الرئيسية » التاريخ » سلسلة دراسات في التاريخ الكردي( الحلقة العاشرة )

سلسلة دراسات في التاريخ الكردي( الحلقة العاشرة )

الكرد والنبي إبراهيم: (1 – النبي إبراهيم في التوراة)


د.أحمد الخليل



     د. أحمد الخليل



شخصية إشكالية


    النبي إبراهيم أكثر الشخصيات شهرة، وأعظمها مكانة، في تراث الأديان السماوية الثلاثة (اليهودية، المسيحية، الإسلام)، وترتبط باسمه أحداث كبرى، كان لها تأثير مهم في تاريخ غربي آسيا خاصة، وفي تاريخ العالم عامة، وهو معروف بأنه (أبو الأنبياء)؛ إذ ينتمي إليه أشهر الأنبياء والرسل الذين ظهروا في غربي آسيا، ولا سيما أنبياء الأديان السماوية الثلاثة (النبي موسى، والنبي عيسى، والنبي محمد)، ويحمل اسمه كثير من أتباع هذه الديانات مع اختلاف في الصيغ (أَبْرام/ إبْرام/ إبراهيم، أَبْراهام/ بَراهام، إلخ ).


    والنبي إبراهيم شخصية إشكالية بقدر ما هو شخصية شهيرة، فهو- بحسب روايات الأديان السماوية الثلاثة- شخصية واقعية، له تاريخ حقيقي، بل إنه يُعَدّ الجد الأعلى لأشهر شعبين من الشعوب السامية، وهما العرب والعبرانيون. أما من وجهة النظر العلمية فإن إبراهيم من أكثر الشخصيات غموضاً؛ إذ لم يأت له ذكر- إلى الآن- في أية وثيقة تاريخية مكتوبة لها صلة بتاريخ شعوب غربي آسيا ومصر؛ سواء في المصادر التاريخية الموثقة أم في علم الآثار.


    وإن غياب ذكر إبراهيم وأخباره عن جميع المصادر التاريخية الغرب آسيوية، وصمت جميع المؤرخين والمدوّنات الرافدية (بلاد الرافدين) والسورية والمصرية عن رحلته وسيرته، هو من أكثر الأمور غرابة وإثارة للدهشة.


    وما يهمّنا الآن هو الإجابة عن السؤال الآتي:


    هل توجد علاقة ما بين الكرد والنبي إبراهيم؟


    وإذا كانت ثمة علاقةٌ ما فما هي حقيقتها؟


    وللإجابة عن هذين السؤالين بصورة علمية وموضوعية نحتاج إلى معرفة سيرة النبي إبراهيم وشخصيته، ليس على نحو متقطّع ومشَرْذَم، وإنما على نحو متكامل، يجمع بين الدقة والشمولية قدر المستطاع، وفي حدود ما نحصل عليه من معلومات وقرائن ومؤشرات. ودعونا نتناول في البداية خلاصة سيرة النبي إبراهيم حسبما وردت في العهد القديم (التوراة)، باعتباره المصدر الأقدم الذي وردت فيه أخبار مفصلة حول هذا النبي.


من أُور إلى حاران


ـ اسمه: أَبْرام، بْنِ تَارَحَ، بْنِ نَاحُورَ، بْنِ سَرُوجَ، بْنِ رَعُو، بْنِ فَالَجَ، بْنِ عَابِرَ، بْنِ شَالَحَ، بْنِ أَرْفَكْشَادَ، بْنِ سَامِ، بْنِ نُوحِ. (العهد القديم، سفر أََََخْبَارِِِ الأَيَّامِ الأَوَّلُ، الآية 24 – 27).


_ كان للأب تارَح بن ناحور ثلاثة أبناء، هم أَبْرام وناحُور وهاران.


ـ كانت الأسرة تسكن مدينة (أُور الكَلْدانيين) في بلاد الرافيدن (ما بين النهرين)، وفي أُور تزوّج أَبْرام ساراي، وكانت ساراي عاقراً.


ـ توفّي هاران أخو أَبْرام في أُور الكَلدانيين، وبقي ابنه لُوط يتيماً في رعاية جده تارَح.


ـ رحل تارَح، ومعه ابنه أبرام وكنّته ساراي وحفيده لوط، من أُور الكَلدانيين، وتوجّه إلى حاران (حَرّان الحالية في شمال غربي بلاد الكرد/جنوب غربي تركيا)، ومات تارح في حاران.


ـ لا شيء عن ناحور أخي أبرام في هذه الرحلة، لكن يُفهم من سياق الأحداث التالية أنه كن مع أهله في الهجرة إلى حاران.


ـ حينما صار عمر أَبْرام (75) سنة، أصدر الربّ الأمر إليه بالهجرة من حاران إلى أرض كنعان جنوباً (فلسطين بعدئذ): ” وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 12، الآية 1 – 3).


من حاران إلى أرض كنعان


ـ نفّذ أَبْرام أمر الربّ، ورحل ومعه زوجته ساراي وابن أخيه لُوط، وأخذوا معهم عبيدهم ومقتنياتهم، وتوجّهوا جميعاً نحو الجنوب إلى أرض كنعان، وسكنوا مكاناً اسمه (شَكِيم) في شمالي فلسطين الحالية، “ وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي الأَرْضِ. وَظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 12، الآية 6 – 7).


