الرئيسية » شؤون كوردستانية » كلمة الشاعر ادونيس بعد زيارته لمدينة حلبجة الشهيدة

كلمة الشاعر ادونيس بعد زيارته لمدينة حلبجة الشهيدة

pukmedia 28/4/ 2009 :
الاخوات والاخوة

أعترف أنني كدت ان اختنق في حلبجة حزنا وألما، وكادت عيناي ان تمتلئا دموعا اكثر من مرة.. أنا الشخص الذي يوصف بأنه لايبكي. وحاصرتني غصة لم اعد اعرف معها ماذا اكتب على دفتر الزائرين، وفقا للتقليد. وساءلت نفسي بضغط من المناسبة: ماذا اكتب؟ وكان الجواب: انت هنا كأنك تطلب من وردة ان تعانق النار.

ربما مع هذا كله، ما يؤكد ظني ان بيني وبين الارض الكردية علاقة تكاد ان تشبه الاسطورة. المخيلة في هذه العلاقة صلبة كأنها طالعة من مادة الواقع، والواقع فيها لين كأنه ماء يتدفق من ينبوع المخيلة.

التاريخ هنا في الحالين مشحون بكهرباء المأساة، ولعل جسد حلبجة ان يكون بين بلدان العالم، وفي هذا العصر عصر الدم والعنف والقتل، ان يكون الطائر الاحمر الاخير مدى يعبر مشتعلا في فضاء هذا التأريخ.

ذكرت الاسطورة لأشير الى ان البلاد التي لا اساطير لها تموت من البرد، كما يقول الشاعر الفرنسي باتريس دولاتور دوبان.

إن للبرد انواعا كثيرة غير برد الطبيعة.

ولئن كان الجمع هو الذي يصنع التاريخ، فان الفرد هو الذي يكتب المعنى الاعمق لهذا التاريخ: هو الذي يبدع القصيدة، وينحت التمثال، ويرسم اللوحة. وهو الذي يحب، ويحلم، ويعمل.

والغاية من هذا كله ألا تبقى الحياة على هذه الارض وعدا، مجرد وعد، حيث تقتل الطوباوية الايديولوجية كل شيء، لا الفن والفكر والفلسفة والادب وحدها، وانما تقتل كذلك الانسان نفسه لانها تحيل وجوده الى مجرد تضخم لفظي.

ويقدم لنا التاريخ، البعيد والقريب، امثلة حية كارثية على هذا التضخم.

صحيح ان هناك صعوبة وربما استحالة في نسيان الابادة الانسانية الجماعية والكوارث الثقافية والاجتماعية التي تتولد عنها. لكن من الانسانية ايضا ان نتساءل دائما: أليس في عدم النسيان هنا مايفسد الحياة نفسها؟

ولئن قتلت القاتل أمام بيته، فهل يوسع هذا القتل حدود بيتي، ويجعله اكثر جمالا؟ ام هل يجعل حقلي اكثر خصوبة وأفقي أكثر اتساعا؟ إنها اسئلة تؤكد على ان الحياة لاتجد غذاءها في مزيد من تمجيدها ومجيد الانسان- في الحب، والابداع، والعمل.

فالحياة هي وحدها غذاء الحياة

شكرا للحياة على هذه الارض

شكرا لهذه الارض

وشكرا لكم انتم ابناءها.. نساء ورجالا.

ادونيس

السليمانية 16 نيسان 2009