الرئيسية » شؤون كوردستانية » الانفال وضرورة ان يفهمها الاخوة العرب كي يفهمونا 4

الانفال وضرورة ان يفهمها الاخوة العرب كي يفهمونا 4

بعد ظهور الفكر القومي في الشرق وتحرر العرب ونيلهم الاستقلال، اقترف عدد من الانظمة العربية في الربع الاخير من القرن الماضي وبالذات في العراق والسودان جريمة الابادة الجماعية. من المعلوم ان القتل الجماعي لا يمكن ان يحصل من دون ان يلقى الدعم من الفكر والنهج العنصري، الشوفينية العربية، (وارجو ان لا تفسر هذه الجملة بانها معاداة للشعب العربي) توصلت من خلال البعث الى قناعة ان تقوم بتنفيذ سياسة ابادة الكورد في العراق.
حكومة البعث سقطت لكن السياسة ذاتها تكررت في السودان. من هنا يجب ان ندرك حقيقة اننا نواجه معضلة كبيرة. انها مشكلة عظمى تواجه المجتمعات العربية، وهي ايضا معضلة المعين الذي ينهل منه الفكر المنتج للحركات السياسية المتطرفة في البلدان العربية بلا استثناء. منهاج الفكر القومي العربي فيما يتعلق ببناء النظم السياسية في هذه البلدان يعيش ازمة حقيقية. والمعضلة تكمن بان تيارات متطرفة تظهر وتتلقى الامداد الفكري والتسهيلات المادية مما يعني استمرار هذا النهج.
وهنا لابأس من الاشارة الى نموذج حي فيما يتعلق بعلاقاتنا الحالية مع الحكومة الفدرالية وهي ذات ارتباط بموضوعنا. فالانفال تمت ادانتها قانونيا في العراق واعطي الكورد الحق بان يقولوا: ايها العرب العراقيون حكومة من حكوماتكم قد نفذت سياسة الابادة الجماعية في كوردستان وتفضلوا هذا هو الدليل القانوني الصادر من مجلس النواب العراقي. هذه وثيقة كبيرة بيد الشعب الكوردي يستطيع ان يقول بالاستناد اليها، بان القسم العربي من العراق والبرلمان الفدرالي قد اعترفا بان الابادة الجماعية قد اقترفت بحق شعب كوردستان.
ورغم اعتراف مجلس النواب العراقي بحملات الانفال كأبادة جماعية، فما زالت الحكومة العراقية وبعض القوى السياسية العربية العراقية حتى الان تدخل في نقاشات مستمرة حول فكرة صلاحيات اقليم كوردستان.
حسناً اين تكمن المشكلة؟
فاذا كان العراقيون ومن خلال اعلى سلطة دستورية في البلاد، قد اقروا بان الشعب الكوردي قد اضطهد وتعرض للابادة على يد قوة سياسية عربية كانت تمسك بزمام السلطة، فياترى ما الداعي لاجراء مناقشات وسجالات حول ذات الحقوق؟ في الوقت الذي تقر القوانين والمواثيق الدولية بانه لا جدال حول حقوق الشعوب، مثلما لا نقاش حول حقوق فرد بالمقارنة مع الافراد الاخرين، لان التشريعات والقوانين لا استثناء فيها فيما يتعلق بالحقوق والواجبات.
مع هذا فان السلطات العراقية المعنية لاتزال تناقشنا بأستمرار، يفتحون معنا حوارات حول هوية المناطق في كركوك ونينوى وخانقين شبرا فشبرا. كمثال سأشير الى اخر اقوال شخصيتين عراقيتين، احدهما سياسي والاخر كاتب. وهما حازم صاغية ووفيق السامرائي. الاثنان قالا بان التعريب كان عملا خاطئا، لكنه اصبح امرا واقعا وليس من حق الكورد ان يغيروه. وهذه ذريعة لتبرير السياسات التي ادت الى شن حملات الابادة والانفال ضد الشعب الكوردي.