ـ ظل أَبْرام يرتحل مع أسرته جنوباً على مراحل، حتى وصل إلى (بَيْت إيل) في شمالي أُورْشَلِيم (القُدس بعدئذ)، وحيثما كان يحلّ كان يبني مذبحاً للرب (مكاناً للعبادة وتقديم الأضاحي للرب).


ـ حدثت مجاعة في أرض كنعان، فتوجّه أَبْرام بأسرته جنوباً نحو مصر، ومعه ابن أخيه لُوط.


ـ قُبيل دخول مصر طلب أَبْرام من زوجته ساراي أن تزعم أمام الموظفين المصريين على الحدود أنها أخت أبرام، والسبب أن أبرام خاف أن يطمع المصريون فيها لجمالها الفتّان، ويقتلوه كي ينفردوا بها.


ـ نفّذت ساراي طلب أبرام، ولما شاهدها كبار الموظفين المصريين دهشوا لجمالها، وأخبروا فرعون مصر بذلك، فأمر بنقلها إلى قصره، ويُفهم من السياق أنه اتخذها زوجة له، وأنعم على أَبرام بكثير من المال ” وَصَارَ لَهُ غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَعَبِيدٌ وَإِمَاءٌ وَأُتُنٌ وَجِمَالٌ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 12، الآية 15).


ـ لكن الربّ سرعان ما أنزل النكبات بفرعون وبيته، واكتشف فرعون حقيقة ساراي، فدعا أبرام، وعاتبه على إخفاء الحقيقة عنه، وتوريطه في اتخاذ ساراي زوجة، وردّ فرعون ساراي إلى أبرام، وطلب منه الرحيل عن مصر بكل ما له من أموال، وأمر رجاله بتأمين الحماية للأسرة في رحلة الخروج من مصر.


عودة إلى أرض كنعان


ـ عاد أبرام بأسرته ومعه ابن أخيه لوط إلى جنوبي أرض كَنْعان (فلسطين)، وكان قد صار من كبار الأغنياء بالمواشي والعبيد والفضة والذهب، وظل يصعد شمالاً، حتى وصل إلى بيت إيل، حيث كان قد نصب خيمته وأقام المذبح، في بداية دخوله أرض كنعان من الشمال، قادماً من حاران.


ـ كثرت مواشي أَبْرام ولُوط، وتقاتل رعاتهما على المراعي وموراد المياه، فرأى أبرام من المصلحة أن يفترقا، ورحل لوط بقطعانه، واستقر في أرض (سَدُوم)، شرقي نهر الأُرْدُنّ، وكانت في الأزمنة السابقة خصبة وعامرة كمصر، لكنها كانت قد صارت خراباً بعدئذ، وكان أهلها أشراراً.


ـ بعد أن تخلّص أبرام من لوط ورعاته، وبقي في أرض كنعان الخصبة، ظهر له الربّ، وقال له: ” ارْفَعْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ شِمَالاً وَجَنُوبًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، لأَنَّ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ. وَأَجْعَلُ نَسْلَكَ كَتُرَابِ الأَرْضِ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 13، الآية 14 – 16).


ـ نقل أبرام خيامه، وأقام عند (بَلُّوطات مَمْرا) القريبة من مدينة (حَبْرون)، وتقع حبرون جنوبي أورشليم (القدس بعدئذ)، وغربي (بحر الملح) الذي سُمّي بعدئذ (البحر الميّت)، وبنى هناك مذبحاً للرب، وهناك عقد حلفاً مع ثلاثة زعماء، هم مَمْرا الأَمُوري وأخواه أَشْكُول وعانِر.


حرب إقليمية


ـ حدث أن نشبت حرب إقليمية في غربي آسيا بين حلفين: تألّف الحلف الأول من أربعة ملوك، هم ملك شِنْعار (أرض الكلدانيين/ما بين النهرين)، وملك عِيلام (إيلام)، وملك أَلاَّسار (لم نعرف الموقع)، وملك جُويِيم (في أرض كنعان شرقي مدينة يافا الحالية)، وكان ملك عِيلام هو الأقوى. وتألّف الحلف الثاني من خمسة ملوك، هم ملك سَدُوم، وملك عَمُورَة، وملك أَدْمَة، وملك صَبُويِيم، وملك صُوغَر.


ـ يبدو أن الصراعات بين المكوّنات السياسية في أرض كنعان (فلسطين) كانت سبب المعركة، ونجد أن ملك جوييم الكنعاني، متحالفاً مع الملوك الثلاثة القادمين من بلاد الرافدين وعيلام. ولا ننسى رغبة ملوك بلاد الرافدين وآريانا (من كردستان ضمناً إلى غربي أفغانستان ضمناً) في الوصول إلى الشواطئ الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، حيث تلتقي عند موانئها فروع الطريقين التجاريين العالميين: طريق البخور والتوابل القادم من بلاد اليمن جنوباً، وطريق الحرير القادم من آريانا وبلاد الرافدين شرقاً.


ـ جرت المعركة قرب عَمْق السِّدِيم (بحر الملح= البحر الميّت)، وخسر الحلف الغربي الحرب، وسيطر الحلف الشرقي على المنطقة الممتدة من جنوبي سوريا حالياً إلى جبل سَعِير (موطن الحُوريين) وبرية فاران (أرض العمالقة في شمالي صحراء سَيناء).  وهذا يعني ضمناً أن الحلف الشرقي عبر ممالك الآراميين في سوريا، إما بالقوة وإما بالتحالف.


ـ بما أن لوطًا كان في أرض سَدُوم فقد وقع هو وجميع أفراد أسرته في أسر ملوك الحلف الشرقي، وسلبوه كل أمواله وممتلكاته.


