الرئيسية » مقالات » شيطنة الأصولية

شيطنة الأصولية

قد يكون العنوان غريبا , فالمقدس كان هو أول من صور الآخر على أنه شيطان ملعون , لكن ممارسة الشيطنة ضد الآخر ليس حكرا على أحد , ما يتطلبه الأمر هو نسبة القداسة إلى شخص أو فكر أو وضع قائم ما ثم تحريم كل من يعارضه و حتى التفكير بنقده , اليوم لا يجري أغلب النقد الموجه للأصولية الإسلامية لحساب الناس كمرجعية خارج النص و غير خاضعة لها , بل لصالح مرجعية فوق الناس هي مرجعية السلطة القائمة , بل تريد محاولة تمجيد الواقع القائم , سواء في مجتمعاتنا أو في العالم بأسره , أن ترفعه إلى ما فوق واقع لا يمكن تغييره و يحرم حتى نقده , هكذا يجري التنظير لديكتاتوريات قديمة جديدة , بعضها غير جلده و احتفظ بأنيابه كاملة و مطلقة ضد أي محاولة للاحتجاج , و بعضها استخدم بعض مساحيق التجميل التافهة لتجميل وجهه القبيح , بالمطالبة بالحجر على الناس و تحديد الأقلية التي يحق لها التفكير و التعبير , من منطلق نخبوي فوقي و لصالح الطغم الحاكمة في مجتمعاتنا و في العالم , مرة أخرى يدعونا هؤلاء للتصفيق للقتلة و لتمجيد الطغاة..ليس فقط تلوين العالم بلون أبيض و أسود فقط , وليس فقط الزعم بأنهم أكثر ذكاءا من غيرهم و أنهم مخولون بالحكم على بقية البشر , بل إنهم هنا يريدون خلق موقف رهابي من الأصوليين , موقف يختزل أية عملية عقلية إلى رد فعل بافلوفي يخدر العقل بأفيون من نوع جديد فيعلو الصراخ : المجد للسلطة , المجد للحاكم !!؟؟ الحداثة هنا ليست نصا مقدسا جديدا , و لا سلطة مطلقة جديدة , على العكس من طريقة عرض الحداثة هذه , فإنها لا تقل همجية و عداء للإنسان , العادي من لحم و دم , الذي يختزل في صورة إنسان لا يتألم من قمع السلطة و لا يشعر بالجوع بسبب إفقارها و نهبها له , بل يهلل لها في الحالتين , في صورة تابع سعيد , “متنور” هذه المرة , أي يرفض القبول بالفكر الاحتجاجي الشعبوي الديني , لصالح خضوعه الكامل للسلطة المطلقة “المتنورة” , مركز العالم الحداثي , لقد قتل في القرنين الأخيرين من البشر أكثر من عدد البشرية ذاتها قبل عدة قرون , حتى جنكيز خان لم يكن ليحلم بهذا العدد من الضحايا , و يعيش المليارات في جوع و فقر و جهل و مرض بسبب جشع أقلية محدودة جدا من “البشر” , من المؤكد أن لمفهوم الإنسان المستخدم في الخطابات السياسية و الفكرية السائدة معنى يستبعد هذه المليارات إلا بوضعيتها الصامتة الخرساء السلبية , و الأفضل حتى البلهاء , إن كل سياسات القوى السائدة تهدف إلى الحفاظ على الملايين في ظلام الجهل و “نعيم” العبودية , في فترة حكم الأبارتيد في جنوب أفريقيا كانت الصحافة الغربية تتحدث عن أحياء البيض النظيفة و الجميلة , كانت هناك حالة غريبة من عدم القدرة على رؤية الظروف الفظيعة التي كان الملايين من السود يعيشونها في المعازل القريبة , إن أسوأ تعريف للحداثة هو تعريفها بصورة الرجل الأبيض المستعمر و المحاط بعشرات “الخدم” “التافهين” , أو صورة الديكتاتور “المستنير” الذي يصفق له “ملايين” الأتباع المخلصين و السعداء محاطين بسياج سجن كبير “للحضارة” و بحراس هذا السجن , ليس غريبا أن هذه الحداثة لا تثير أحدا عدا من يتعبدها في مؤسسات “الحداثة” السلطوية , هناك حداثة مختلفة بدأت منذ ثار أول عبد في هذا العالم على سيده و على قيوده , حداثة لا تطلب من البشر العاديين السجود لأي سيد و لا الخضوع لسلطة تنهبهم و تقمعهم “لمصلحتهم” , حداثة لا تضع قيودا على العقل البشري و لا تحاصره أو تراقبه “كبوليس فكري” سياسي تابع لوزارات الداخلية المحلية أو لمؤسسات هيمنة المراكز الرأسمالية العالمية , بل تعرف نفسها بحريته الفعلية , لا بعبوديته لأي طغمة أو نخبة أو لأي كان .