الرئيسية » مقالات » عودة حمامات الدم في المدن العراقية

عودة حمامات الدم في المدن العراقية

كان الأسبوع الماضي أسبوعا داميا بامتياز بعد أن روع العراقيون بقتل وجرح المئات من المواطنين في وسط بغداد ومدينة الكاظمية ومحافظات ديالى وصلاح الدين والموصل وبابل في تفجيرات منسقة اتسمت أيضا بالوحشية الفظة، وجاءت تأكيدا لتراجع امني ملحوظ تزامن مع فترة انفتاح عربي جزئي مع العراق تمثل بالاتفاقات السورية العراقية المتعددة أثناء زيارة رئيس وزراء سوريا بغداد، ومع حدثين محليين هما استحقاقات نتائج انتخابات مجالس المحافظات و انتهاء أزمة الاتفاق على انتخاب رئيس مجلس النواب الجديد اثر خلو هذه المنصب باستقالة رئيسه السابق، أزمة استغرقت أربعة أشهر تخللها صراع إرادات بين الكتل السياسية المتنفذة، أبرزها الصراع بين رئاسة الوزراء وجبهة التوافق، تلك الصراعات التي زادت الأوضاع السياسية والأمنية إرباكا. ورغم الاعتراض المشروع على تكريس التحاصص الطائفي في تولي المهام العليا في إدارة شؤون البلد السياسية والإدارية والتشريعية، إلا أن ممثل جبهة التوافق اياد السامرائي كان هو من يستحق تولي هذا المنصب وفق الأسس والتفاهمات الطائفية المتبعة في تقاسم النفوذ والسلطة. وبعد مساومات وضغوطات داخلية وخارجية لم يكن من سبيل أمام الكتل المتناحرة إلا الخضوع إلى صفقة التوافق السياسي لحسم حيازة منصب هام كمنصب رئيس مجلس النواب. و لكن صفقات التوافق السياسي وكما دلل أكثر من حدث وتطور سياسي منذ التاسع من نيسان العام 2003 لم تكن موفقة في الحفاظ على تعزيز مسيرة العملية السياسية وركنها الهام استتباب الأوضاع الأمنية في عموم إرجاء البلد. فقد ظل تهديد امن المواطن بل وترويعه سلاحا مجربا لفرض إرادة ما أو لتنفيذ أجندات محلية أو إقليمية ودولية. ولا تزال تجربة التعامل من كيانات و أفراد ما أصطلح على تسميتهم بقوات الصحوة، مثلا ملموسا في سوق المصالح الفئوية والفردية ، ولم يخف أطرافها تلميحا أو تصريحا من أن الوصول إلى وضع امني مقبول مرهون بتوافق واتفاق سياسي معها ومع الإطراف السياسية المتنفذة، وأي “خلل” في هذا التوافق يعني ثغرات كبيرة في الساحة الأمنية وإشارات جلية لمن يريد أن يظل العراقي أيا كان انتماؤه السياسي أو العقائدي مشروعا للقتل وان يظل العراق ساحة اقتتال وتصفية حسابات وفرض إرادات بقوة الاغتيالات والتفجيرات. وبذلك لن تكون القوات الأمنية العراقية التي تعززت إمكاناتها البشرية والفنية وفق تصريحات المسؤولين العراقيين الأمنيين قادرة على النهوض بمسؤوليتها الوطنية في ظل شيوع ممارسة الابتزاز المالي و السياسي.

إن التراجع الأمني الملحوظ يستحق التصدي له بمستوى خطورته بعد الاستقرار الأمني النسبي خلال الأشهر الماضية واستبشار المواطن بممهدات انتقال البلد إلى مرحلة الأعمار ومكافحة الفساد الإداري والمالي، و لان هذا التراجع مؤشر على إمكانات وقدرات مناوئي العملية السياسية من داخل المؤسسات الرسمية وخارجها بالتشويش على ما تحقق من انجازات على المستوى المحلي والدبلوماسي، وبامتلاكهم جذوة دواعي الاقتتال الطائفي والمذهبي فسيبقى العراق خصوصا تحت ظل الاحتقان العام الذي يخيم على بلدان النفوذ الإقليمي التي لن تجد ساحة رخوة لنقل صراعاتها أفضل من الساحة العراقية. وإذا كانت الإدانة والفضح مستحقة للقتلة إن كانوا تونسيين حسب إفادة قائد القيادة الوسطى الأمريكية الجنرال ديفيد بيترايوس يوم الجمعة الماضية في مجلس النواب الأمريكي او غيرهم من المرتزقة، فان الإدانة الصريحة والملاحقة القانونية توجه أولا إلى المتعاونين معهم من العراقيين الذين يقدمون الاحتضان والدعم للعناصر الإرهابية الأجنبية والمحلية وامتهنوا الارتزاق بلعق الدم العراقي.
rashadalshalah@yahoo.se