العدالة العراقية ادانت الانفال، لكن هذا الامر لم يتحول الى مادة تثقيفية بحيث يحس العراقيون العرب بحالة من تأنيب الضمير، كون سلطات سابقة كانت تمثلهم وتتحدث باسمهم وقامت بابادة شركائهم الاخرين في الوطن. ان من مهمة مجلس النواب العراقي الذي اصدر هذا القانون الجيد بان يحث القوى السياسية العراقية بان تعمل باتجاه ان يتحسس الفرد العراقي ويطلع على اخطاء وجرائم الماضي الشنيعة منعا لتكرارها، ومع مرور الايام من المتوقع ان تتحول الحالات الفردية الى رأي عام يقتنع بالسعي الى ازالة اثار كارثة الانفال. ومحو اثار حملات الانفال يتأتى قبل كل شىء من خلال الاعتراف بحقوق كوردستان كشعب وككيان جغرافي واضح الملامح ضمن الوطن العراقي.
للاسف لكوننا لم نفتح باب هذا النقاش مع الاخوة العرب، فكل واحد منا يتحدث من موقعه، وسائل الاعلام العربية العراقية تتحدث من طرف واحد وبالمقابل فان وسائل اعلامنا ايضا تتحدث على مستوى محلي. وهذا هو احد الاشكالات الكبيرة امام كوردستان والتي تجعلنا غير مؤثرين على المجتمع العربي سواء اكان في العراق ام خارجه. كل طرف منا يناقش الانفال وافرازاته على انفراد. الكورد يعتقدون بان الانفال قضية ذات ابعاد اجتماعية وانسانية واقتصادية، ولها تاثيرات واسقاطات حادة على المجتمع الكوردستاني ونظامه السياسي.
ولنترك ذلك جانبا باعتباره مشكلة نواجهها في الظرف الحالي، لكن الطامة في انها تشكل مشكلة حقيقية امام مستقبل تعايشنا المشترك مع الجوار والشريك في الوطن. وهذا يفرض حتمية ان يكون هنالك حوار ونقاشات مفتوحة بين النخب العربية والكوردية. نحن في كوردستان بحاجة الى مؤسسة خاصة تتولى ادامة النقاش حول هذا الموضوع كي نتوصل الى فهم مقبول ومتوازن للامر، وبعد ذلك تتولى هذه المؤسسة العمل باتجاه مخاطبة الرأي العام العراقي والعربي عموما. وعلى صعيد اخر علينا البدء بحوار مفتوح مع مختلف الاوساط العالمية، لان قضية الانفال قد تجاوزت حدود امكانية ان تسطيع الحوارات السياسية المشتركة ما بين الكورد والعرب ان تعطي الكورد التطمينات بانه سيعيش من الان فصاعدا بكل امن وامان وينجو من احتمالات التهديد والابادة الجماعية مستقبلا.
اسوق مثالا لما اطرحه هنا. فما قامت به قائمة الحدباء العربية في الموصل باستحواذها لوحدها على جميع المناصب السيادية في المحافظة وتهميش الكورد فيها يعد مؤشرا خطيرا، فهؤلاء ان تيسر لهم الامر، ما توانوا عن ابادة الكورد في الموصل، واذا ما قدر لهم الاستيلاء على السلطة في العراق فانهم سيصبحون بعثيين جددا ويشرعون بتنفيذ حملات انفال جديدة. اذا فان جذور العقلية التي انتجت البعث واستولت على السلطة ومثلت العرب العراقيين وقامت بأبادة الكورد، مازالت حية تنبض بالفعالية والحيوية. لهذا فان من حق الكورد ان يتوقفوا طويلا ازاء ذلك. وباعتقادي فأنه قبل ان يتوصل الرأي العام العربي الى حالة الاحساس بتأنيب الضمير وبأنه ارتكب الظلم او ارتكبت باسمه المظالم، ليقوم بعدها بممارسة الضغوط على قواه السياسية لتبدء الشروع بالاصلاحات، فلا امل في التوصل الى حل معقول ونهائي لقضية الانفال.
يجب ان يكون واضحا بان معالجة قضية الانفال تقتضي عملا ذا نتائج ملموسة وجدية على ارض الواقع.

Taakhi