ـ سمع أبرام بما حدث لابن أخيه لوط، فقام مع حلفائه (مَمْرا وأَشْكُول وعانِر) بهجوم مضاد، وطارد المنتصرين حتى شمالي دِمَشْق، وحرّر لوطاً والنساء، واسترجع الممتلكات، وكانت تحت قيادته (318) مقاتلاً من (غِلمانه المتمرِّنين)، وهذا يعني أن أبرام تحوّل من مهاجر في أرض غريبة إلى زعيم كبير يعقد التحالفات، ويقود المعارك ضد ملوك أقوياء، والأرجح أن الأموال الكثيرة التي رجع بها من مصر ساعدته على تشكيل قوة مقاتلة من المرتزقة الأرقّاء، وعقد التحالفات؛ وبتعبير آخر: إن قوته الاقتصادية تحوّلت إلى قوة سياسية وقوة عسكرية.


ـ بعد تحقيق النصر على الحلف الشرقي ارتفعت مكانة أبرام في أرض كنعان، ولما عاد من معركته الظافرة خرج ملك سَدُوم لاستقباله، واحتفى به مَلْكِي صادِق  مَلِك شالِيم، ونسب نصر أبرام إلى تأييد الله مالك السماوات والأرض، ودفع أبرام العُشر مما غنمه إلى ملْكي صادق، وباركه مَلْكي صادق قائلا:” مُبَارَكٌ أَبْرَامُ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ مَالِكِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمُبَارَكٌ اللهُ الْعَلِيُّ الَّذِي أَسْلَمَ أَعْدَاءَكَ فِي يَدِكَ “.(العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 14، الآية 19 – 20).


وثيقة تمليك إلهية


ـ بعد النصر ظهر الربّ لأبرام، وقدّم له التشجيع، ووعده بأن يكون له ولنسله جميع الأرض الواقعة بين نهر النِّيل غرباً ونهر الفُرات شرقاً: ” فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلاً: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ. الْقِينِيِّينَ وَالْقَنِزِّيِّينَ وَالْقَدْمُونِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالْفَرِزِّيِّينَ وَالرَّفَائِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 15، الآية 18 – 21).


ـ وكلما كانت قوة أبرام الاقتصادية والسياسية والعسكرية تنمو كان الرَّبّ يمنحه أرضاً أوسع. لكن ظلّت مشكلة أخرى تقلق بال أبرام؛ إنها افتقاره إلى ذُرّية له ترث أملاكه. وسرعان ما بدّد الربّ قلقه، ووعده بأنه سيرزقه ابناً يرثه.


ـ وجاء الفرج على يدي ساراي، فبعد عشر سنوات من عودة أبرام بأسرته من مصر، أهدت ساراي إليه جاريتها المصرية هاجَر، وسمح له بالزواج منها، ولمّا حَبِلت هاجر صارت تفتخر وتستعلي على سيّدتها ساراي، فغضبت ساراي، وعاتبت أبرام، فردّ أبرام لها جاريتها هاجر لتفعل بها ما تشاء، فأذلّتها ساراي، ولم تر هاجَر بدّاً من الهرب جنوباً نحو شمالي صحراء سِيناء.


ـ لكن الربّ لم يترك هاجَر وحيدة، فأرسل أحد ملائكته للبحث عنها، وعلى عين ماء، في طريق شُور (غربي ووسط سيناء)، وجدها مَلاك الرب هاجر، وطلب منها أن تعود إلى سيّدتها ساراي، وتقبل بالخضوع لها، وتنبّأ لها بأنها ستلد ذكراً يكون اسمه (إسماعيل)، باعتبار أن الله سمع مَذَلَّتها، وسيكون إسمعيل بدوياً، ” وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا، يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، وَأَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ “، ويكون كثير النسل. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 16، الآية 12).


ـ عادت هاجر، وولدت إسماعيل، وكان عمر أبرام حينذاك (86) سنة.


أسماء .. وخِتان


ـ وحينما بلغ أبرام من العمر (99) سنة ظهر له الربّ أيضاً، وقال له: “أَمَّا أَنَا فَهُوَ ذَا عَهْدِي مَعَكَ، وَتَكُونُ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ، فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ. وَأُثْمِرُكَ كَثِيرًا جِدًّا، وَأَجْعَلُكَ أُمَمًا، وَمُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ، عَهْدًا أَبَدِيًّا، لأَكُونَ إِلهًا لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ. وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا. وَأَكُونُ إِلهَهُمْ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 17، الآية 4 – 8).


ـ إذاً بأمر من الربّ تغيّر اسم (أَبْرام)، وصار اسمه (إبْراهِيم)، باعتبار أنه سيكون أباً لكثير من الأمم، وإذا أخذنا في الحسبان أن اللاحقة (هِيم) في العبرية تحوّل الاسم من المفرد إلى الجمع، يتضح أن صيغة (إبراهيم) أكثر فخامة من صيغة (أَبرام)، ولعل اسم أبرام كان مرتبطاً بذكريات الفقر والتشرد في الأرض، وكان من الضروري التخلّي عنه وعما يتعلق به من ذكريات مريرة، والتحول إلى اسم (إبراهيم) المرتبط بعهد الثروة والقوة.


ـ وكي يتأكد الله من إخلاص إبراهيم ونسله له، أمره بممارسة طقس خِتان الذكور، فكل من لا يَخْتَتِن من نسل إبراهيم يكون قد نكث بعهد الله، وخُتِن إبراهيم وكان عمره (99) سنة وخُتِن ابنه سماعيل وجميع غلمانه.


