الرئيسية » مقالات » في مواجهة قانون الأقوياء

في مواجهة قانون الأقوياء

كلما كانت فرص الاحتجاج الاجتماعي و السياسي معدومة أو تكاد , و كلما كان المجال الفكري حكرا على دوغما جامدة , تحظى بعطف السلطة أو تفرض هيمنتها بقوة السلطة و تلعب دور الشكل العقلي الأكثر تجريدا عمن تلك السلطة الفعلية , عندها يصبح القانون “العام” الذي تضعه السلطة و تمارس “حمايته” في هذه الظروف الشكل الوحيد تقريبا للحياة الاجتماعية و يصبح الخروج عليه الشكل الوحيد تقريبا للاحتجاج الاجتماعي ضد السلطة و للجدال الفكري مع الفكر السائد , ليس فقط في الدول الشمولية الأصولية” أو الدينية , مثل إيران , السعودية , طالبان , حيث تكون هذه الهيمنة صارخة , بدائية , و مباشرة , و يومية , و حيث يكتسب ذلك القانون و الفكر السلطوي شكلا مطلقا لا يقبل حتى وجود الآخر إلا بشكل مقموع , يصبح الخروج على هذا القانون , أو ما يسمى بالجريمة , الشكل السائد للاحتجاج الاجتماعي و الفكري على السائد السلطوي , بل إن الواقع السياسي و الاجتماعي اليوم في مجتمعاتنا و في العالم اليوم يتجه نحو تجسيد مباشر للقوة المهيمنة في الحياة اليومية بشكل أكثر فظاظة , ينفصل عالم الأغنياء بشكل شبه كامل اليوم عن عالم الفقراء في كل بلد و على مستوى العالم , و هذا يترافق مع اشتداد وطأة القهر الاجتماعي , في لبنان قامت خادمة أثيوبية في أيار مايو من العام الماضي برمي ابنة مخدومها البالغ 7 سنوات من شرفة منزله ثم ألقت بنفسها ورائها , في لبنان , كما في الخليج , تنتشر ظاهرة الخادمات الأجنبيات , هناك أفضلية بالتأكيد لصالح أرباب العمل اللبنانيين , لكن يبدو أن إحساس الضحايا بالقهر الاجتماعي لا يستطيع تمييز هذا , الغريب في الموضوع هنا هو غياب أي تضامن على أساس إنساني بين الضحايا و سادتهم , بما في ذلك مع أطفال مخدوميهم , كانت الابنة التي ألقتها الخادمة من الشرفة البالغة من العمر 7 سنوات عدوانية في تعاملها مع الخادمة , و هذا نجده أيضا في شوارع دول الخليج حيث تشكل عملية التنمر على العمال الأجانب جزء من عملية النضج التي يمر بها الأطفال أبناء السكان الأصليين و هم يتفوقون بذلك على الكبار في التمتع بالمضايقات اليومية ضد كل ما هو أجنبي في شوارعهم و في كل مكان , في تعليق آخر يقول بعض العمال السوريين في لبنان أنهم لم يصادقوا قط أي لبناني , و أنهم يعتقدون أن كل اللبنانيين يكرهونهم , لا شك أنها نفس المشاعر التي سيطرت على الفيتنامي الذي قرر قبل فترة قصيرة أن يقتل نفسه بعد أن أطلق النار عشوائيا في متجر عام في الولايات المتحدة , ترك لنا الفيتنامي رسالة تحدث فيها عن تحرش الشرطة به كسبب لقيامه بهذا العمل , قد يكون من الغبي اعتقاد أن الشرطة الأمريكية غبية أو عدوانية إلى هذا الحد , لكن التحرش الدائم بالأجانب خاصة الفقراء هو جزء من واجب هذه الشرطة الدائم و ملاحقتهم للمشتبه بهم و الأجانب الفقراء هم , إلى جانب الأمريكيين السود مثلا و المنحدرين من أصول إسبانية , هدف مغري هنا , هذه الحوادث تمثل فقط قمة جبل الجليد , فالعادي و الشائع أن يموت العمال الآسيويين في الخليج بحوادث بناء أو بحوادث سير يتسبب بها المراهقون الخليجيون و ذلك بصمت و دون ضجيج و العادي أن يتعرض العمال السوريون في لبنان للسلب دون أن يفكروا حتى باللجوء لما تسمى أجهزة حماية القانون , بالمناسبة يعامل الأمريكي في الخليج , و بدرجة أقل الأوروبي , حتى المنحدر