الرئيسية » مقالات » العصر الذهبي بدون برنامج سياسي

العصر الذهبي بدون برنامج سياسي

بعد طول انتظار، وتعذر وعرقلة مقصودة، نجح البرلمان العراقي في لملمة صفوفه وحشد قواه وتركيزها باتجاه انتخاب النائب الأصولي إياد السامرائي رئيساً للمجلس، بعد فراغ استمر عدة أشهر على أثر الاستقالة المرغمة للرئيس السابق محمود المشهداني.
ويعزى انتخاب السامرائي لعدة أسباب منها:
أولاً : أنه ينتمي للطائفة السنية، فوفق التقسيمات الطائفية (سنية شيعية) والقومية (عربية كردية) التي تمكنت من العراق، بات متعذراً انتخاب نائب غير عربي وغير سني رئيساً لمجلس النواب العراقي، فهو منصب بات استحقاقاً للطائفة العربية السنية.
ثانياً : لأنه عضو في حركة الإخوان المسلمين المعارضة لحزب البعث العربي الاشتراكي، وقد كان معارضاً للرئيس الراحل صدام حسين من منفاه في لندن ومنها نال الجنسية البريطانية.
ثالثاً : تربطه علاقات قوية مع أصحاب القرار من الأميركيين، ويحظى بثقتهم ودعمهم، فقد عاد إلى بغداد مع الدبابات الأميركية للإسهام في إسقاط النظام السابق والمساهمة ببناء النظام اللاحق، حتى غدا جزءاً من تركيبة النظام الجديد وأحد رموزه.
نجاح السامرائي رئيساً للبرلمان العراقي، نجاح لحركة الإخوان المسلمين التي باتت الحركة السياسية الأقوى العابرة للحدود في العالم العربي، فهي تشارك في الحكم في كل من السودان والجزائر إضافة إلى العراق، وتتحكم منفردة بقطاع غزة، بعد فوزها الملحوظ في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في بداية العام 2006 ومبادرتها الانقلابية في الهيمنة على قطاع غزة، كما أنها تقود المعارضة من موقع القوة والاقتدار البرلماني أو الجماهيري أو الحزبي في خمسة بلدان هي مصر والأردن وسورية والكويت واليمن، وتشكل قاعدة لحالة بديلة لنظم هذه البلدان أو شريكاً قوياً لها.
ومع أنها فشلت في إسقاط نظاميّ الحكم في كل من مصر عبد الناصر وسورية حافظ الأسد، عبر خيارات العمل المسلح والاغتيالات، والتي ثبت فشلها وانعكاسها السلبي على موقع ومكانة حركة الإخوان المسلمين جراء تورطها بالاغتيالات والعمل المسلح في كل من مصر وسورية، إلا أنها نجحت باستخدام نفس الوسائل الدموية في انقضاضها على السلطة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة واستيلائها عليه.
نجاح إياد السامرائي ليس بعيداً وليس معزولاً عن سلسلة النجاحات التراكمية التي حققتها حركة الإخوان المسلمين طوال السنوات الماضية، حيث تعزز موقعها على حساب التيار اليساري، وعلى حساب التيار القومي أيضاً الذي تعرض للفشل بسبب نتائج الحرب الباردة، فقد كان اليساريون والقوميون في صلب المعركة بالتحالف مع الاتحاد السوفييتي في مواجهة التحالف الأميركي الإسرائيلي، بينما كانت حركة الإخوان المسلمين في الخندق الأميركي، فدفع اليساريون والقوميون ثمن الهزيمة في الحرب الباردة، وقبض الأصوليون وحركة الإخوان المسلمين في طليعتهم، ثمن تحالفهم المديد مع الولايات المتحدة وقطفوا بعضاً من جوائز انتصارها في الحرب الباردة.
خلال حرب الرصاص المصهور الإسرائيلية والحملة الهمجية ضد قطاع غزة، حققت حركة الإخوان المسلمين نجاحاً ملحوظاً في إدارة المعركة الجماهيرية على النطاقين العربي والإسلامي، من موقع المعارضة في مواجهة الأنظمة الحاكمة طوال أيام الحرب والحملة الإسرائيلية على قطاع غزة، وأبرزت هذه الحركة أنها الحركة السياسية الأكثر حيوية ومبادرة للتعاطي مع أحداث غزة، دعماً وسنداً لفرعها وامتدادها الحزبي والتنظيمي في فلسطين حركة حماس، ولذلك كان من مصلحتها تضليل الرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي، وتصوير تقصير حركة حماس العسكري وفشلها في التصدي للعدوان وللاحتلال وحملته الوحشية، بل وعجزها عن توجيه ضربات موجعة للعدو، وتصوير ذلك على أنه انتصار على العدو الذي خرج من القطاع بدون خسائر تذكر وترك سكانه يئنون من الجراح والموت والخراب والحصار والبؤس والدمار الذي خلفته القوات الغازية في قطاع المعزول عن العالم.
اعتماداً على هذه الإنجازات الجماهيرية، صعدت حركة الإخوان المسلمين من وتيرة مطالبها السياسية في معرض معارضتها لأنظمة الحكم الحاكمة في بعض البلدان العربية، وذلك على أثر تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ففي الكويت قدم النواب الأصوليون استجوابات دستورية لرئيس الوزراء دفعت أمير الكويت إلى حل البرلمان، وفي الأردن رفعت شعاراً طالبت من خلاله بتطبيق “الملكية الدستورية” لأول مرة، وقد تم ذلك باستعمالها عدداً من الشخصيات الأردنية المعتدلة ليشكلوا غطاء لمطالباتها حول الملكية الدستورية، وكانت مشاركة رحيّل الغرايبة كشخصية مركزية في حركة الإخوان المسلمين وعضو في لجنتها التنفيذية، بمثابة الرهان على مثل هذا التوجه غير المسبوق، من قبل حركة سياسية قوية مثل حركة الإخوان المسلمين، وفي مصر دعت الحركة ليوم غضب ضد سياسات وإجراءات الحكومة المصرية، بهدف تصعيد الأعمال الجماهيرية المناهضة وتنشيط وتوسيع نطاق المعارضة السلبية، وذلك كله مع تكثيف الحملة “الإخوانية” ضد النظام المصري بهدف الضغط على القاهرة لفتح معبر رفح بدون أي شروط سياسية.
بانتخاب إياد السامرائي إلى جانب الفعاليات المختلفة لحركة الإخوان المسلمين، وامتلاكها زمام المبادرة التصعيدية والقدرة على المناورة، يشير هذا كله إلى أن المشهد الذي نعيشه بمثابة العصر الذهبي لهذه الحركة السياسية بدون برنامج سياسي واجتماعي.