ـ ولم يكن كافياً أن يطرأ التحول على اسم (أبرام)، بل أمر الله إبراهيم أن يسمّي زوجته ساراي باسم جديد هو (سارَة)، ووعد بأن يكون لها ولد اسمه إسحاق، ويكون منه ملوك وأمم، رغم أن سارة كانت قد بلغت من العمر (90) سنة، وكانت عادتها قد انقطعت، وكان إبراهيم قد بلغ من العمر (100) سنة.


تجارة رابحة


ـ واتجه إبراهيم بأسرته نحو الغرب، واستقر في المنطقة التابعة لمملكة  (جَرار) قرب البحر الأبيض المتوسط (كانت مدينة جَرار تقع جنوبي مدينة غزّة الحالية)، وبسبب جمال سارة (رغم بلوغها التسعين!)، وخوفاً على نفسه، زعم إبراهيم مرة أخرى أن سارة هي أخته، فأخذ (أَبِيمالِك) مَلِك جَرار سارَة، وفي الليل، وقبل أن يتزوّج أبيمالك منها، جاءه الله في الحُلم، وأخبره بأن سارة هي زوجة إبراهيم، وأمره بأن يردّها إلى زوجها، وإلا فإن مصيره الموت.


ـ ومع الصباح استقدم أَبِيمالك إبراهيم، واعتذر له، وعاتبه على إخفاء حقيقة سارة عنه، وهنا اعترف بالحقيقة، ” فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنِّي قُلْتُ: لَيْسَ فِي هذَا الْمَوْضِعِ خَوْفُ اللهِ الْبَتَّةَ، فَيَقْتُلُونَنِي لأَجْلِ امْرَأَتِي. وَبِالْحَقِيقَةِ أَيْضًا هِيَ أُخْتِي ابْنَةُ أَبِي، غَيْرَ أَنَّهَا لَيْسَتِ ابْنَةَ أُمِّي، فَصَارَتْ لِي زَوْجَةً. وَحَدَثَ لَمَّا أَتَاهَنِي اللهُ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَنِّي قُلْتُ لَهَا: هذَا مَعْرُوفُكِ الَّذِي تَصْنَعِينَ إِلَيَّ: فِي كُلِّ مَكَانٍ نَأْتِي إِلَيْهِ قُولِي عَنِّي: هُوَ أَخِي “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 20، الآية 11 – 13).


ـ إذاً علمنا الآن أن ساراي (سارة) كانت أخت أبرام (إبراهيم) من أبيه لا من أمه، وهذا يعني أن الشريعة التي كان تارَح عليها، وشبّ عليها إبراهيم، كانت تبيح زواج الأخ من أخته غير الشقيقة؛ ويعني أيضاً أن إبراهيم بقي متمسكاً بتلك الشريعة، ولم يطلّق زوجته (أخته) ساراي، وهذه واحدة من المؤشرات المهمة التي قد تفتح لنا بعض الأبواب المغلقة، وتسمح لنا باستكشاف مساحات جديدة في تاريخ عقائد غربي آسيا.


ـ  ويبدو أن جمال سارة كان بضاعة رائجة، وكان إبراهيم يجيد استغلال ذلك للحصول على مزيد من الثروة والجاه، فبفضل جمال سارة عاد من عند فرعون مصر بقطعان من الماشية وبكثير من العبيد والفضة والذهب، وها هو ذا أبيمالِك يرضيه أيضاً، ويمنحه كثيراً من الأموال، والفرق أن فرعون منحه الأموال وطلب منه الخروج من مصر، أما أبيمالك فمنحه الأموال، وسمح له بالإقامة في أية منطقة يختارها من مملكة جَرار: “فَأَخَذَ أَبِيمَالِكُ غَنَمًا وَبَقَرًا وَعَبِيدًا وَإِمَاءً وَأَعْطَاهَا لإِبْرَاهِيمَ، وَرَدَّ إِلَيْهِ سَارَةَ امْرَأَتَهُ. وَقَالَ أَبِيمَالِكُ: هُوَ ذَا أَرْضِي قُدَّامَكَ. اسْكُنْ فِي مَا حَسُنَ فِي عَيْنَيْكَ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 20، الآية 14 – 15). وكافأ الربّ أبيمالك، بأن شفاه، وشفى امرأته وجواريه من العُقم، فولدن.


طرد هاجر


ـ واهتم الربّ بأمر سارة، وحقق لها الوعد، فحَبِلت، وولدت لإبراهيم ابناً اسمه إسحاق، وكان إبراهيم ابن مئة سنة حينذاك.


ـ وكبر الأخوان إسماعيل وإسحاق، وكانت سارة قد اتخذت قراراً بأن يكون ابنها هو الوريث الوحيد لإبراهيم، ويبدو أن إبراهيم كان كثير الحيوية والنشاط، وذات يوم شاهدته سارة يمزح، فطلبت من إبراهيم طرد الجارية هاجر وابنها، كي لا يرث مع إسحاق، وصعب الأمر على إبراهيم، لكن سرعان ما تدخّل (الله) في القضية، وكان إلى جانب سارة؛ إذ أمر إبراهيمَ بتنفيذ طلب سارة، ” لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 21، الآية 12 – 13).


