الرئيسية » مقالات » بعيدا عن التاريخ الأعمى للعراق !

بعيدا عن التاريخ الأعمى للعراق !

إن من كتب تاريخا أعمى للعراق ، لم يدرك طبيعة الوحدات الأساسية للمجتمع العراقي .. وافتقد فهم علاقاته في التاريخ ! كما انه لم يمتلك خلفيات معرفية بما هو سائد عراقيا منذ أزمان سحيقة : اللغات ، والتقاليد ، والأديان ، والمحليات ، ودور دجلة الحيوي ، وتصانيف الجغرافية الاجتماعية المشتركة .. لقد كان المؤرخ لونكريك منصفا في كتابه ” أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث ” بمساعدة مؤرخ عراقي مسيحي شهير ، ولكن المؤرخ حنا بطاطو ، هتك واقع العراق الاجتماعي عندما اصدر أحكاما بائسة لا علاقة لها بالواقع أبدا .. صحيح انه نجح بتقسيماته وتصنيفاته للعراقيين ، ولكنه تعّمد تشويه تاريخنا الاجتماعي ، وقد شخصّت مثالبه في عدة دراسات لا يسعفني حجم مقالتي هذه من ذكرها .
إن تصويرهم ، العراق ، كونه كيان اصطناعي ، أو دولة اعتباطية ولدت في غفلة من التاريخ ، وكما يروج ويصفق لذلك بعض العراقيين ، اليوم ، عن جهل أو قصد ، يدحض ذلك كله ، تراث مشترك نجده يتمثل في تقاليد وفولكلوريات وفنون عراقية شاركت في صنعها كل الأطياف ، ناهيكم عن دفاعاتهم البطولية عن مدن العراق وجباله وسهوله وعتباته وصوامعه وكنائسه وأديرته وعن كل حدوده .. إذا كان العراق مجموعة مجتمعات طائفية ، فكيف نفّسر شراكة الموصليين للبغاددة في قتال المعتدين ضد عتبات العراق المقدسة ؟ وكيف نفسر عيش الأكراد ببغداد منذ القرن الثامن عشر وحياتهم فيها ؟ وما الذي يجعل الفلاحين الجنوبيين المعدمين ينتقلون إلى ضواحي بغداد ؟ ومن الذي حمي الأرمن الغرباء بنخوة وشرف ؟ وما الذي جعل مجتمع الكرخ والرصافة يتعايش فيه السنة والشيعة منذ أزمان طوال ؟ إذا كّنا نسمع ببغداد جملة ألقاب كالبصري ، والحلي ، والموصلي ، والاورفلي ، والزهاوي ، والسنوي ، والمقدادي ، والشرقي ، وعقراوي ، والتكريتي ، والسامرائي ، والعاني ، والراوي ، والهيتي ، والدوري ، والمنتفجي ، والطويرجاوي والراوندوزي ، والبامرني ، والخالصي ، والمهداوي ، والشيخلي ، والنجفي ، والسماوي ، والدليمي ، والكرخي ، والرصافي .. فهل هي تسميات طائفية أم جغرافية ؟ وهل وجدت اعتباطا من فراغ ، أو أنها تشكّلت في لحظة صنع العراق 1921 ؟ ما التراث المشترك الذي تحمله في جوف تاريخها الاجتماعي ، والقائم على التلاحم والتعايش دوما بلا سفك قطرة دم واحدة ؟ ما اللغة التي تعاملوا معها منذ مئات السنين ؟ هل تنازعوا من اجل البقاء ، أم تعايشوا من اجل العراق ؟ هل كانوا مفككّين ممزقين عرقيا وطائفيا حتى وحدهم البريطانيون على صفحة بيضاء وفق تصميم جديد ، كما يتداول ذلك بعض العراقيين مع الأسف الشديد ! ؟
إنني لا انتقد الآخرين من غربيين ومستشرقين لا يمتّون بأية صلة إلى العراق ، ولكنني انتقد ، كل العراقيين الذين انساقوا يروجّون هذه السذاجة التبسيطية .. وهي فكرة عمياء لا رؤية لها أبدا ، إذ أنها لا تكتفي بالتنكر للتاريخ والجغرافية فقط ، بل تلغي ذاكرة العراق الغنية بالتراث الغني الذي أسهم فيه كل العراقيين منذ آلاف السنين ، وبالتحديد في القرون الخمسة الأخيرة ، وهي اقرب الأزمان إلينا .. إن العراقيين بإغفالهم فلسفة التعايش السلمي ، فإنهم يساهمون إلى جانب غيرهم في هتك تشكيلاتهم القديمة .. ! إن مجتمعنا العراقي لا يمكنه أن يعيش حرا ومستنيرا وموحدا وديمقراطيا .. ما لم يلتئم الوعي في مشروع وطني مدني عراقي لا يفرق بين العراقيين أبدا ..
مجلة الاسبوعية ، 25 ابريل / نيسان 2009
ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com