الرئيسية » شؤون كوردستانية » وثيقة مثيرة للجدل

وثيقة مثيرة للجدل

لا شك أن الوثيقة المنسوبة للسيد “محمد السطام” عضو قيادة “حزب البعث العربي الاشتراكي – فرع الحسكة”، إنما تتضمن توجهات عنصرية فجة، ومباشرة، ضد قطاع أساسي من أبناء الشعب السوري، وهي إن صحَّـت، فستمثل تأكيداً موثقاً مباشراً لممارساتٍ فعلية مستهجَنة ضد الكورد في سوريا، ليس أقلها وقائع قامشلو 2004، ووقائع نوروز 2008 في قامشلو، أيضاً، واغتيال عشرات المناضلين، ومن أبرزهم المناضل الكوردي الكبير عثمان سليمان، إثر التعذيب في أقبية السجون السورية، كما تؤكدها الوقائع الجارية الآن من سلسلة الاعتقالات المتتالية للسياسيين الكرد، من كافة الاتجاهات الحزبية، والمستقلين، ولعل آخرها ما يجري مع المنتمين لحزب الاتحاد الديموقراطي، تلك الوقائع التي مازالت ماثلةً للعيان، ومازالت جراحها مفتوحة ولم تندمل. وكلها ممارسات آخذه في تعميق هوة تهدد استقرار ولحمة أبناء سوريا، بدأت بوثيقة محمد طلب هلال عام 1963،
إثر الإحصاء السكاني المهين عام 1962، الذي أفضى إلى نزع جنسية عشرات الآلاف من المواطنين السوريين، من الكورد، فحرمهم كل حقوق وواجبات المواطنة، وفجر سلسلةً طويلةً من التداعيات التي تشي بتوجهات أقل ما يمكن أن توصف به أنها عنصرية، تلك التوجهات والإجراءات التي لم يسلم منها العرب أيضاً ممن نادوا برد حقوق المواطنة للكورد، فنالو نصيبهم أيضاً من العسف القمعي.
كنت أتمنى من (الرفيق المناضل) عمار ساعاتي، عضو القيادة القطرية لحزب البعث، الذي بذل قصارى جهده لإثبات زور الوثيقة المنسوبة للسيد “محمد السطام”، أن يبذل ولو جهداً أقل، ليثبت عملياً عدم انتهاج (القيادتين القومية، والقطرية) لسياسات عنصرية بحق الكورد، فينادي بإسقاط المرسوم التشريعي رقم 49 سيء الذكر، لما فيه من افتئات على حقوق المواطنين البسطاء من الكرد، بل والعرب، وإن كان يجري تطبيقه عملياً على الكرد فحسب، أن يطالب بحل مشاكل منزوعي الجنسية من الكورد، برد حقوق المواطنة كاملة إليهم.
لقد عانينا الكثير طوال تاريخنا الحديث من عنصرية الحكم التركي ضد العرب، وغيرهم، إبان الحكم العثماني، كما عانينا، ومازلنا، من عنصرية المشروع الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين، فمن الواجب علينا ألا نمارس سلوكاً عنصرياً تجاه مواطنينا، على أساس عرقي، أو قومي، أو طائفي. إن ممارسات مماثلة قد أفضت بالعراق إلى سقوطه تحت الاحتلال الأمريكي، ثم دخوله في دوامة من الدماء لم تهدأ حتى الآن، وأدت إلى تمزيق أواصر الارتباط بين أبناء الشعب الواحد، وفتحت الباب أمام مخاطر حقيقية، أقلها التدخل الأجنبي من كافة الجهات، وإذا كان الحكم السوري مستهدفاً بمؤامرة كما يؤكد (ساعاتي)، فمن باب أولى أن يسعى حزب البعث لرأب الصدع الآخذ في الاتساع، ولإدارة حوار ديموقراطي مع جماهير الشعب السوري، عرباً وكورداً، فكلاهما يعاني أيما معاناة من ممارسات قمعية عنيفة من الأجهزة الأمنية، هي التي تهدد بالفعل استقرار لحمة أبناء سوريا، فلا يجوز أن يسعى الحكم السوري للحوار والتفاوض المباشر، وغير المباشر مع إسرائيل، سراً، ثم علناً، فيما يبخل على أبناء الشعب السوري بحوارٍ ديموقراطي، يلبي احتياجاً ديموقراطياً ملحاً، ويستبدل ذلك بسياساتٍ قمعيةٍ لا تفرق بين عربٍ أو كورد. إن السلوك الدكتاتوري والفاشي والعنصري لأجهزة الحكم هي أقصر الطرق لانهيارها، وتفتت الأوطان، وتجارب التاريخ تؤكد ذلك، في أوروبا، وآسيا، وجنوب إفريقيا، وحتى في محيطنا الشرق أوسطي.
فالتمسك بالقومية العربية لا يتأتى بالسعي لقهر ما عداها من قوميات، بل بالتفاعل الإيجابي الديموقراطي البناء والمتكافئ، القائم على الاحترام المتبادل بين القوميات المختلفة، دون استعلاء من إحداها على غيرها، وهو ما يثري ثقافة القوميات المتعددة، في إطار نفس الكيان السياسي، فيدفع المجتمع بكامله للنمو والاستنارة والتقدم والوحدة والتماسك دون طمس التمايز القومي، فيما تفضي سياسة الإمحاء والقهر والصهر القومي، بالتوجه القومي العربي للدولة، إلى مهاوي الفاشية والعنصرية المقيتة، التي تفتح أبواباً عافانا الله منها، وكفانا شرها.
وأخيراً فالمأمول من الحكم السوري، إعادة تقييم مجمل سياساته، فيما يتعلق بالجانب الديموقراطي، تجاه العرب والكورد، على حدٍ سواء، قبل أن تدور رحىً لا يستطيع أحد إيقافها، سـتجُـر على سوريا، والمنطقة بأسرها، خسائر جسيمة، تفوق قدرة أي طرف على استيعابها، وإن كان القطر السوري يتعرض لمؤامرات خارجية، فإن وحدة أبنائة الطوعية، القائمة على تفعيل الحقوق الديموقراطية، والمساواة العادلة بين أبنائه، وصون الحقوق المتوازنة لكل مفردات ومكونات المجتمع السوري، هي أقصر، وأسلم الطرق، للتصدي لتلك المؤامرات.
ومن جانبٍ آخر فإن تصاعد النضال الديموقراطي للجماهير الكوردية في سوريا، خلال السنوات الخمس المنصرمة، إنما ينبئ بتطور إيجابي، تتبلور عبره حركة ديموقراطية تقدمية كوردية ضاغطة، في سبيل استعادة حقوق طال ضياعها، وإنهاء أوضاعٍ لم يعد من الممكن تحملها من جانب الكورد، ولا من جانب أي صاحب ضمير حر من العرب، أوضاع أقل ما يمكن أن توصف به آثارها أنها أكثر عنصرية مما يمارسه العدو الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني

السبت, 25 أبريل 2009 20:42 سوبارو