ونلاحظ هنا حرص الراوي التوراتي على أن يكون إسحاق (ابن الحرّة) هو الوريث للنبي إبراهيم، أما إسماعيل (ابن الجارية) فلا نصيب له في إرث إبراهيم، وكان ذلك بقرار إلهي، وسنجد أن هذا القرار قد تمّ توظيفه خلال القرون اللاحقة على جميع المستويات الدينية والدنيوية، وبما يخدم نسل إسحاق طبعاً، وضد نسل إسماعيل.


ـ وفي الصباح بكّر إبراهيم، وزوّد هاجر بخبز وقِربة ماء، وأمرها بالانصراف مع الولد، ولم يعطها دابة للركوب. فسارت هاجر مع ابنها إسماعيل وتاهت في برية (بئر سَبْع) الواقعة جنوبي فلسطين الحالية، على التخوم الشمالية من صحراء سِيناء، وفرغت القربة من الماء، فوضعت إسماعيل تحت شجرة، وجلست على مسافة منه، كي لا تشاهده وهو يعاني آلام الموت عطشاً، وهناك بكت رافعة صوتها.


ـ  وسمع الله صوت الغلام، فأرسل أحد ملائكته لإنقاذ هاجر والغلام، وطلب الملاك منها أن تتشجّع ولا تخاف، وأن تحمل الغلام وتمضي في البرية، وطمأنها بأن ابنها لن يموت، بل سيكون جداً لأمة عظيمة. ونفّذت هاجر نصيحة الملاك، وأبصرت بئر ماء، فملأت القِربة، وسقت الغلام، ومع الأيام كبر إسماعيل، وبرع في الرماية بالقوس، وسكن في بريّة فاران (شمالي صحراء سيناء)، وزوّجته أمه فتاةً من أرض مصر.


الاختبار الإلهي


ـ وأراد الله امتحان إبراهيم، فأمره بأن يذبح ابنه إسحاق، ويقدّمه ضحية على مُحْرَقة في قمة جبل عيّنه له، فأخذ إبراهيم ابنه، واصطحب معه اثنين من خدمه، وحماراً لحمل الحطب، ولما اقتربوا من الجبل، أمر الخادمين بالبقاء مع الحمار، وأمر ابنَه بحمل الحطب، وصعدا الجبل، وفي الطريق سأل إسحاق والده، “ فَقَالَ: هُوَ ذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ، وَلكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: اللهُ يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 22، الآية 8).


ـ  ووصل إبراهيم مع إسحاق إلى قمّة الجبل، وذهب إلى المكان الذي حدّده له الله، وبنى مَذْبَحاً، ورتّب عليه الحطب، وربط إسحاق، ووضعه على المذبح فوق الحطب، وأخرج السكّين ليذبح إسحاق، وفجأة ناداه (مَلاك الربّ)، وطلب منه ألاّ يذبح إسحاق، وقدّم له كبشاً، فذبح إبراهيم الكبش بدلاً من ابنه. وهنا بارك الربّ إبراهيم، لأنه برهن على إخلاصه، ووعده بأن يكون نسله كثير العدد، وأن يكون منتصراً على جميع أعدائه.


ـ  عاد إبراهيم بابنه إسحاق، وسكن عند (بئر سَبْع)، وقد سُمّيت هكذا لأن إبراهيم كان قد اشترى البئر من أَبِيمالك بسبع نِعاج.


المستوطنة الأولى


ـ لم يكن إبراهيم دائم الإقامة في مقرّه الصحراوي (بئر سبع)، حيث ترتع قطعانه، وإنما كان يتردّد بين حين وآخر على موطنه القديم في بلّوطات مَمْرا، قرب حَبْرُون في أرض كنعان شمالاً، وهناك توفّيت زوجته سارة، وكانت قد بلغت من العمر (127) سنة.


ـ  وبكى إبراهيم على الفقيدة سارة ونَدَبها، ثم قام ” وَكَلَّمَ بَنِي حِثَّ قَائِلاً: أَنَا غَرِيبٌ وَنَزِيلٌ عِنْدَكُمْ. أَعْطُونِي مُلْكَ قَبْرٍ مَعَكُمْ لأَدْفِنَ مَيْتِي مِنْ أَمَامِي “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 23، الآية 3- 4). وهكذا نجد فجأة أن قوماً من الحِثّيين كانوا يقيمون في حَبْرون، في وسط أرض كنعان (فلسطين الحالية). وهذا مؤشّر ثانٍ مهمّ، يلقي الضوء على توزّع شعوب غربي آسيا القدماء، وينبغي أن نأخذه في الحسبان مستقبلاً.


ـ والمفاجأة هنا أن إبراهيم ما كان يملك قطعة أرض في منطقة حَبْرُون، والأرجح أنه كان يُعامَل معاملة المهاجِر فقط، وهنا ظهرت شهامة بني حِثٍّ ومروءتهم، فقد أباحوا لإبراهيم أن يدفن جثمان زوجته في أيّ قبر شاء من قبورهم.


ـ لكن إبراهيم رفض ذلك، ” فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ وَسَجَدَ لِشَعْبِ الأَرْضِ، لِبَنِي حِثَّ، وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: إِنْ كَانَ فِي نُفُوسِكُمْ أَنْ أَدْفِنَ مَيْتِي مِنْ أَمَامِي، فَاسْمَعُونِي وَالْتَمِسُوا لِي مِنْ عِفْرُونَ بْنِ صُوحَرَ أَنْ يُعْطِيَنِي مَغَارَةَ الْمَكْفِيلَةِ الَّتِي لَهُ، الَّتِي فِي طَرَفِ حَقْلِهِ. بِثَمَنٍ كَامِل يُعْطِينِي إِيَّاهَا فِي وَسَطِكُمْ مُلْكَ قَبْرٍ“. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 23، الآية 7- 9).