من أصول آسيوية أو عربية , باحترام مبالغ يتجاوز مكانة الأشخاص العاديين من شعوب تلك البلاد , عندما لا يكون من الممكن حتى الدفاع عن النفس , كما هو في حالة العمال الآسيويين في الخليج أو السوريين في لبنان و العمال غير الشرعيين في الغرب الرأسمالي ( نذكر هؤلاء فقط لأنهم الشريحة الأكبر التي تتعرض للقهر و الاستغلال بشكله الهمجي البدائي رغم وجود شرائح أخرى أقل عددا و إن كانت تعيش ظروفا لا تقل سوءا ) ( و هذا نجده أيضا في مجتمعات العمال الأصلية : سوريا , مصر , الهند ,الفلبين , بين الأغنياء و أفراد السلطة و بين سائر البشر ) , تصبح الجريمة الشكل الأساسي للاحتجاج , و الشكل الوحيد الممكن أيضا , المؤسف في الموضوع هو أن المال يستمر بلعب دور أساسي كمحرض على الجريمة , لكن المذنب هنا هو الرأسمالية التي تحول الحياة إلى المال الضروري للعيش و شراء كل ما يلزم للحياة , هنا لا يمكن التوقف عند امتداح القراصنة الصوماليين , القضية ليست نضالا طبقيا و لا بدعة جديدة بالمناسبة , كل القصة أن هؤلاء الشباب مثلهم مثل كل شباب الأرض يريدون النقود , و أن العالم المتطور زودهم ببنادق قادرة على القتل و يمكن استخدامها في سرقة الأغنياء الذين يمرون بالقرب من شواطئهم , لا يمكن تفريق هذه العملية عن آليات التراكم الأولي الرأسمالية في الغرب و في أمريكا نفسها , لعبت السرقة دورا هاما للغاية في الفرز الطبقي و كانت ظروف البروليتاريا الأولى مأساوية لدرجة أن الوفيات بينها كانت عالية جدا بما في ذلك بين النساء و الأطفال و انقرضت شعوب بأكملها في سياق عملية التراكم هذه , و في بلادنا نجد أن التراكم الأولي يتجدد كل مرة مع كل تغيير للسلطة , بعد أن أدى حكم عبد الناصر إلى فرز طبقي واضح بين البيروقراطية الحاكمة و البرجوازية التي ظهرت على هامشها و بين سائر الشعب جرى تراكم جديد مع وصول السادات إلى السلطة ثم مبارك و هو يتجدد اليوم مع ابنه جمال , هذا أيضا شاهدناه مع صعود صدام أولا ثم مع ترقي ابنيه , و مع حافظ الأسد و من ثم مع ابنه , في كل مرة كانت أسماء جديدة تبدأ بتركيز ثروات طائلة في يدها بكل الطرق , هذا الواقع الذي ينتج في عالمنا البروليتاريا الرثة التي تهرب بحثا عن لقمة خبزها إلى لبنان و الخليج , و الغرب الرأسمالي لتصبح ضحية مزدوجة للقهر في بلادها و في بلاد الاغتراب الجغرافي و الفعلي , ما عدا أنهم يستطيعون دفع ثمن طعام يومهم في تلك البلاد فالقهر متقارب جدا و لا معنى هنا لأي هراء عن حقوق الإنسان أو الليبرالية أو الشكل الآسيوي بالمقابل , إن الحدود التي تفصل عالم الفقراء عن الأغنياء تتحول إلى جدار أعلى من جدار الفصل الذي تشيده إسرائيل بينها و بين الضفة الغربية و يتعين تجاوزه المخاطرة بالموت في قوارب الموت و من ثم الحياة ليس فقط على الهامش الاجتماعي و الاقتصادي بل في مركز اهتمام كل أجهزة حماية الأغنياء من “جشع و الاحتمالية العالية لتحول الفقراء إلى مجرمين” , لا تختلف هنا الشرطة الأمريكية عن هيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في السعودية أو عن أية قوة تحمي الوضع القائم إلا بالمظهر الخارجي , يبقى للفقراء أن ينتظروا موتهم أو أن يبحثوا عن خلاص أو عن وهم ما أو أن يمارسوا فعلا ما , فالانتحار أو إطلاق النار العشوائي على أناس لا يوجد أي تعاطف أو صلة إنسانية حقيقية معهم أو القرصنة هي فعل ما في النهاية يتجاوز مجرد انتظار شيء ما لا يأتي أبدا……..