الرئيسية » مقالات » الأســد وفـيينـا وإنقـاذ مايمكـن إنقـاذه!

الأســد وفـيينـا وإنقـاذ مايمكـن إنقـاذه!

معـلوم أن للأزمــة الماليـة الراهـنـة عـشـرات الاسـباب, ومعـالجـتـهـا (الجـاريـة عـلى قـدم وسـاق) تتطـلب البحـث في شـتـى الأسـباب, مهمـا كانـت صغـيرة أو ثانـويـة, و”التـرقـيــع” لم يعـد مجـديا, فهـي حـقـيقـيـة وجـديـة وشــاملـة وخـطـيرة, وبالتـالـي فـإن عـمليـة معـالجـتهـا هـي أيضا جـديـــة ولاتحـتـمـل أيــة أخطــاء أو تــهـاون.
النمـسـا, كمـا سـويـسرة واللوكسـمبورغ, عـرفـت خـلال العـقـود الماضيـة, ولغـايـة بضعـة أشـهـر, على أنهـا واحــة آمنــة لـرأس المـال, إلـى حـد تـسـمـيتهـا ب “جنــة” الضرائب والأمـوال, وفـقــا لـســريـة بنـوكهــا. الـسـريـة التي جعـلت منهـا (النمســا) مكـانا ومـرتعــا للأمــوال غـير الشـرعـيـة, ســواءا تلك المتهـربـة مـن الضرائـب أو غـيرهـا مـن الأمــوال (المليــارات) التي تفـتـقــد للـوثائـق التي تـثـبـت مصادرهـا وأصولهــا. إلا أن البحـث في الأزمــة الإقـتصادية وسـبل معـالجتهــا قـاد إلى البحـث في النظـــم المـاليـة والبـنكـيـة لبعـض الـدول, البحـث الـذي أكــد فـداحـة أضرار السـريـة البنـكيـة عـلـى مجمـل الـدورة الإقـتصاديــة, ممـا أدى إلـى إصـدار قــرار أوربي, ومـن ثـم دولـي, يـرفــع السـريـة ويــوجـب معـرفـة مصادر وأصول كافـة الـودائــــع, الأمــر الـذي يـســهـل, من ناحيـة, عـمليـة مـراقـبـة رؤؤس الأمـوال (أصولهـا ومصادرهـا), وبالتـالــي تحـركهـا ومجـالات أنـشـطتهـا, ممـا يجـعـلهـا, وأصحـابهــا, “تحـت” المـراقـبة, ويصعـب, من ناحيـــة أخـرى, عـمليـات تهـريبهـا, جـغـرافـيا وضريبيـا, و “تـكـديـسـها”, والـذي يعـود بالفـائـدة عـلــى الجميــع (النظـام الإقـتصادي العـالمـي وضحـايـا تهـريـب وتكـديـس الأمــوال), بإسـتثنـاء أقـليـة ضئيلــة, هـي أصحـاب تلـك الأمــوال, والتـي تتـكـون, في معـظــم الأحــوال, مـن المافـيا وأباطـرة الفـسـاد الـذيـن “تعــــج” بهــم غـالبيـة دول آسـيا وافـريقـيــا, وخـصوصا الـدول العـربيـة, ومنهـا ســـوريـا, ومـن الجهـة الأخــرى “الجـنـائـن” الضريبية, ومنهـا النمـســا.
النمـســا, “واحــة” الضرائـب, أصبحـت, وفـقــا لقـرار رفــع السـريـة البنـكيـة, في وضـــــع لاتحـســد عـليــه, واصابــع الإتهــام (حـمايتهـا للـسـريـة البنـكيـة, أحــد عـوامـل الازمـة) تـتجــه نحـــو نظـامهـا المصـرفي وإلـى بنـوكهـا, الامــر الـذي يتطلب التحـرك الـسـريـع في إتجـاهـيـن مـتوازييـن, احـدهمــا هـو الحـيلـولـة دون هجـرة ونزوح الأمـوال والودائــع, والآخــر هـو إســتعـادة ثقــة دول الإتحـاد الأوربي والولايات المتحــدة (الـشركاء الأهــم عـلى المسـتوى البـعـيـد) بهـا كـشـريك وبنظــامهـا المالي. التحـرك السـريـع, والخـروج بأقــل الخـسـائر, يقـتضي بـدوره إحــراء مشـاورات عـلى أعـلــى المسـتويات مـع الأطـراف المـودعـة, ولكـون الكـثـير مـن “رجــال الأعـمــال” السـورييـن يـودعـون بضعــة مليـارات من اليـروات في أكـثر من بنـك نمـساوي, كـان لابــد مـن زيـارة “العـمـل” المقـرر أن يقــوم بهـا الـرئيـس بشــار الأســد يـومـي 27 و28 أبريـل الجـاري, ينطـلـق بعــدهـا مبـاشـرة إلى سلوفاكيا!!.