ـ وكان عِفْرُون جالساً في المجلس، ولم يكن أقلّ شهامة بني قومه، وقال لإبراهيم على مَشهد من الجميع: ” لاَ يَا سَيِّدِي، اسْمَعْنِي. اَلْحَقْلُ وَهَبْتُكَ إِيَّاهُ، وَالْمَغَارَةُ الَّتِي فِيهِ لَكَ وَهَبْتُهَا. لَدَى عُيُونِ بَنِي شَعْبِي وَهَبْتُكَ إِيَّاهَا. ادْفِنْ مَيْتَكَ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 23، الآية 7- 9).


ـ لكن إبراهيم أراد أن يمتلك الأرض، فألحّ على عِفْرون أن يبيعه الحقل والمغارة، فلم يرّ عِفْرُون بُدّاً من تلبية طلبه، فباعه الحقل والمغارة بأربعمئة شاقِل فضة، ودفن إبراهيم سارة في المغارة، “ فَوَجَبَ الْحَقْلُ وَالْمَغَارَةُ الَّتِي فِيهِ لإِبْرَاهِيمَ مُلْكَ قَبْرٍ مِنْ عِنْدِ بَنِي حِثَّ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 23، الآية 20).


ـ وقبل وفاة سارة كان إبراهيم قد علِم أن أخاه ناحُور الذي بقي في أُور الكَلدانيين، قد رُزق بعدد من الأبناء والبنات من زوجته مِلْكَةَ ومن جاريته رَؤُومَةَ، ولمّا شاخ إبراهيم قال لكبير عبيده، والذي كان يتولّى جميع شؤون بيته: ” ضَعْ يَدَكَ تَحْتَ فَخْذِي، فَأَسْتَحْلِفَكَ بِالرَّبِّ إِلهِ السَّمَاءِ وَإِلهِ الأَرْضِ أَنْ لاَ تَأْخُذَ زَوْجَةً لابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ أَنَا سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، بَلْ إِلَى أَرْضِي وَإِلَى عَشِيرَتِي تَذْهَبُ وَتَأْخُذُ زَوْجَةً لابْنِي إِسْحَاقَ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 24، الآية 2 – 4).


ـ وبعد أن نفّذ العبد أمر مولاه، ” فَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى أَرَامِ النَّهْرَيْنِ إِلَى مَدِينَةِ نَاحُورَ “، وقد يُظن للوهلة الأولى أن مدينة ناحور هذه هي أُور الكَلدانيين، ولكن يتضح من السياق بعدئذ أنها حاران (حرّان)، وأتى من هناك بفتاة اسمها رِفْقَة بنت بَتُوئيل بن ناحور، لتكون زوجة لإسحاق بن إبراهيم.


ـ وبعد وفاة سارة تزوّج إبراهيم من امرأة اسمها قَطُورَة (قطورا)، إنها كانت جارية، فولدت له عدداً من الأبناء، وأعطى ابنَه إسحاق كلَّ ما يملِك، أما أبناؤه من السَّراري (الجواري) فأعطاهم بعض المال، وصرفهم عن إسحاق، وأرسلهم باتجاه الشرق.


وَعَادَ إِبْرَاهِيمُ فَأَخَذَ زَوْجَةً اسْمُهَا قَطُورَةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ: زِمْرَانَ وَيَقْشَانَ وَمَدَانَ وَمِدْيَانَ وَيِشْبَاقَ وَشُوحًا. وَوَلَدَ يَقْشَانُ: شَبَا وَدَدَانَ. وَكَانَ بَنُو دَدَانَ: أَشُّورِيمَ وَلَطُوشِيمَ وَلأُمِّيمَ. وَبَنُو مِدْيَانَ: عَيْفَةُ وَعِفْرُ وَحَنُوكُ وَأَبِيدَاعُ وَأَلْدَعَةُ. جَمِيعُ هؤُلاَءِ بَنُو قَطُورَةَ. وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ. وَأَمَّا بَنُو السَّرَارِيِّ اللَّوَاتِي كَانَتْ لإِبْرَاهِيمَ فَأَعْطَاهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَطَايَا، وَصَرَفَهُمْ عَنْ إِسْحَاقَ ابْنِهِ شَرْقًا إِلَى أَرْضِ الْمَشْرِقِ، وَهُوَ بَعْدُ حَيٌّ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحَاحُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ، الآية 1- 6).


ـ ولما بلغ إبراهيم من العمر (175) سنة توفّي، ودفنه ابنه إسحاق في مغارة (المَكْفِيلَة) حيث دُفنت زوجته سارة في السابق.


تلك هي خلاصة أهم ما جاء حول سيرة النبي إبراهيم في التوراة.


ملاحظات وتساؤلات


    ملاحظة 1: المعروف أن (أُور) مدينة سومرية قديمة جداً، كانت تقع في القسم الجنوبي من بلاد الرافدين (جنوبي العراق حالياً)، وقد سيطر عليها الأكاديون، ثم الدولة البابلية القديمة، ثم الدولة الآشورية، وها نحن نجد أنها سُمّيت في التوراة باسم (أُور الكَلْدانيين)، ومعروف أن الكلدانيين هو الاسم الذي يطلق على البابليين الذين تحرروا من السلطة الآشورية، وأسسوا الدولة البابلية الحديثة بين سنتي (625 – 538 ق.م)، بعد أن تعاونوا مع الدولة الميدية في إسقاط الدولة الآشورية، وتقاسم الشريكان غربي آسيا، فكان القسم الجنوبي الغربي من بين النهرين من نصيب الكلدان. (انظر سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة ص 71).


