكن تبقى الطامة الكبرى , هي عدم اشتراكهم ( المسؤولين ) في اجتماعات لجنة المصالحة الوطنية , على الرغم من ان الفيليين هم اول من تعرض لظلم وتعسف واضطهاد البعث , وان كانوا قد اشتركوا فالمصيبة اعظم ,لأن وسائل الاعلام لم تتناقل مداخلة واحدة لهم , في هذا الامر الهام والحيوي , ولكن يبدوا ان القوى التي يعمل الفيليين من خلالها , رفضت اعطائهم الضوء الاخضر للمشاركة والمساهمة في اعمال المؤتمر . او ان منظمي هذه الفعالية اي الحكومة العراقية يعرفون حجم هؤلاء ( المسؤولين ) فتجاوزوهم .

واننا لانستطيع ان نهمل تدخل الاحزاب الكوردستانية والاسلامية , في لجم اية مبادرة فيلية مهما كان حجمها , في ان تنمو لتأخذ مكانها الطبيعي على الساحة السياسية العراقية , نتيجة عقدة السيطرة والاستحواذ عند هذه التنظيمات , وسعيها المستمر للعب دور الاخ الاكبر ( لكن غير العادل ) في التوجيه والتعبئة , وصولا الى الوصاية وهو ما تحقق لهم فعلا اليوم , بعد تبنيهم لشخصيات فيلية في بعض مراكز اتخاذ القرار , من التي لاتملك المبادرة في طرح القضايا التي تهم الفيليين , دون الرجوع الى القائمة التي ينضوون تحتها .

ولهذا لم يبقى امام جماهير الفيلية , الا الضغط من الاسفل تجاه عقد مؤتمر موسع ,الهدف منه لم الشمل , والخروج من حالة التشرذم والضياع التي طالت كثيرا , ان نقطة الضوء في النفق الفيلي بعيدة جدا , ولكن الوصول اليها ليس بالامر المستحيل .

وسؤال اخير للذين ملئوا اذاننا زعيقا , ونظموا الاستبيانات لتحسين حال الفيليين في المناطق الفقيرة من بغداد , هل مؤتمر المصالحة يهم الفيليين ام ماذا ؟ واين انتم منه ؟ 

29 / 4 / 2009
الدنمارك