زيارة بشــار الاســد لعـاصمــة “ليــالـي الأنـس” ليـسـت إذا لإفـتتـاح المنتـدى الإقـتصـادي, السـوري ـ النمـسـاوي فـقـط, أو لتعـزيز “العـلاقـات” الثنـائيـة, كمـا تعـلـن وكـالــة ســانـا أو الخـارجيـة السـورية, بـل هـي (الـزيارة) تـأتـي ضمـن مـسـاعـي آل الأســد لإنقــاذ و “لفـلفــة” مايمكـن إنقــــاذه مـن مليـارات “العـائلــة”, إذ مـن المـؤكــد أن باســل الأســد رحــل تـاركـا مايقـارب السـبعـة مليـارات مـن الـدولارات في أحــد بنـوك النمـســا, الأمــر الـذي تـسـبب في نـشــوء أزمــة في العـلاقـات آنـــذاك, (فـالقـوانيـن النمـسـاويـة تجـيـز ملكيـة البنـك للـودائـع التي لاوريـث لمـودعـهـا, ولكـون باسـل الاسـد توفـي دون وريـث, فـأصبـح مـن حـق البنـك ـ النمـسـا ـ أن يحـول الملكيـة, بالتحـديـد 90% من إجمـالي المبلــغ, لصالحـه, آنـذاك تمكـن الأســد الأب مـن “لفـلفــة” الازمـة بتهـديـد النمـسـا في أمنهـا وإسـتقـرارهـا, بإبقــاء القـسـم الاكبر من الوديعــة في ملكيـة “الـورثـة”المقـيميـن في ســوريا!!). مليـارات آل الأســد وقـعـت ثـانيـة, نتيجـة للأزمـة الراهـنـة وتـداعـياتهـا (رفـع وحظـر السـريـة البنكـيـة),في أزمــة ممـا يتظـلب, كما ذكـرت آنفـا, التصرف السـريــع.
الأســد, الـذي سـيصطحـب معـه إلى كـل من النمسـا وسـلوفـاكيـا, (حـيث يـسـير فـيهـا أحــد المقـربيـن من آل الأســد, مـن ابنــاء القـرداحـة أمــوال “الضيعــة”) العـديـد مـن خـبراء المـال والاعـمـال, مــــن داخـل سـوريـا ومـن “الشـركاء” المقـيـميـن في أوربـا, الامـر الـذي يـشـير إلـى ضخـامـة المـبلـغ, الـذي يتـوجـب “تــزبيــط” أمــره, وإيجــاد مــلاذ آمــن لــه (بحـيـث يـسـتـمـر في النمـو), أي لابـــد مـن متـابعــة “المـسـيرة” و”التعـريــج” إلـى “إبـن الحـارة” في ســلوفـاكيــا, إذ لابـد هـنــا مـن التنـويـه إلى أن ســلوفـاكيـا لاتـزال ضمـن قـائمـة دول الفـســاد والمـافـيا المنظمــة.
الـشـراكـة السـوريـة ـ النمـسـاويـة, بـل والعـربيـة ـ النمـساويـة, قـديمـة وعـميقــة, ولابــد مـن الإعـتـنـاء بهــا, فـإمكـانـات الإنعـطـاف بهــا لمصلحــة الشـعـوب واقـعـيــة, وللأزمــة الإقـتـصــاديـة الـراهـنـــة محـاســن أيضــا, واهـمـهــا قــرار رفــع الـسـريـة, الـذي سـيكـون لــه دورا هــامــا في محـاصــرة الأمــوال “الشــاردة” التـي لايعــرف “أصـلهــا وفـصـلهــا”.
إننــا في عـصــر جــديـد…. وأصــول اللعـبــــة, عـلـى ضـوء معـطـياتــه, ســتـكون جـديـدة ومغـايــرة, وهــذا ســينتـج بـدوره لاعـبــين جــدد بالتـأكــيــد… وأمــــوال “الحــرام” ســـتحـرم أصحـابهـا مـــن الكـثـيـر!.
ليــالــي فـيـيـنــــا ليـسـت “آنـســة” دومــا…. فـهـي تـضطــر البعـض لـزيـارة منتجـعـات ومصحـات ســلوفاكيـا!
مــروان حمــود