    وقدّر المؤرخون زمن رحلة أسرة النبي إبراهيم في القرن (19 ق.م) أو القرن (18) ق.م) (سيد القمني: النبي إبراهيم، ص 38)، وهذا يعني أن أور السومرية لم يكن اسمها حينئذ (أور الكلدانيين)، لكن الراوي التوراتي، وربما المترجم التوراتي، هو الذي أطلق عليها هذا الاسم.


    والسؤال هنا: لماذا ميّز الراوي التوراتي (أور) بإضافة (الكلدانيين) إليها؟ ألا يعني ذلك أنه كان في غربي آسيا قديماً أكثر من مدينة اسمها (أُور)، ومنها (أورشليم= القدس) مثلاً؟ وهل كانت رحلة أسرة إبراهيم هي من (أور) السومرية هذه، أم أنها رحلت من مدينة أخرى كانت تسمّى باسم (أور)، لكن بما أن أور الكلدانيين كانت هي المشهورة في زمن تدوين نصوص التوراة، فوقع اختيار الراوي التوراتي عليها؟


    ملاحظة 2: ذكر الراوي التوراتي أن أسرة تارح (والد إبراهيم) فقط هي التي هاجرت من أور الكلدانيين إلى حاران (حَرّان)، وليس عشيرته، ثم نجد الرواي يقول بصدد أمر الرب لإبراهيم بالهجرة من حاران إلى أرض كنعان: ” وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 12، الآية 1 – 2). ويقول إبراهيم لكبير عبيده: “ لاَ تَأْخُذَ زَوْجَةً لابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ أَنَا سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، بَلْ إِلَى أَرْضِي وَإِلَى عَشِيرَتِي تَذْهَبُ وَتَأْخُذُ زَوْجَةً لابْنِي إِسْحَاقَ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 24، الآية 2 – 4).


    أليس هذا تناقضاً؟ وهل ورد هذا التناقض نتيجة وجود أكثر من راو للنصوص التوراتية، وأكثر من مدوِّن لها؟ أم أن أسرة إبراهيم كانت في الأصل من حاران (حرّان)، وهاجر أحد أجداد لظروف معيّنة إلى أور في جنوبي بلاد الرافدين، ولظروف معيّنة أخرى عادت الأسرة إلى مسقط رأسها الأصلي حاران؟ بل إن الطبري ينقل الخبر الآتي بصدد ولادة إبراهيم: ” وقال بعضهم: كان مولده بحرّان، ولكن أباه تارخ نقله إلى أرض بابل “. (تاريخ الطبري، ج1، ص 233)؛ أفلا تعزّز هذه المعلومة احتمال أن أسرة إبراهيم كانت حرّانية الأصل؟


    ملاحظة 3: ورد اسم (الحوريين) مراراً عديدة في النصوص التوراتية، وحدّت تلك النصوص موطنهم في (جبل سَعِير)، وإليكم بعض تلك النصوص:


ـ ” وَفِي سِعِيرَ سَكَنَ قَبْلاً الْحُورِيُّونَ، فَطَرَدَهُمْ بَنُو عِيسُو وَأَبَادُوهُمْ مِنْ قُدَّامِهِمْ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِسْرَائِيلُ بِأَرْضِ مِيرَاثِهِمِ الَّتِي أَعْطَاهُمُ الرَّبُّ “. (العهد القديم ، سفر التثنية، الأصحاح 2، الآية 12). وللتوضيح: عيسو هو الابن البكر للنبي إسحاق بن النبي إبراهيم، وهو أخو يعقوب بن إسحاق، ولقب يعقوب هو (إسرائيل).


ـ ” هؤُلاَءِ بَنُو سَعِيرَ الْحُورِيِّ سُكَّانُ الأَرْضِ: لُوطَانُ وَشُوبَالُ وَصِبْعُونُ وَعَنَى وَدِيشُونُ وَإِيصَرُ وَدِيشَانُ. هؤُلاَءِ أُمَرَاءُ الْحُورِيِّينَ بَنُو سَعِيرَ فِي أَرْضِ أَدُومَ. وَكَانَ ابْنَا لُوطَانَ: حُورِيَ وَهَيْمَامَ. وَكَانَتْ تِمْنَاعُ أُخْتَ لُوطَانَ. وَهؤُلاَءِ بَنُو شُوبَالَ: عَلْوَانُ وَمَنَاحَةُ وَعَيْبَالُ وَشَفْوٌ وَأُونَامُ. وَهذَانِ ابْنَا صِبْعُونَ: أَيَّةُ وَعَنَى. هذَا هُوَ عَنَى الَّذِي وَجَدَ الْحَمَائِمَ فِي الْبَرِّيَّةِ إِذْ كَانَ يَرْعَى حَمِيرَ صِبْعُونَ أَبِيهِ. وَهذَا ابْنُ عَنَى: دِيشُونُ. وَأُهُولِيبَامَةُ هِيَ بِنْتُ عَنَى. وَهؤُلاَءِ بَنُو دِيشَانَ: حَمْدَانُ وَأَشْبَانُ وَيِثْرَانُ وَكَرَانُ. هؤُلاَءِ بَنُو إِيصَرَ: بِلْهَانُ وَزَعْوَانُ وَعَقَانُ. هذَانِ ابْنَا دِيشَانَ: عُوصٌ وَأَرَانُ “. (العهد القديم ، سفر التكوين، الأصحاح 36، الآية 20 – 28).


ـ ” شَعْبٌ كَبِيرٌ وَكَثِيرٌ وَطَوِيلٌ كَالْعَنَاقِيِّينَ، أَبَادَهُمُ الرَّبُّ مِنْ قُدَّامِهِمْ، فَطَرَدُوهُمْ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ. كَمَا فَعَلَ لِبَنِي عِيسُو السَّاكِنِينَ فِي سِعِيرَ الَّذِينَ أَتْلَفَ الْحُورِيِّينَ مِنْ قُدَّامِهِمْ، فَطَرَدُوهُمْ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ إِلَى هذَا الْيَوْمِ “. (العهد القديم ، سفر التثنية، الأصحاح 2، الآية 21 – 22).


    بل إننا نجد اسم (حُور) في أسماء بعض أسباط بني إسرائيل: ” وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: اُنْظُرْ. قَدْ دَعَوْتُ بَصَلْئِيلَ بْنَ أُورِي بْنَ حُورَ مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا بِاسْمِه“. (العهد القديم ، سفر الخروج، الأصحاح 31، الآية 1- 2).


    ويقع جبل سَعير في وادي عَرَبَة، شمالي خليج العَقَبة المتفرع من البحر الأحمر (يقع وادي عربة الآن في جنوبي المملكة الأردنية الهاشمية)، فمن هم هؤلاء الحوريون؟ هل هم الحُوريون الذين عُرفوا بعدئذ بالميتانيين، وأقاموا دولة كبرى بين القرنين (16 – 13 ق.م)، وامتد نفوذهم من جبال زغروس شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً؟ وما الذي أوصل الحوريين إلى وادي عَرَبة؟ ولماذا استقروا في المنطقة الجبلية (سَعير)؟ هل لأنهم كانوا في الأصل سكان جبال شمالي كردستان (شرقي تركيا حالياً)، فلم يجدوا راحتهم إلا بالإقامة في الجبال؟ وهل من علاقة بين الحوريين والكرد؟ وهل وجود اللاحقة (ان) An الدالة على صيغة الجمع في نهاية أسمائهم (أشرنا إليها بوضع خط تحتها) دليل على الأصل الآري (الهندو أوربي) لأولئك الحوريين؟


    ملاحظة 4: ذكر الراوي التوراتي أن إبراهيم كان قد تزوّج- وهو في أور- ساراي رغم أنها كانت أخته من أبيه فقط (الأخت غير الشقيقة)، وهذا أمر غريب، نجد له مثيلاً عند الطبقات الملوكية الحاكمة القديمة، ومنهم فراعنة مصر، وملوك الميتانيين، وملوك الفرس الأخمين، وبما أن لأسرة إبراهيم صلة جغرافية بمنطقة الانتشار الحوري (الميتاني)، ولا علاقة لها ببلاد فارس، ولا بمصر الفرعونية، فهل يمكن اتخاذ زواج الأخ من الأخت غير الشقيقة دليلاً على انتماء أسرة إبراهيم إلى الثقافة الحورية، أي إلى المجتع الحوري؟


    ملاحظة 5: ذكر أبراهام مالمات، وحاييم تدمور بشأن مدينة (نُوزي) أنها كانت : ” خلال القرن 15، 14 ق.م مقراً هاماً للحكم في مملكة ميتاني التي ينتمي سكانها إلى الشعب الحوري. ولكن الحوريين كانوا قد انتشروا قبل ذلك في منطقة حاران، واتجهوا نحو منطقة سوريا وفلسطين، وفرضوا طابعهم على التركيب العرقي القديم للأنساب العبرية، وعلى أسباط بني إسرائيل في فترة متأخرة أكثر “. (أبراهام مالمات، حاييم تدمور: العبرانيون وبنو إسرائيل، ص 118). أليس في هذه المعلومات ما يقوّي وجود علاقة ما بين الحوريين (الميتانيين)، وحاران (حَرّان)، وأسرة النبي إبراهيم؟


    وإذا أخذنا في الحسبان أن المناطق الشمالية من بلاد الكرد، وكذلك المناطق الغربية (وفيها تقع مدينة حاران/حرّان)، كانت المناطق المركزية للانتشار الحوري (الميتاني)، أفلا يمكن أن يكون ذلك من المؤشرات القوية على وجود صلة ما بين هذا الثلاثي: (الحوريون، إبراهيم، الكرد)؟


المراجع




  1. أبراهام مالمات، حاييم تدمور: العبرانيون وبنو إسرائيل في العصور القديمة بين الرواية التوراتية والاكتشافات الأثرية، ترجمة وتعليق دكتور رشاد عبد الله الشامي، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، الطبعة الأولى، 2001.



  2. سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ترجمة الدكتور السيد يعقوب بكر، دار الرقي، بيروت، 1986.



  3. الدكتور سيد محمود القمني: النبي إبراهيم والتاريخ المجهول، سينا للنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1990.



  4. الطبري: تاريخ الطبري: تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1979.



  5. الكتاب المقدس (العهد القديم)، دار الكتاب المقدس في العالم العربي.


وإلى اللقاء في الحلقة الحادية عشرة


د. أحمد الخليل   في 17 – 2 –  2009